العنوان التربية الحديثة على ضوء الإسلام
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1975
مشاهدات 21
نشر في العدد 257
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 08-يوليو-1975
لا بد من إيضاح فكرة أساسية في هذا الموضوع
تفسر جميع جوانبه وفروعه وتلقي الأضواء على نتائجه وتطبيقاته.
هذه الفكرة هي أنه ما من نظرية تربوية أو
اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية إلا وانبعثت عن عقيدة، عقيدة تحدد نظرها في الكون
والحياة والإنسان وتتشعب عنها جميع أنظمة الحياة فيما بعد. وإذا نظرنا هذه النظرة
الأساسية منذ بداية الحديث لا نستغرب بعدها أن نعقد هذه المقارنة بين الإسلام
والتربية الحديثة بصفة أن للإسلام عقيدته الخاصة التي تختلف عن العقيدة التي
انبعثت منها التربية الحديثة.
فللتربية الحديثة فلسفتها، وللإسلام عقيدته،
والتربية الحديثة نظام في التربية يمثل الفلسفة التي انبعثت منها، وللإسلام نظامه
في التربية منبثقٌ من عقيدته.. قد تتشابه جزئيات في النظامين فلا يدفعنا هذا
التشابه إلى اللهاث وراء كل جديد لنثبت أن الإسلام يحتويه أو أنه يحتوي الإسلام.
وحتى لا يبدو في كلامنا غرابة يحسن أن نسوق ما
قدمه الأستاذ أبو الحسن الندوي من أقوال لأساطين التربية في القرن العشرين حول هذا
المفهوم حيث يقول:
«وهنا ثلاثة شواهد لثلاثة من قادة التربية
والتعليم وأئمة الفكر في العالم العربي المعاصر»
يقول سير برسي نن الذي يحتل الصدارة بين خبراء
التعليم في بريطانيا في مقال له كتبه لدائرة المعارف البريطانية: «لقد سلك الناس
مسالك مختلفة في التعريف بالتربية ولكن الفكرة الأساسية التي تسيطر عليها جميعًا:
أن التربية هي الجهد الذي يقوم به آباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على
أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها.. إن وظيفة المدرسة أن تتيح للقوى الروحية فرصة
التأثير في التلميذ؛ تلك القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة وتربي التلميذ
تربية تُمكن من الاحتفاظ بحياة الشعب وتجديدها إلى الأمام».
وإن جون ديوي الذي كان تأثيره في نظام التعليم
الأمريكي أكبر من تأثير أي رجل في هذا العصر، يقول في كتابه «الديمقراطية والتربية»:
«إن الأمة إنما تعيش بالتجديد، وإن عمل التجديد يقوم على تعليم الصغار، إن هذه
الأمة بطرق متنوعة تكوّن من الأفراد الأميين ورثة صالحين لوسائلها ونظرية حياتها،
وتصوغهم في قالب عقائدها ومناهج حياتها». ويقول البروفيسور كلارك: «مهما قيل في
تفسير التربية فمما لا محيص عنه أنها سعي للاحتفاظ بنظرية سبق الإيمان بها وعليها
تقوم حياة الأمة، وجهاد في سبيل تخليدها، ونقلها إلى الأجيال القادمة».
كما يسوق لنا من جانب آخر رأي أحد أئمة
التربية السوفيتية «كوفيرين» إذ يقول: «إن العلم الروسي ليس قسمًا من أقسام العلم
العالمي، إنه قسم منفصل قائم بذاته يختلف عن سائر الأقسام كل الاختلاف؛ فإن سمة
العلم السوفيتي الأساسي أنه قائم على فلسفة واضحة متميزة، إن التحقيقات العلمية لا
تزال في حاجة إلى أساس علومنا الطبيعية؛ الفلسفة المادية التي قدمها «ماركس» و«أنجلز»
و«ستالين»، إننا نريد أن نخوض- وفي أيدينا هذه الفلسفة- في معترك العلم الطبيعي- وَنُصارِعُ
جميع التصورات الأجنبية التي تناهض فلسفتنا المادية والماركسية بكل حزم وقوة».
ويبلغ الحذر في تميز التربية للأمة أن أمريكا
ندمت كثيرًا يوم أخذت بنظام التربية الإنجليزي مع أن الأصل القومي واحد والأصل
العقائدي كذلك؛ كما قال الأستاذ الأمريكي الدكتور كونانت في كتابه «التربية
والحرية»: «إن عملية التربية تعاطِياً وبيعًا وشراء وليست بضاعة تصدر إلى الخارج
أو تستورد إلى الداخل؛ إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد
نظرية التعليم الإنجليزية والأوروبية إلى بلادنا الأمريكية».
فتربية كل أمة إذن منبثقة من عقيدتها، وعندما
نتحدث عن التربية الحديثة فلابد أن ندرسها على ضوء الإسلام ونخضع لقيمه ومفاهيمه.
فالمسلم يأخذ من معطيات التفكير البشري في
العلوم الإنسانية بحذر، وبالقدر الذي لا يتعارض مع أصول عقيدته، كما أنه يأخذ وهو
عارف بصير بما يأخذ. ويدع وهو عارف بصير بما يدع، لا يضيره أن يأخذ الحكمة أنى
وجدت فهو أحق الناس بها.
والذين يعملون اليوم في ميادين التربية في
مجتمعنا أحد نوعين:
الأول: وهم الذين يحملون عواطف إسلامية صادقة
فيقفون أمام معطيات التربية الحديثة مبهورين، ويحاولون جاهدين أن يقحموا مفاهيم
التربية الحديثة في الإسلام ولو عن طريق لي أعناق النصوص، أو أنهم يحملون على
التربية الحديثة بحجة أنها لا وجود لها في الإسلام ولا حاجة لنا بها لأنها آتية من
الغرب، ويحاربون دعاتها وأساليبها ووسائلها.
هذا وإن اختلف الموقفان لهذا الفريق، لكن
الموقفين صادران عن عاطفة إسلامية صادقة.
الثاني: وهم الذين تأثروا بكل معطيات الحضارة
الغربية فرأوا بها حلًا جذريًّا لمشاكلنا، ومما تأثروا به كذلك التربية الحديثة..
ويحقدون بنفس الوقت على الذين يودون تمييز الإسلام عنها بحجة أنهم عقبة كأداء في
سبيل التقدم.
وسأحاول- إن شاء الله- في حديثي الموجز عن
التربية الحديثة أن أقدمها على ضوء الإسلام ومبادئه؛ سائلًا الله- عز وجل- أن
يقيني العثار والزلل إنه سميع مجيب. وإن كنت أعترف سلفًا أنها مهمة أكبر مِنِّي،
إنما حسبي أن أشق الطريق: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ آل
عمران: 8.
أولًا: الطبيعة الإنسانية وفلسفة
التربية
النظرة إلى الإنسان جزء من العقيدة التي
يعتنقها المرء، وقبل أن نصل إلى نظرة التربية الحديثة للإنسان نرى لزامًا علينا أن
نستعرض الشوط الذي مرت به هذه النظرة في عالم التربية حتى وصلت إلى ما استقرت عليه
اليوم؛ لأن التربية الحديثة تحمل ردود الفعل على النظرات السابقة، وما لم نعرف
بشكل سريع هذه المفاهيم، لا نستطيع أن نستوعب الموقف الكامل لهذه التربية من
الإنسان.
1- نظر بعض الفلاسفة والمفكرين إلى الطبيعة
الإنسانية على أنها شيء ينقسم إلى جسم وعقل؛ فالإنسان له جسم محدود بالمكان، أما
العقل فليس له هذه الحدود، بل هو أقرب إلى الروح منه إلى شيء آخر. وَمِثْلُ هذه
الثنائيةِ كائنٌ في الفلسفةِ الإغريقيةِ، وعلى رأسها سقراط وأفلاطون.
يقول أفلاطون: «الإنسان روح في علاقة مؤقتة مع
جسم مادي، وأن هذه الروح قد وجدت قبل أن يوجد هذا الجسم، وأنها ستبقى بعد فنائه..
ووظيفة التربية على هذا الأساس هي تقوية الروح حتى تتغلب على شهوات الجسد وتسترد
مكانها وسيطرتها عليه».
وأدى هذا المفهوم إلى التمييز بين الفنون
الميكانيكية أو العمل اليدوي من جهة، وبين ما يتعلق بالفنون الحرة كتفسير الأدب
وعلم المنطق والموسيقى والرياضيات. ومن أجل هذا كان تعليم العمل اليدوي محتقرًا أو
مختصًّا بالطبقات الدنيا من الناس، ويتم عن طريق التكرار وتقليد الآخرين، بينما
كان تعليم الفنون الحرة محصورًا بطبقة الفلاسفة والعلماء.
ونتج عن هذين المفهومين تلك الهوة بين العلم
والحياة، أو بتعبير أدق بين الإنسان باحتياجاته الجسدية المادية وبين البيئة التي
يعيش فيها، وعلى طالب العلم أن يلتحق بعالم المثل ويحيا في دنيا الأفكار ليصبح
إنسانًا مرموقًا في مجتمعه.
2- وتسلل هذا المفهوم الإغريقي إلى مسيحية
الكنيسة وأضاف إلى الإنسان فكرة الخطيئة الموروثة؛ إذ تقول فلسفة المسيحية
التقليدية بمبدأ الخطيئة الأصلية، وأن الإنسان فقد قدرته على الوصول إلى الحقائق
بارتكاب آدم للزلة الكبرى، هذه الزلة لم تقتصر عليه وحده وإنما تعدته إلى أبنائه من
البشر أجمعين. ولذلك كان عليهم أن يمروا بخبرة معينة حتى يستطيعوا التغلب على هذه
الوصمة. ومن أجل أن يدخل الإنسان في ملكوت الله ويصبح جزءًا من ذات الإله لابد من
إحراق شهواته وتحطيم متطلبات جسده؛ ولهذا كان الرهبان يعتزلون الحياة والنساء
وملذات الدنيا قربى إلى الله كما يقول جل شأنه عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ
فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد: 27).
3- ونادى توماس هوبز في القرن السابع عشر بفهم
آخر للطبيعة الإنسانية تقوم على أساس الطبيعة القاسية الشريرة وسماها بحرب الجميع
ضد الجميع. فالإنسان ذئب تجاه أخيه الإنسان، ولا يحل مشكلة الحياة إلا الضغط
والقوة والسلطان.
بينما نادى معاصره لوك الإنجليزي بأن العقل
الإنساني عندما يحمله الطفل إلى المدرسة يكون كالصفحة البيضاء وتَقُومُ المدرسة
بواجبها في ملء جنباته بالتراث الإنساني المتراكم والخبرات البشرية العديدة. وحرمت
هذه النظرية الطفل من كل كيان حيوي له وحرمته من دوافعه ومن شخصيته الإنسانية التي
تتميز أول ما تتميز بالحركة والحياة.
4- لكن
الفلسفة الفرنسية المتمثلة بـ«جان جاك روسو» في القرن الثامن عشر فرقت بين الطبيعة
والبشر؛ فأعادت بجرة قلم كل خير للطبيعة أو بتعبير أدق لخالق الأشياء، وكل شر
للناس الذين يكونون أداة الانحراف بالطفل، وقد مثل هذا قوله:
كل شيء خير إذا ما جاء عن طريق خالق هذا
الكون، وكل شيء يصيبه الفساد والانحلال إذا ما مسته يد البشر.
وهو إن أعطى التربية مفهوم التنمية للمواهب
الفطرية لا الإفراغ في اللوح الأبيض، غير أنه جنح في إبعاد طفله عن البشر لدرجة
تجعله أقرب ما يكون في صفاته إلى الحيوان الذكي، وجعل جل همه في تربية حواسه،
ويمكن أن نطلق على نتائج هذا الفهم للطبيعة الإنسانية في مجال التربية اسم «التربية
السلبية».
5- نظرية الغرائز: وقد قسمت الطبيعة
الإنسانية إلى مجموعة من الغرائز؛ مثل حب الذات والمقاتلة والغريزة الجنسية،
متأثرة بنظرية داروين عن أصل الأنواع ونشوء الإنسان كما يقول عنها ديوي: إنها قامت
على أساس التشابه بين غرائز الإنسان وغرائز الحياة الدنيا.
وأصبح معنى هذا لكي نعرف السلوك الإنساني على
حقيقته يجب أن نعرف وندرس السلوك الحيواني، واتجه العلماء بذلك إلى دراسة هذا
السلوك الحيواني لعلهم يستنتجون منه القوانين والنظريات الخاصة بالسلوك الإنساني
في دراسة موضوعية متركزة على ما يظهر من هذا السلوك.
وكان هدفهم من هذه الطريقة أن يربطوا علم
النفس بالعلوم الطبيعية الأخرى؛ بحيث لا تدخل في دراسة العوامل الذاتية التي لا
يمكن ضبطها والتحكم بها.
6- وظهرت في هذا الصدد نظرية السلوكيين الذين
رأوا أنه للحصول على نتائج موضوعية تمامًا فيما يختص بالطبيعة الإنسانية ووظيفتها،
يجب التركيز على السلوك السافر.
