العنوان الطريق الشرعي لمعاملة الزوجة
الكاتب عائشه محمد جمال نحاس
تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004
مشاهدات 71
نشر في العدد 1583
نشر في الصفحة 60
السبت 03-يناير-2004
لو أحسن الرجل أسلوب النصيحة لأغنته عن الهجر والضرب.
هل يغضب لإضاعة زوجته الفرائض أو التقصير فيها كما يغضب لتقصيرها في بعض أمور الدنيا؟
الزواج من آيات الله تعالى وهو طريق السكن والمودة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( الروم 21).
ولكن الاختلاف وتباين الآراء ووجهات النظر ... أمر من طبيعة البشر... ولا تخلو أسرة من خلاف... ولا يخلو زوجان من مشكلات ولقد أرسى الإسلام قواعد وآداب التعامل بين الزوجين.. وبين طرق تأديب الزوج زوجته في حالة نشوزها.. وحري بكل زوجين أن يطلعا عليها ويعملا بها استجابة لله ولرسوله.. وقد استعنت في هذا المقال بكتاب: «روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد على الصابوني».
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ ( النساء: 34).
في هذه الآية الكريمة وجه الله عز وجل الخطاب للأزواج في حالة النشوز أو ظهور علامات النشوز من المرأة، أي قبل بدء المشكلة التي غالبًا ما تظهر عند المرأة بسبب سوء إدارة زوجها للأمور فيما يتعلق بواجباته تجاه الزوجة، أو سبب عضوي أو نفسي تعاني منه الزوجة، لكن الشرع الحكيم وضع علاجًا لنشوز المرأة حتى قبل أن يظهر قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ( النساء: 34)، فهنا بدأ الله عز وجل في الحث على الأسلوب الأول في معالجة النشوز وهو الموعظة الحسنة أو أسلوب الوعظ، والنفس الإنسانية عامة ونفس المرأة خاصة قابلة للتأثر وتقبل الموعظة الحسنة التي ينتقى فيها الكلام الطيب والوقت المناسب، فتتقبلها بشكل سريع، كما أنه يزول أثرها بسرعة ولذلك لابد أن تكرر في أوقات متفاوتة ويبين لها في كل مرة وجهة نظره في الأمر الذي يسوؤه منها، ويشعرها بأن هذا التصرف لا يناسبه ولا يليق بها، ويبين لها رأي الشرع الذي هو مصدر تحكيمنا أخلاقنا في ومعاملاتنا، فإذا كان الأمر مخلًا بالعرف شرح لها وجهة نظره ونظر الناس لهذا الأمر، كما أنه لابد أن يستمع منها لسبب صدور هذا الموقف منها، فمثلًا المرأة التي ضربها زوجها للوقوف عند النافذة قد تفسر له موقفها بأنها كانت تنتظره أو تروّح عن نفسها ولم تقصد أن تتابع أحدًا بنظراتها، ثم يبين لها من جهته أن وقوفها هكذا عند النافذة لأكثر من مرة قد يلفت نظر الرجال إليها، وهم لا يدرون بحسن قصدها أو أن الأمر يثير غيرته عليها فيشرح لها الأمر ويقنعها.
ومن المعلوم أن الإسلام ساد البشرية بالدعوة وحسن المعاملة والقدوة الحسنة برسول الله صلى الله علية وسلم والصحابة من بعده، فالرسول صلى الله علية وسلم قاد الدعوة وأخرج أناسًا من الجاهلية والنعرة القبلية إلى الإسلام بالإقناع والوعظ وصبر على هذا الأسلوب مدة طويلة حتى انتشر الإسلام ووصل إلينا.
إن الكلام إذا خرج من القلب وصل إلى القلب، وما خرج من اللسان لا يتجاوز الأذان ولكن هناك صنف من النساء لا ينفع معه اللين والكلام فقط، فتطرق القرآن لعلاجه قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (النساء: 34) واستمر القرآن الكريم يحث الرجل حال فشل أسلوب الوعظ إلى الأسلوب الأقسى على المرأة، وهو الهجر، وهو أسلوب فعال وناجح خاصة أن النفس البشرية تتألم من هجر من تحب ويصعب عليها تحمل ذلك، أما الهجر فالمقصود به الهجر في المضجع وقيل هو ترك الزوجة منفردة في حجرتها ومحل مبيتها ولا يزيد، الهجر على ثلاثة أيام، لا ثلاثة أشهر، فكثيرًا أتسمع أن زوجين يعيشان تحت سقف واحد لكن الزوج لا يكلم زوجته ويتجاهل وجودها لمدة طويلة أو أن زوجة ناشرًا على زوجها ولا تكلمه وتتجاهل وجوده فإذا وصل الهجر من الزوج إلى هذا الحد أصبح مذمومًا، لأن طول الهجر يفقد الزوجة شعورها بأهميتها، مما يجعلها تفقد الدافع للاهتمام بنفسها ثم منزلها وأطفالها، فيتحول الهجر من أسلوب علاج المشكلة إلى وسيلة لخلق مشكلة أخرى وهي اعتياد الزوجة على الهجر، فيصبح هجرها أمرًا طبيعيًا بمرور الأيام، وبالتالي يؤثر على نفسية الأطفال ويخسر الرجل المودة التي وهبها الله له وللزوجة وجعلها قوام الحياة الزوجية.
ولكن هناك أيضاً صنفاً من النساء لا ينجح معهن أسلوب الوعظ ولا الهجر، حتى ترجع عن تمردها وتعود إلى صوابها، فهنا يأتي العلاج بالأسلوب الثالث الذي حدده القرآن الكريم وهو الضرب، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (النساء: 34)
وعن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله علية وسلم أنه خطب يعـرفات في بطن الوادي فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستطلتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
قال العلماء في كيفية الضرب أنه ينبغي ألا يوالي الضرب في محل واحد وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن وأعظم ما تهتم به المرأة ولا يضربها بسوط ولا بعصاء وإنما بعود كالسواك.
ثم عليه أن يراعي التخفيف في هذا التأديب وقد وردت قصة أيوب عليه السلام مع زوجته عندما كان مرضه وغضب عليها في بعض الأمور، فحلف لئن شفاه الله ليضرينها مائة جلدة، فلما شفاه الله وكانت امرأته صالحة محسنة إليه أفتاه الله أن يضربها بضعت فيه منة شمراخ ضربة واحدة فيير بيمينه فأنظر إلى رحمة الله بالمرأة، فبدل أن تجلد مائة جلدة تضرب ضربة واحدة فقط رحمة من الله بها ولتعليم الأمة الرحمة بالمرأة.
والضرب أقل ضررًا من إيقاع الطلاق، لأنه هدم لكيان الأسرة وتمزيق لشملها.
من مضار الإسراف في الضرب
1- من المعلوم أن للزوج أثرًا كبيرًا في إعادة بناء شخصية الزوجة، وكثير من النساء تتغير طباعهن بعد الزواج عما كن عليه سواء للأسوأ أو الأفضل، ومن هذا المنطلق عندما يتعامل الرجل مع أخطاء زوجته بالضرب في كل مرة، فإن ذلك سيغرس فيها الشعور بالانهزامية وضعف الثقة بالنفس، وبالتالي سينقل ذلك إلى الأبناء من خلال تربيتها لهم فينشؤون على الانهزامية والخوف والشعور بالظلم، ونحن بحاجة إلى أمهات يغرسن في أبنائهن العزة والشجاعة.
2- أيضًا تكرار استخدام الضرب المبرح سيجعلها تشعر بأنها إنسانة ليس لها قيمة واحترام في بيتها، بل مجرد خادمة مطيعة للأوامر، وعندما تخالف لا بأس أن تضرب وتهان وبالتالي مع استمرار هذا الأسلوب سوف تقصر تربية أبنائها، بل تصير غير قادرة على ذلك.
3- ثم إن الرجل عندما يعتدي على المرأة بالضرب المبرح لا يتبادر إلى ذهنه أن الخصم ليس مكافئًا له، فهو رجل مفتول العضلات، أما أغلب هي فامرأة ضعيفة سلاحها الوحيد في الأحيان البكاء والدموع، فليتق الله في هذه الزوجة، وليتيقن أن الظالم لابد أن يسلط عليه من هو أظلم منه.
كما أن الزوج لابد أن يراجع نفسه هل أضرب زوجتي هذا الضرب المؤلم لأجل أمور أخروية شرعية كتضييعها الصلاة أو امتناعها عن الصيام أم أضربها لأمور شخصية عائلية وأحيانًا يكون الأمر تافهًا ولا يستحق أن تضرب عليه؟
فليتق الرجل ربه في زوجته وليعلم أنها أمانة. استأمنه الله عليها ثم استأمنته أهلها عليها في حُسن عشرتها وإكرامها، وليستشعر ضعفها وأنها تخلت عن أسرتها وصديقاتها ومن تحب وفي بعض الأحيان تترك وطنها بأسره لأجل الزوج، ثم بعد أن تنجب الأطفال نراها تضحي براحتها من أجل بيتها وأبنائها، وتبذل الغالي والنفيس في سبيل إسعادهم، فإذا استشعر ذلك فليكرمها وليحسن إليها، وليلتمس لها الأعذار في أخطائها، ويحسن استخدام الأسلوب المناسب في علاج ما يصدر عنها من هفوات وليحاول الابتعاد عن الضرب وليعلم أنه ليس محمود العاقبة.
إن أغلب أخطاء المرأة تنبع من أنها عاطفية بشكل أكبر من الرجل وإن كانت تلك العاطفة عند المرأة لها مضار على الرجل، لكن منفعتها أعظم في حياته، فأنت أيها الرجل بحاجة إلى عاطفة المرأة لكي تمدك وأسرتك بالحنان وتغمركم بالحب، فلولا عاطفة المرأة الجياشة لما قام كيان الأسرة ولما جنت على أطفالها.
وكما يقال للرجل يقال للمرأة فلا بد أن تتقي الله في زوجها ولتكن حكيمة ولا تدفعه بسوء تصرفاتها وتحكيمها لعواطفها في معالجة الأمور لا تدفعه إلى أن يستعمل معها مثل هذا الأسلوب، ولتكن لها أسوة حسنة في أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن في حُسن تبعلهن لأزواجهن.
ولكن إذا لم تُجد الأساليب السابقة نفعًا في حل المشكلة وعلاج هذا الشقاق يأتي الأسلوب الرابع في العلاج وهو تدخل حكمين من أهله وأهلها لأنهما أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للإصلاح، وإليهما تسكن قلوب الزوجين، فيعملان على تقريب وجهات النظر ومعرفة المخطئ منهما وتوجيهه للصواب حفاظًا على كيان الأسرة التي هي اللبنة الأولى في بناء مجتمع مسلم قوي ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: 35) .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل