العنوان هذه المسرحية الهزلية في باكستان!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1777
نشر في الصفحة 13
السبت 17-نوفمبر-2007
ما يجري اليوم في باكستان واحد من المشاهد الهزلية التي تعبر عن استخفاف الساسة. الممسكين بخيوط الحكم. بعقول الشعب الباكستاني، ومن خلفه شعوب العالم الإسلامي؛ الذين يتابعون الحدث على أرض واحدة من أكبر وأهم البلاد الإسلامية.
والغريب أن الساسة لا يملون من تكرار ذلك المشهد الهزلي، ولا يستحيون من تمثيله بإتقان بين حقبة وأخرى.. وقد نذروا أنفسهم - من أجل غنيمة الحكم - ممثلين لدى السيد الغربي الذي يتلاعب بهم أكثر مما يتلاعب بقطع الشطرنج! وقد لاحظت صحيفة «بوسطن جلوب» الأمريكية ذلك بالقول: إن ما يجري أشبه بمسرحية تجري فصولها باتفاق بين «مشرف» و«بي نظير».
فالآن يوشك الستار أن يسدل على الرئيس الجنرال برويز مشرف وعصره، ليفتح الستار للمرة الثالثة عن السيدة بي نظير بوتو لتطل على الأمة الباكستانية بعد طول غياب وبوجه طلق وبرنامج طموح، يدغدغ العواطف والمشاعر. ويدير عملية إسدال الستار ثم افتتاحه آلة إعلامية غربية جبارة تمتلك أدوات السحر وتصيب المرء بالسكرة، فلا يكاد يدرك شيئًا من تاريخ السيدة بي نظير المفعم بالفشل والفساد، بل يعميه عن ماضيها الغابر فلا يكاد يراها إلا منقذًا جاء على «حصان أبيض»، من لندن رأسًا ليغيث العباد من جبروت الجنرال الذي نصب نفسه منقذًا للشعب في انقلاب عسكري مريب على «نواز شريف» حدث في أكتوبر ۱۹۹۹م، يومها كنت هناك في باكستان أرقب الحدث عن كثب وأتابع مجريات ذلك الانقلاب، وهناك سمعت وطالعت وتابعت هالة الأمل الطموح التي حملها الجنرال إلى الشعب الباكستاني بعد التخلص من نواز شريف الذي ألقي به في المعتقل. لكني خرجت بحقيقة مهمة وموثقة، مفادها أن الجنرال مشرف وصل إلى السلطة لتنفيذ أجندة غربية محددة ودقيقة، ملخصها توجيه ضربات فعالة لثوابت أو لمقدسات الشعب الباكستاني المدارس الدينية.. المشروع النووي.. القضية الكشميرية.. طبيعة الدولة الباكستانية التي تقوم على أسس إسلامية واضحة.
لقد سمعت هذا الكلام من مصادر عدة هناك، وبصراحة لم أصدق أن الجنرال مشرف يمكن أن يقدم على شيء من ذلك، لكن مسيرة ثماني سنوات من الحكم العسكري (أكتوبر ۱۹۹۹م- ۲۰۰۷م) شهدت بالفعل تنفيذًا دقيقًا لمعظم تلك الأجندة، فقد بدأ الرجل حكمه بتشكيل مجلس قومي أغلبه من العلمانيين وضم ثلاثة من القاديانيين (فئة ضالة)، وحاصر الرجل المشروع النووي، ووضع مؤسسه الدكتور عبد القدير رمز باكستان التاريخي قيد الإقامة الجبرية، أي منعه على الأقل. من مواصلة مهامه وأبحاثه العلمية، وبالطبع شل حركة منظومة البحث النووي، ثم وجه ضربات موجعة للمدارس الدينية أو للتعليم الإسلامي. ولعل المجزرة التي ارتكبتها قوات الجيش داخل المسجد الأحمر (20007/7/11م)، الذي يمثل أحد أهم المدارس الدينية، وما سبقها وتبعها من عرقلة وتصفية لسير العملية التعليمية والمناهج، بل والدارسين الأجانب فيها، يجسد تلك الضربة القوية للتعليم الديني في البلاد، مقابل فتح الطريق على مصراعيه لتعاون غربي أمريكي، بلغ حد الانصياع التام بدعم الغزو الأمريكي لأفغانستان في 2001/10/7م ، وبين هذا وذاك، تقدم مشرف بأكثر من مبادرة تصب في تصفية القضية الكشميرية، واليوم وبعد أن قطع مشرف شوطًا بعيدًا في إنجاز هذه المهمة، وأفرغ كل ما لديه، كان عليه أن يرحل وسط هذا المشهد الدرامي، ووسط حالة خانقة في البلاد تترقب التخلص منه حتى تلتقط أنفاسها.. والحقيقة أن نفس الأجندة فرضت على نواز شريف، ولم يتمكن حينها من تنفيذها وها هو ذا مشرف ينفذ جزءا منها، ويتم إعداد المسرح للسيدة بي نظير لكي تكمل المهمة، لكن المطلوب التمهيد جيدًا لقيادة الساحة بعد إخلائها جيدًا من القوى الحقيقية، فقد تم وضع زعيم الجماعة الإسلامية قيد الإقامة الجبرية، وذلك بعد القبض على الآلاف من أنصاره وآلاف آخرين من المعارضين، وتغييب القوى الإسلامية إعلاميًا. بينما الأضواء مسلطة تمامًا على بي نظير وأصبحت الشوارع والمنتديات خالية تمامًا لمظاهراتها وخطبها حتى تصل إلى الحكم وهي زعيمة!
إن الشعب الباكستاني يعلم إفلاس بي نظير، ولو كانت تستطيع فعل شيء لفعلت في وزارتها الأولى (عام ۱۹۸۸م)، لكن الرئيس غلام إسحاق خان أقالها عام ۱۹۹۰م، بسبب اتهامات واضحة بالفساد والتسلط، ثم عادت إلى السلطة عام ١٩٩٣م، عبر تحالفات مع العسكر، مثلما يجري الآن، لقطع الطريق على الإسلاميين، لكنها فشلت ولم تحقق شيئا، وطاردتها التهم نفسها ... واليوم تعود بنفس الأجندة التي قطع مشرف فيها شوطًا لا بأس به وسيكون مطلوبًا منها وفق كلام رئيس الاستخبارات الباكستانية الأسبق «حميد جل».: «الاعتراف بإسرائيل، والتنازل النهائي عن كشمير، وإيقاف المشروع النووي».
الأخطر هنا أن الدولة الباكستانية منذ انفصالها كدولة إسلامية عن الهند عام ١٩٤٨م، لم تهنأ بالاستقرار، فقد شهدت أربعة انقلابات عسكرية كان أولها بقيادة أيوب خان عام ١٩٤٨م. الذي انقلب عليه الجنرال يحيى خان، مما أدخل البلاد في حالة فوضى، أدت إلى انفصال بنجلاديش في ظروف مشابهة.
واليوم.. فإن حالة الاحتقان المتزايدة يمكن أن تؤدي بالدولة إلى طريق التفكك إلى كانتونات متحاربة وفق السيناريو الأمريكي الذي حدد عام ٢٠٢٥م تاريخا نهائيًا لإتمام ذلك، لتصبح باكستان الإسلامية قطعًا متناثرة ومتحاربة، بجوار الهند الهندوسية القوية المتماسكة... وهو ذات السيناريو الذي يعد لدول إسلامية أخرى من إندونيسيا إلى الشرق الأوسط .... فهل نعتبر؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل