; د. إسماعيل الحاج موسى - الخبير الاستراتيجي السوداني ووزير الإعلام الأسبق- عندنا ديمقراطية مباركة.. لا ديمقراطية مشاركة | مجلة المجتمع

العنوان د. إسماعيل الحاج موسى - الخبير الاستراتيجي السوداني ووزير الإعلام الأسبق- عندنا ديمقراطية مباركة.. لا ديمقراطية مشاركة

الكاتب حاتم حسن مبروك

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-2000

مشاهدات 92

نشر في العدد 1407

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 04-يوليو-2000

د. إسماعيل الحاج موسى، سياسي وأكاديمي، خبير إعلامي ومحلل استراتيجي وزير الثقافة والإعلام في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري، عضو مجلس الشورى بالمؤتمر الوطني، يطوف بنا ما بين أسباب أزمة المؤتمر الوطني، ورؤيته المجريات الحرب الإثيوبية الإريترية في القرن الإفريقي، وقضايا الليبرالية والديمقراطية في العالم الثالث، وهيمنة القطب الواحد على مجريات الأحداث في العالم، ومغزى الهجمة الأمريكية على الإسلاميين:

سفينة المؤتمر الوطني بعد طول إبحار شهدت خلافات وتصدعات فأين سترسو هذه السفينة، بعد المحاولات الداخلية والوساطات الخارجية لرأب الصدع؟

بعد أن نشأ هذا الخلاف والذي تحول للأسف إلى صراع... بدأت مبادرات كثيرة من الداخل والخارج، ولا أحسب أن أياً من هذه المبادرات قد أدت إلى نتيجة أو أفضت إلى حلول وأنا حزين لما حدث لأننا الآن نخطو في أعتاب التجربة التعددية الرابعة فالسودان جرب ثلاث تجارب حزبية تعددية، وأنا في رأيي الذي قد يختلف معه كثيرون أعتقد أن هذه التجارب الثلاث قد فشلت وأخفقت والدليل على ذلك أن إخفاقها حرك المؤسسة العسكرية لتحدث انقلاباً يطيح بالنظام كل تجربة من هذه التجارب الحزبية التعددية لم تأخذ أكثر من 3 أو سنوات ثم لم تلبث أن تنقلب إلى فوضى.. في بلد لا يحتمل مثل هذا الضياع للوقت والإهدار للإمكانات. وأعتقد أن التجربة الليبرالية لحمتها وسداها الأحزاب الأحزاب المبتكرة ذات الرؤية الواضحة والهيكل التنظيمي المحكم، كما أعني بها المعنى الحديث والعلمي للحزب، بأن يكون هناك برامج وانتخابات ومؤتمرات وتصعيد وقواعد وهياكل وسيطة لهذا الحزب لكن الأحزاب الكبيرة عندنا التي كانت مؤهلة لأن تصل إلى الحكم لم تكن أحزاباً حقيقية، فحزب الأمة، في رأيي، مازال واجهة سياسية لطائفة الأنصار، والحزب الاتحادي واجهة سياسية لطائفة الختمية.

تجربة المؤتمر الوطني كان يمكن أن تكون قدوة ومثلاً لأنه كان هناك وضوح في الرؤية وهيكل تنظيمي ممتاز من قواعد ودوائر وسيطة حتى تصل إلى الدوائر العليا. نقطة أخرى فقد كانت الأحزاب إما شمالية بحتة أو جنوبية بحتة. ولم يكن إخوتنا الجنوبيون ينضمون إلى الأحزاب الشمالية وإن وجدوا يعدوا على أصابع اليد، ولكن لأول مرة يقوم حزب - المؤتمر الوطني - يضم أهل الشمال وأهل الجنوب، مسلمين وغير مسلمين لأن هناك نصارى كثراً في المؤتمر الوطني، فالتجربة ممتازة، ولكنها للأسف اصطدمت بهذا الخلاف، وأعتقد أن الخلاف كان يمكن حله بسهولة، وهو ظاهرة صحية في الأحزاب، فالبشر لم يخلقوا سواسية في كل شيء ولكن المشكلة أن يتحول الخلاف إلى صراع كما هو حادث الآن وأعتقد أننا في مرحلة المفاصلة يعني انقسام المؤتمر الوطني وهو مؤسف حقيقة لأنه يحدث بينما الأحزاب القديمة بدأت تعود وتنشط، ونحن على أبواب تعددية مفروض أن يكون الحزب متماسكاً ويخوض التجارب الانتخابية البرلمانية (المجلس الوطني) والرئاسية رئاسة الجمهورية) وهو موحد لكنه يدخلها الآن وهو منقسم على نفسه، وأحياناً يتراءى للمرء أن الخلاف بين طرفي المؤتمر أعمق من الخلاف بين المؤتمر الوطني والأحزاب الأخرى حقيقة لأن الحرب المستعرة بين الطرفين أكثر من الحرب بين المؤتمر وحزب الأمة أو الحزب الاتحادي الديمقراطي. ومجلس الشورى قد انعقد من قبل مرتين وناقش الخلاف من خلال ما قدم إليه بما سمي بلجنة (رأب الصدع التي كان يرأسها رئيس مجلس الشورى نفسه وتواطأ الناس على بعض المسائل التي يمكن أن تفضي إلى حلول تؤمن وحدة التنظيم ولكن للأسف حالما ينفض المؤتمر يعود الناس إلى خلافاتهم وصراعاتهم وإلى التراشق الإعلامي والسياسي.

الوساطات بين البشير والترابي ركزت على الصف الإسلامي.. لكن المؤتمر الوطني لا يضم الإسلاميين وحدهم 

وبشأن الوساطة الإسلامية الخارجية؟

أنا قابلت الإخوة الذين أتوا من الخارج كالشيخ الزنداني ود. القرضاوي وغيرهما، قابلتهم بمبادرة شخصية مني وقلت لهم إنكم أتيتم وكل جهدكم مع إخواننا الإسلاميين وكأنكم جئتم بقصد الجبهة القومية الإسلامية وليس المؤتمر الوطني الوضع مختلف جداً لأن المؤتمر الوطني مظلة كبيرة تجمع الإسلاميين وغير الإسلاميين مسلمين ونصارى، وأنتم أتيتم لأجل الإصلاح بين الجبهة القومية الإسلامية ولذلك فسوف تكرسون الخلاف بين الإسلاميين والآخرين. وأظن أنهم في الهم في يخرجوا بنتيجة حتى حينما جمعوا الأخوين د. على الحاج والأستاذ على عثمان - النائب الأول لرئيس الجمهورية - وطرحوا أمامهم مسودة اتفاق لم تحصل على موافقة وتأمين الطرفين، فجانب الأخ علي عثمان رفض التوقيع عليها، وجانب الأخ علي الحاج لم يرفضها ولكن تحفظ عليها، وانتهت إلى لا شيء. هذا هو الحال المؤتمر الوطني وهذا سبب ربكة حتى للأحزاب الأخرى فأولئك الذين أتوا ليصالحوك سيجلسون النهاية لم في المؤتم مع من؟

يلاحظ في معظم دول العالم الثالث أن الأحزاب كانت قد أنشئت أصلاً من أجل التحرير من قبضة المحتل الأجنبي ولكن بعد ذلك لم تستطع هذه الأحزاب أن تتحول إلى تنظيمات قادرة على وضع وتنفيذ برامج تنموية لمصلحة بلادها فهل لذلك علاقة بما يجري في السودان؟

قطعاً لأن الأسس التي قامت عليها أسس مختلفة، ومسألة التحرير وقتها تكون محتاجة إلى تعبئة الناس وبث الحماس من أجل التحرر ولكن مسألة التعمير والتنمية تحتاج إلى تخطيط علمي. والأحزاب التي تعودت على تهييج الناس وتعبئتهم ليست بالضرورة هي ذاتها التي تخطط بدقة من أجل التنمية، ونحن قطعاً لا ننكر أن أجدادنا وأبانا الذين قادوا معارك التحرير حققواانتصارات كبيرة مثل الاستقلال والجلاء والسودنة لكنهم بعد ذلك فشلوا خلال أربعين سنة أو أكثر من نيل الاستقلال، فنحن حتى الآن لم نتفق على صيغة الحكم المناسبة، ولم نحقق التنمية بالقدر الكافي.

قلت في أحد أبحاثك إن المؤسسات الاجتماعية الشمولية «الطائفية والقبلية والعشائرية» في العالم الثالث لم تقبل أن تتنازل عن نفوذها أو وظيفتها للأحزاب ألا يشكل هذا عقبة أمام نجاح الصيغة التعددية؟

منذ وقت قريب قدمت ورقة في معهد الدراسات الاستراتيجية بعنوان «أزمة صناعة القرار في السياسة السودانية» وأعتقد أنه توجد أزمة صناعة قرار في السياسة السودانية، فلا توجد مشاركة حقيقية في صناعة القرار بل توجد مشاركة في الحوار وهي لا تكفي، لأنه يمكن عمل جمعية تأسيسية- برلمان- تكون سوقًا للكلام لكن في الآخر لا توجد صناعة بينما يقعد السادة «السيد هو زعيم الطائفة» ويصنعون القرار هذه ديمقراطية مباركة وليست ديمقراطية مشاركة لأن النواب يباركون القرارات التي يصدرها السادة وفي النظم الشمولية مثلًا جاء النميري وعمل مؤسسات جيدة مثل مجلس الشعب والاتحاد الاشتراكي لكن في الآخر بدأت مؤسسة رئاسة الجمهورية تسحب السلطات والصلاحيات من هذه المؤسسات وجعلتها مركزية لديها وأعتقد أن مشكلة الشعب السوداني أن هناك أزمة حقيقية في صنع القرار والأحزاب لدينا ليست أحزابًا ديمقراطية. لا أحد في الحزب يستطيع أن يقول للسيد الصادق المهدي لا أو للسيد محمد عثمان الميرغني! لا، لأنه زعيم الطائفة أيضًا مع أن السيد الصادق المهدي بالذات يحاول أن يحدث الحزب ويجعل له أسسًا ومعايير ديمقراطية. لكن نحن نظلم الطائفية إذا قلنا إن دورها في  تاريخ السودان كان سلبيًا قطعًا كان لها دور إيجابي في التأهيل الاجتماعي والديني ولكن دخولها في السياسة هو الذي قسم «مؤتمر الخريجين» الذي كان قوة كبيرة وكان يمكن أن يكون استقلال السودان أبكر من عام ١٩٥٦م ولكن الطائفية جاءت وقسمت مؤتمر الخريجين قسمين جزء ذهب مع السيد عبد الرحمن المهدي- رحمه الله، وجزء ذهب مع السيد علي الميرغني- رحمه الله، وتكونت الأحزاب الاتحادية والأشقاء والأمة وغيرها. فالطائفية لعبت دورًا إيجابيًا في التأهيل الديني والاجتماعي ولكنها لعبت دورًا سلبيًا في السياسة وما زالت لأنها تجعل الحزب يتحول إلى مؤسسة شمولية.

دائمًا يوجد في المجتمع بين الحكومة والمعارضة قوة كبيرة هي الأغلبية الصامتة فكيف يمكن جعلها تسهم وتشارك بإيجابية وفاعلية في الشأن العام؟ 

لكي تشارك يجب أن تنتظم أولًا، لكي تكون المشاركة فعالة يجب أن يكون الناس منظمين... والأغلبية الصامتة هذه غير منظمة وهذا هو السبب الذي يجعلها غير قادرة على المساهمة وغير قادرة على أن تفرض رأيها أو تسهم في صنع القرار.

ننتقل إلى نقطة أخرى عودة الرئيس الأسبق نميري للبلاد بعد طول غياب وعودة نائبه الأول عمر محمد الطيب، وبعض قادة حزب الأمة المعارض مثل د. عمر نور الدائم ومبارك الفاضل، هل تمثل هذه العودة تأييدًا للتيار الذي يدعو للسلم من الداخل؟

الأحزاب القديمة ليست ديمقراطية.. لا أحد يستطيع أن يقول لا.. للسيد المهدي أو السيد الميرغني لأن كلا منهما زعيم طائفة

زرت القاهرة عدة مرات وقابلت الأخ جعفر نميري، وقابلت الأخ عمر محمد الطيب، وقلت لهما لا بد أن تعودا، لأنك إذا أردت أي نشاط سياسي حتى إذا كان معارضًا أو انقلابيًا لا بد أن يكون من الداخل، وحتى الآن في تاريخ السودان لم تنجح معارضة خارجية أن تطيح بالنظام، فأي نظام يسقط من الداخل، والنظام سنة ١٩٥٨م سقط بانقلاب الفريق عبود بعد ذلك جاءت الانتفاضة في أكتوبر ١٩٦٤م من الداخل ثم جاء انقلاب جعفر نميري من الداخل ١٩٦٩م، وجاءت انتفاضة أبريل ١٩٨٥م من الداخل، ثم جاء الانقلاب العسكري للإنقاذ أيضًا من الداخل ۱۹۸۹م، والصادق المهدي من قبل ذهب إلى الفكرة في ليبيا ورتب لغزو- ١٩٧٦م- ولم ينجح. وأي عمل في الخارج يعني أنك سترهن نفسك للأجنبي لأنه لا أحد يستضيفك مجانًا، ولذلك أنا أشجع هذه العودة وأدعو الاتحاديين والشيوعيين والآخرين أيضًا للعودة.

زار المبعوث الأمريكي الخاص للسودان هاري جونستون الخرطوم مؤخرًا والتقى بعض الأطراف في الحكومة من أجل السلام في السودان، ولكن بعض الأصوات هاجمته لأنها تعتقد أن الولايات المتحدة لا تعتبر وسيطًا محايدًا في الصراع بين الحكومة والمعارضة بدعمها لحركة جون جارانج وباقي الفصائل؟

إريتريا تحلم بلعب دور القوة الإقليمية المؤثرة ولذلك حاربت جيرانها جميعًا!

قطعًا الولايات المتحدة طرف غير محايد ولكن على الأقل تطرفها ضد الحكومة السودانية خفت حدته مؤخرًا مقارنة مع الماضي والتصريحات التي قالها جونستون بعد مقابلته للحكومة إيجابية، والعقوبات التي تناقش في مجلس الأمن حاليًا من أجل رفعها عن كاهل السودان الولايات المتحدة لا تستطيع أن تعارضها جهارًا نهارًا فكل يوم تطلب التأجيل وتبحث لها عن حل وسط، لأنها من قبل تورطت في ضرب مصنع الشفاء للدواء ولم تستطع أن تقدم للعالم أي بينات، فواضح جدًا أنها كانت متحاملة على السودان وما زالت ولكن هذا التحامل قطعًا خف عن ذي قبل، لكني أخذ بالرأي الذي يقول إن الولايات المتحدة كدولة كبرى لا يمكن أن تتعامل معها بمناطحة وتتحداها، ولا تلين لها أو تستسلم لأنك في الحالتين ستضر نفسك، وإذا استسلمت لها يكون مصيرك سيئًا جدًا، فحتى الذين استسلموا باعتهم حقيقة مثل ماركوس في الفليبين والشاه في إيران وكثيرين آخرين، وأعتقد أن أي محاولة من الولايات المتحدة لتضطلع بدور في تصفية الأجواء في السودان هي محل ترحيب مع عدم ثقتنا في أنها لن تكون محايدة، وأعتقد أنها يمكن أن تؤثر لأنها ولي نعمة جون جارانج ويمكن أن تضغط عليه، فإذا أبدت الولايات المتحدة أي نوايا لأن تضطلع بدور لتصفية الأجواء السياسية بالذات مع حركة المتمرد جارانج، وذلك بالتعاون مع شركاء الإيقاد- لأن الحركة الشعبية مصرة على مبادرتهم ومتمسكين بها أكثر من المبادرة المصرية الليبية- فهذا جيد، أما الأحزاب الشمالية مثل الأمة والاتحادي فليس للأمريكان عليهما نفوذ ويكون المصريون والليبيون أكثر تأثيرًا هنا.

الحرب الإثيوبية الإريترية التي اشتعلت في القرن الإفريقي يرى بعض المراقبين أن سببها الغطرسة الإثيوبية والحماقة الإريترية فما رأيك؟

في تحليلي.. السبب ليس الغطرسة الإثيوبية ولكن قد يكون السبب الأساسي اندفاع وتهور القيادة الإريترية، فإريتريا منذ الاستقلال دخلت في حرب مع جيبوتي ومع اليمن- جزر حنيش ومع إثيوبيا ومع السودان، فكيف لدولة حديثة الاستقلال أن تدخل في مشكلات مع كل الجيران إريتريا منذ أن نالت الاستقلال بدلًا من أن تفرغ كل وقتها وجهدها وإمكاناتها لتنمية نفسها دخلت مباشرة في حروب مع كل جيرانها وأعتقد أن أمريكا من وراء هذا التحريض من أجل التشويش وزعزعة الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، ورجل إريتريا عنده أحلام أنه يمكن أن يكون قوة إقليمية ذات وزن مثل إسرائيل وغيرها. ولذلك فإنني أعتقد أن هذا الحلم المستحيل جعله يضرب رأسه بالحائط، لأن إثيوبيا قطعًا قد خرجت منتصرة من الحرب، فحتى المناطق منزوعة السلاح التي ستأتي فيها قوات دولية ستكون داخل الأراضي الإريترية. وأعتقد أن أفورقي يدفع ثمن أخطائه.

مع هذه التدخلات المتعددة للدول الغربية في المنطقة يعتقد البعض أن الدول الغربية لها الدور الأساسي في زرع وتفجير الفتن والأزمات؟

طبعًا هذا واضح وأحيانًا مباشر وأحيانًا غير مباشر مثل الشروط التي يضعها صندوق النقد الدولي للدول الفقيرة لكي يعطيها ما تحتاجه فهي قنابل موقوتة، لأنه يطلب من الدولة تخفيض سعر العملة وزيادة الأسعار وتخفيض الأجور فهي مسائل توضح أنه يريد إحداث مشكلات جنوب السودان وأنجولا ونيكارجوا، وكل حركات التمرد في العالم الثالث تغذيها الولايات المتحدة والدول الغربية.

الرابط المختصر :