; دراسات في السيرة.. أسلوب المستغربين في كتابة السيرة | مجلة المجتمع

العنوان دراسات في السيرة.. أسلوب المستغربين في كتابة السيرة

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1975

مشاهدات 10

نشر في العدد 262

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 12-أغسطس-1975

·         الطعن في الصحابة ابتغاء زلزلة الثقة برواد التطبيق الإسلامي

·         لماذا يستمر ترويج كتب طه حسين في العالم الإسلامي؟

·         «الفتنة الكبرى» و«على هامش السيرة»، لا يقلان شرًا عن «في الشعر الجاهلي»

2- ما وراء شتمه للصحابة:

لا أدري السر الذي جعل طه حسين حكمًا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقومًا لأعمالهم؟!

لقد أطلق لسانه فيهم جميعًا يمدح أحدهم لأمر ويجرحه في أمور لا يستثني من ذلك أحدًا، ولا يلتمس لهم عذرًا ولا يتوقف عن وصف الله لهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: 100)، ولا قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (رواه مسلم).

ولا تسل عن مصادره وقوتها، فمصدره هواه وما فطر عليه من غلو وتطرف، فهو يأخذ ما هب ودب من كتب التاريخ، فإن استعصت عليه مال إلى كتب الأدب أو انتحل شعرًا ركيكًا وألصقه إلى صحابي جليل يسب فيه صحابيًا آخر.

يكتب طه حسين عن الصحابة مصورًا إياهم وقد عادوا إلى جاهليتهم مرة أخرى، فعلي بن أبي طالب يعاتب الزبير قبل موقعة الجمل فيقول له: «كنا نعدك من آل عبد المطلب حتى نشأ ابنك ابن سوء ففرق بينك وبيننا».

فالمعركة جاهلية بين بني هاشم وبني أمية- كما يؤمن طه حسين- ويتحامل على بني أمية فيرى أنهم من الطلقاء الذين دخلوا الإسلام وقد غلبوا على أمرهم ثم عادوا إلى جاهليتهم مرة أخرى، ومن الذين عادوا إلى جاهليتهم مروان بن الحكم، والوليد بن عقبة، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح.. ومن الذين كانوا يحكمون أهواءهم ومصالحهم وهم في وضع قريب من الجاهلية: عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.

فاتهم عمرو بن العاص بخراج مصر، وأن عمرو بن العاص كان يكره بيعة علي لأنه لا ينتظر من هذه البيعة منفعة أو ولاية أو مشاركة في الحكم، ولهذا انضم إلى معاوية، وكان ابنه عبدالله يرى أن أباه قد باع دينه بثمن قليل.

ووصف عمرو بن العاص مع معاوية رضي الله عنهما: «وهنا يظهر عمرو بن العاص الذي لم يكن أقل دهاء ولا أدنى مكرًا ولا أهون كيدًا من معاوية».

ويعتقد «طه» أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة في موقعة الجمل مع أنهما كانا يحاربان في صف واحد.

ويعود للحديث عن جاهلية معاوية فيشير إلى قصته مع أبي ذر رضي الله عنهما: «وقد ضاق معاوية برجل عظيم الخطر من أصحاب النبي هو أبو ذر.. ولم يستطع أن يبطش به لمكانه من رضى رسول الله عنه وإيثاره إياه ولسابقته في الإسلام، ولم يستطع أن يفتنه عن دينه بالمال» (الفتنة الكبرى: 2/57).

ويؤمن أن بني أمية في عهد عثمان حكموا حكمًا جاهليًا بعيدًا عن الإسلام، وعثمان رضي الله عنه نكث عن بيعته لعبدالرحمن بن عوف، وانحرف عن طريق صاحبيه.

وقال عمار بن ياسر: «وربما جادل في أن عثمان قد قتل مؤمنًا أو كافرًا.. وقد خاصم الحسن بن علي في ذلك.. كان الحسن يرى أن عثمان مات مؤمنًا، وكان عمار يزعم أنه مات كافرًا» (الوعد الحق: 171).

وهذا بهتان عظيم جاء به طه حسين، إذ كيف يجادل عمار الحسن بتكفير عثمان، وهو -عمار- من أقرب الناس إلى رسول الله ومن أجل عثمان كانت بيعة الرضوان، وقد بشره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة على بلوى تصيبه في حديث أبي موسى الأشعري الذي يرويه مسلم.

ويطيل الحديث في «الوعد الحق» عن ظلم عثمان وطغيانه، وأنه مازال يضرب ابن مسعود حتى كسر ضلعه، وأشبع عمار بن ياسر ضربًا حتى أصابه الفتق وغشي عليه وفاتته صلوات الظهر والعصر والمغرب، ثم أفاق فتوضأ وصلاهن (الوعد الحق: 170).

والرواية على هذه الصورة لا صحة لها، وخلاف عثمان مع ابن مسعود على المصحف كان بدون ضرب، والحق في ذلك مع عثمان، وخلاف عمار مع عثمان لم يتجاوز العتاب- كما يقول ابن عساكر في تاريخ دمشق.

وعن سبب سير عائشة إلى البصرة: «وكانت تنكر على علي فيما أعتقد -لاحظ قوله فيما أعتقد هكذا رجمًا بالغيب!- أمرين آخرين: أحدهما لم يكن لعلي فيه خيرة، فقد تزوج فاطمة بنت رسول الله ورزق منها الحسن والحسين، فكان أبا الذرية الباقية للنبي، ولم يتح لها هي الولد من رسول الله مع أنه قد أتيح لمارية القبطية أم إبراهيم في أواخر أيام النبي. فكان هذا العقم يؤذيها في نفسها بعض الشيء، ولا سيما وهي كانت أحب نساء النبي إلى النبي. أما الأمر الآخر فهو أن عليًا قد تزوج أسماء الخثعمية بعد وفاة أبي بكر رحمه الله، وأسماء هي أم محمد بن أبي بكر الذي نشأ في حجر علي، فكانت عائشة تجد على علي لهذا كله» (الفتنة الكبرى: 2/26).

ثم يصف عائشة على جملها تخطب الناس وتحثهم على القتال بلسان زلق، ومنطق عذب، وحجة ظاهرة القوة.

وكل الذي يقوله عن عائشة من خياله وهي لم تخرج إلى قتال، وخبر الحوأب قال الذهبي وابن حجر عن راويها إنه مجهول، فلم تصل عائشة الحوأب ولا اضطر عبدالله بن الزبير أن يأتي بخمسين شاهدًا ليشهدوا كذبًا بأن المكان ليس الحوأب.

وتوصل طه حسين بافتراءاته إلى أصحاب بيعة الرضوان ممن قال عنهم سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: 18)، فيقول عن مجلس الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ممن مات -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض: «فكل واحد منهم كان مخلصًا يرى أنه أقدر على احتمال العبء وأجدر أن يرعى ما ينبغي له من حق، وقد فوجئ المسلمون الذين كلفوا حراسة هؤلاء المشيرين مفاجأة أليمة حين رأوا هؤلاء المبشرين يختلفون في غير ائتلاف، ويتنافسون في غير وفاق، حتى قال أبو طلحة رئيس الحرسة: لقد كنت من أن تدافعوها أخوف مني من أن تنافسوها» (الفتنة الكبرى: 1/60).

وعن طلحة بن عبيدالله يقول: تأخر عن بيعة عثمان ثم بايعه، ولما اشتد الخلاف كان من المؤلبين والمشاركين في حصار عثمان، وكان يبحث عن الثراء فهلك وأهلك. ثم بايع عليًا ونكث البيعة ثم هرب إلى مكة، ومن مكة سار إلى البصرة لقتال عليّ عندما علم أن عليًا لن يمكنه من الولاية وجمع المال، وبعد أن اصطلح طلحة والزبير على هدنة مع عثمان بن حنيف عامل علي على البصرة عادا ونكثا الهدنة.

والزبير شريك لطلحة في كل ما سلف في مبايعة عثمان ونكث البيعة، ومبايعة عليّ ونكث البيعة، ونكث الهدنة مع والي البصرة.

والزبير هو الذي قال عنه -صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي حواري وحواري الزبير» (رواه مسلم).

وطلحة كان من الذين قال عنهم -صلى الله عليه وسلم- وهو على جبل حراء: «اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» (رواه مسلم).

وانتقد طه حسين بالباطل الشيخين: وصف عمر بن الخطاب في غير موضع بالبطش، ولم يمت حتى ملته قريش، وانتقد أبا بكر أنه حصر الخلافة في قريش وعمر كان يعارضه بذلك، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة موجودًا لولاه عمر عند وفاته وهو ليس من قريش.

وبعد أن انتهى من سب الصحابة واحدًا واحدًا وبين ما ظنه مخالفًا لهم، عاد ووصفهم بشيء من النفاق: «وكان الذين يعودون منهم إلى المدينة يلقون عمر فيتكلفون التجمل بسيرته ويحتالون في ألا يظهر على دقائق أمرهم وحقائقه. يلقونه مظهرين الشظف وغلظة الحياة وخشونة العيش ليرضى عنهم ويطمئن إليها. فإذا خلوا إلى أنفسهم، أو خلا بعضهم إلى بعض، أخذوا بما ألفوا من لين الحياة، وأشفقوا على عمر من حياته الخشنة تلك، في كثير من الإكبار له والإعجاب به» (الفتنة الكبرى: 2/162).

ولم يكتفِ بالشتائم الصريحة بل زعم لنفسه حقًا في -تأريخ- ما بضمائر الصحابة من أشياء لم يسجلها التاريخ: «فعثمان رفض عرض معاوية في أن يرسل إليه جندًا من أهل الشام يقيمون معه في المدينة.. وأضمر عثمان في نفسه أخرى في أكبر الظن لم يقلها لمعاوية: لم يرد أن يخرج عن سيرة الرسول وصاحبيه فيفرض سلطانه بالقوة والغلب، ويخضع دار الهجرة لهذا الاحتلال الذي عرضه عليه معاوية» (الفتنة الكبرى: 1/215).

وعن معركة صفين: «فما أستبعد أن يكون الأشعث بن قيس، وهو ماكر أهل العراق وداهيتهم، قد اتصل بعمرو بن العاص، ماكر أهل الشام وداهيتهم، ودبروا هذا الأمر بينهم تدبيرًا» (الفتنة الكبرى: 2/81).

وهل من التاريخ أن يقرر بدون دليل ولا بينة سوى خاطرة بفكره أراد أن يلصقها بالتاريخ بقوله: فما استبعد! ومثل «أظن» و«ما أستبعد» و«أضمر بنفسه» كثير جدًا في كتب طه.

بقي سؤال يطرح نفسه: ماذا يريد طه حسين من وراء شتم الصحابة والإساءة إليها؟!

والجواب صار واضحًا لا غبار عليه، فهو أولًا زعم أن الخلافة الإسلامية نظام غير صالح وقد انتهت بانتهاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وثانيًا: لا بد أن يتحدث عن رجال الخلافة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزيل من أذهان الناس تلك الصورة المشرقة الوضاءة عنهم.

فالناس يحفظون لهم تجردًا لله وزهدًا في الدنيا، وإيثارًا لليوم الآخر، وشجاعة في المعارك طمعًا بجنة الخلد بحيث كان الواحد منهم يرى أن أكله لتمرات في يده مدة طويلة جدًا تؤخره عن جنة الخلد.

وطمح طه أن يقدم صورة أخرى يتوهم فيها أنهم تقاتلوا بدعوى الجاهلية، واستأثروا بالحكم، وأقبلوا على جمع المال وبناء الضياع والاشتغال بالتجارة فأتوا إثراءً فاحشًا ثم يأتون عمر بن الخطاب فينافقون ويداهنون له خوفًا من شدته وبطشه!

وذلك العهد إذن بنظامه ورجاله كان تجربة فاشلة لم تستطع أن تعيش أكثر من ثلاثين عامًا ثم انتكست وعاد الظلم والتعسف والطغيان كعادته!

وإذا كان الصحابة، وهم مستوى من الناس لا يستطيع الناس أن يبلغوه أو يتوصلوا إليه، فإن عودة الخلافة والحكم الإسلامي أمران مستحيلان.

وهذه سفاهة من طه حسين لا يحسد عليها، ولم يقدم فيها دليلًا علميًا، ولا اعتمد فيما قاله إلى مصدر يعتد به، ولم يسبقه أحد من خصوم الإسلام إلى هذه المقالة التي باء بإثمها عند الله سبحانه وتعالى.

وبعد.. لا ينقضي عجبي كيف أن الشعوب الإسلامية بعلمائها ودعاتها وحكامها تسمح برواج كتب طه حسين على ما بها من حرب للإسلام، وكيد للمسلمين، وتزوير لحقائق التاريخ؟!

لا ينقضي عجبي كيف لم تتلف هذه الكتب وتمنع طباعتها ونشرها، لاسيما وأن هناك مراقبة دينية للمطبوعات- في أغلب البلاد العربية- تشرف عليها دور الإفتاء؟!

فليس من الحرية أن تنتقص عقيدة الأمة وتهان، وهناك فرق بين حرية التفكير وحرية التكفير- كما قال الرافعي رحمه الله.

كيف يثور الناس على كتابه «في الشعر الجاهلي»، ثم لا نجد استنكارًا شعبيًا «للفتنة الكبرى» أو «على هامش السيرة» وهما لا يقلان عن الأول خباثة وشرًا؟!

فالفتنة الكبرى بجزأيه هو فتنة في التضليل وطمس الحقائق ومسخ المعاني، ومؤلفه أشد وقاحة من أبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان في شركه، لقد رفض أبو سفيان أن يكذب أمام عظيم الرومان، وليس من المشركين أحد اتهم طلحة والزبير بالكذب والمراوغة، فكتاب الفتنة الكبرى من اسمه أكبر نصيب.

ومن أجل هذا الذي كتبه طه حسين ضد الإسلام فتحت له أوروبا ذراعيها، وتركت له الحبل على غاربه في ظل الاستعمار البريطاني لمصر، فكان أستاذًا في الجامعة ثم عميدًا لكلية الآداب بالقاهرة، ثم مستشارًا فنيًا في وزارة المعارف فمديرًا عامًا للثقافة بوزارة التربية والتعليم، ثم مديرًا لجامعة الإسكندرية فوزيرًا للتربية والتعليم.

ويسبغون عليه حامل جائزة نوبل وعميد الأدب العربي!

والذين بوأوه هذه المناصب الرفيعة، وعلقوا له تلك الأوسمة هم أنفسهم الذين يوجهون أشرس الضربات لطلائع البعث الإسلامي أينما كانت!

إن الذين صنعوا من طه حسين صنمًا لا يقل عن إيزيس ورمسيس هم الذين وضعوا الحبل في عنق سيد قطب رحمه الله وأعدموه، وحاولوا إتلاف كتبه بل أتلفوها في بعض البلدان!

وهذه صورة واحدة من الصور التي يحارب بها الإسلام في ديار تدين شعوبها بالإسلام.

الرابط المختصر :