وعلى هذا يتميز المذهب السلوكي بصفة عامة
باتجاهين:
الأول: هو تطبيق الأسلوب العلمي بمبناه
الميكانيكي على ميدان السلوك والتخلص من التفسيرات الغيبية. ورفض التفسيرات
الغيبية يعني رفض التفسير الديني الذي يقوم على الوحي والغيب من عند الله.
الثاني: استخدام الحيوان في البحوث والتجارب
بقصد دراسة وفهم السلوك عند الإنسان. وهكذا حرم السلوكيون الإنسان من شعوره وعقله،
ونظروا إليه نظرة ميكانيكية آلية تتركز حول المثيرات والاستجابات والأفعال
المنعكسة وقوانين الترابطِ، وكانت نظرة السلوكيين بذلك إلى الطبيعة الإنسانية نظرة
جزئية اجتزأت عاملًا واحدًا من الكل، ونظرت إليه على أنه الكل نفسه.
7- النظرية النفعية: وهي التي تقيس
الأمور بنتائجها وما تحدثه من ألم ولذة. فما كان لذيذًا فهو المفيد والنافع، وما
كان مؤلمًا فهو الضار والشر.
وقد انتقدها ديوي بعنف حين قال: «ونظرية
النفعيين الخاصة بتطابق الأفعال مع نتائجها هي خرافة نخدع بها أنفسنا. فهي تنكر في
الواقع أن الوقت والترابط وثيقا الارتباط بالأخلاق؛ حيث يمثل الوقت جوهر الصراع
الخلقي».
8- الطبيعة الإنسانية في التربية الحديثة:
كان لنظرية داروين عن التطور وأصل الأنواع أثرها أيضًا في النظرة للطبيعة
الإنسانية. وكان مبدأ التطور يتضمن أن الأنواع ليست نهائية جامدة، بل إنها على
العكس من ذلك تتطور وتتغير باستمرار، وهكذا يتخلص التغير ويتحرر من سلطان اللامتغير.
فالطبيعة الإنسانية إذن متغيرة متطورة تسعى على الدوام إلى تكييف نفسها حسب الظروف
الاجتماعية المختلفة، وأصبحت التربية على هذا الأساس عملية نمو مستمر، وخلصت هذه
المبادئ إلى أن الطبيعة الإنسانية التي يخرج بها الوليد البشري مستقبلًا للحياة هي
طبيعة مرنة يمكن تشكيلها في أشكال وأنماط مختلفة حسب الأهداف التي نضعها للعملية
التربوية. والبيئة الاجتماعية متغيرة متطورة أيضًا مما يميز المجتمعات الإنسانية
في العصر الحديث. وتغير البيئة الاجتماعية أساسي حتى تتاح الفرصة للطبيعة
الإنسانية أن تنمو إلى أقصى حد لها. إذن فالصفة الأولى للطبيعة الإنسانية في
التربية الحديثة هي التطور والتغير، أما الصفة الثانية فهي التكامل، وكما يقول
عنها ديوي: «وهذه الطبيعة الإنسانية لا تنقسم إلى جزئيات صغيرة أو كبيرة باختلاف
الأسماء التي تعطى لها، ولكنها كل متكامل في جميع أجزائه، متفاعل تؤثر ويتأثر كل
جزء فيه بالأجزاء الأخرى. وهذا التفاعل أساسي في إكساب الطبيعة الإنسانية النمط
الذي نشهده بها. فالتفاعل يكون بين طبيعة إنسانية متغيرة وبين بيئة اجتماعية
متغيرة متطورة أيضًا».
وهذه النظرة التكاملية للطبيعة الإنسانية
وتفاعلها مع البيئة الاجتماعية والمادية قد جمعت بين العناصر الذاتية الداخلية في
الفرد وبين العناصر الخارجية الموضوعية في البيئة. وكانت هذه النظرة المجالية
أساسًا للنظر إلى الطبيعة الإنسانية نفسها على أنها كل متكامل لا يتكون من جسم
يضاف إليه عقل. ولكن الطبيعة الإنسانية أبعد من ذلك، فالكل أكثر من مجموع أجزائه؛
أي إن الطبيعة الإنسانية هي أكثر من مجرد إحساسات جسمية وتكوينات عقلية. وهكذا نظر
إلى الطفل في التربية على أنه كل متكامل تُعنَى به هذه التربية من النواحي الجسمية
والعقلية على حد سواء، فهو يتعلم بجسمه كما يتعلم بعقله؛ لأن أحدهما لا يوجد بدون
الآخر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل