; أفغانستان.. بلاد الفقر والدمار التي يطمع فيها الجميع | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان.. بلاد الفقر والدمار التي يطمع فيها الجميع

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2001

مشاهدات 86

نشر في العدد 1471

نشر في الصفحة 24

السبت 06-أكتوبر-2001

مفارقات عجيبة

الموارد تكاد تكون منعدمة لكنها ممر استراتيجي للقوى الدولية والمحلية

تعاني العزلة وسط آسيا دون الإطلال على منفذ مائي ومع ذلك فهي البوابة الرئيسة نحو المياه الدافئة.

 

يندر أن يجتمع في بلد ما من التناقضات ما اجتمع منها في أفغانستانففي هذا البلد الذي تبلغ مساحته ٦٥٢ ألف كيلومتر مربع يبرز الكثير من المفارقات التي يثير بعضها الشعور بالأسى تقع أفغانستان في وسط آسيا على بعد ٤٥٠ كيلومترًا من المحيط الهندي، وتحظي بأهمية استراتيجية كبرى جعلتها محطًا للأطماع الخارجيةوبلغ عدد سكانها في العام ۱۹۹۹م قرابة ٢٦ مليون نسمة، منهم مليون وثلاثة أرباع المليون يسكنون العاصمة كابول.

 وتدير حركة طالبان حاليًا معظم مناطق أفغانستان، إذ تفرض سيطرتها على نحو 90% من أراضي البلاد وبالمقابل فإن حكومة تحالف قوى الشمال المعارض لطالبان التي تحظى بالاعتراف الدولي والتمثيل الدبلوماسي الخارجي، لم تعد تسيطر إلا على قرابة 5% من مساحة أفغانستان ولا تعترف بحكومة طالبان سوی باکستان.

 ولأفغانستان حدود مع ست دول مجاورة هي طاجيكستان، وأوزبكستان وتركمانستان، وإيران، وباكستان، والصين.

التعدد العرقي الأفغاني

يمثل البشتون ٤٣ من الشعب الأفغاني وهم الذين حكموا أفغانستان في القرون الأخيرة، ويتوزعون أساسًا في المناطق الوسطى. والجنوبية من البلاد بينما تتركز المجموعات العرقية الأخرى في شمال البلاد 

ويأتي الطاجيك في المرتبة الثانية من الناحية العددية ، إذ تبلغ نسبتهم 28.5% من اجمالي السكان، في حين تبلغ نسبة الأوزبك 9.3%، وتبلغ نسبة الهزارة(الشيعة) 7.8% وهناك قوميات أخرى في أفغانستان يبلغ مجموعها إجمالًا ما يعادل ١٠ تقريبًا، وأبرزها الأيمق والتركمان والبلوش والنورستانيون ويدين 99% من الأفغان بالإسلام، وما يعادل ٨٥منهم من أهل السنة، والباقي من الشيعة.

 المأساةتقع أفغانستان في أدنى السلم العالمي بالنسبة للأمية ومستوى التعليم، وهي من أفقر بلدان العالم وأضعفها اقتصاديًاويعكس ارتفاع وفيات الأطفال التي يعد معدلها بالنسبة للأطفال الأفغان الأعلى عالميًا. عمق المأساة الأفغانية بينما يفتقر هذا البلد المحطم بالكامل إلى البنية التحتية في كافة المجالات، وهو ما يبدو بوضوح في مجالات الصناعة والزراعة والطرق والمواصلات والصحة والتعليم

وتعاني أفغانستان من الدمار الشامل الذي خلفه قرابة ربع قرن من الحروب والمواجهات الحربية الضاريةوتنتشر في الأراضي الأفغانية ملايين الألغام التي تمثل تهديدًا لحياة الأجيال الحالية والمقبلة، ولكن أبشع جوانب المأساة يتضح فيما أسفرت عنه الحروب من سقوط ما يزيد على مليون ضحية منذ اجتياح القوات السوفييتية للبلاد في العام ۱۹۷۹مومن الصعب حصر عدد الإصابات والإعاقات التي لحقت بالمواطنين

وقد تركت الحرب ملايين الأرامل والأيتام ليفترسهم الفقر والجوع والمرض ولا شك أن الحرب الأمريكية التي بدأت مساء الأحد الماضي (7/10) الجاري تزيد من المأساة ومن الواضح أن سنوات الحرب الطويلة السابقة قد شهدت نشوء جيل من الأفغان لا يعرف سوى القتال مهنة له، فحمل السلاح كان مصدرًا أساسيًا لاستيعاب العمالة الأفغانية سواء في سنوات المقاومة ضد السوفييت وحكومة كابول الموالية لهم، أو خلال الحرب الأهلية التي ما زالت مستمرة.

خريطة المفارقات الأفغانية

لا تخلو أفغانستان من المفارقات الواضحة للعيان، فهذا البلد فقير للغاية بالموارد الاقتصادية والمعدنية، ولكنه ممر مهم للقوى الخارجية والإقليمية الساعية للإفادة من الموارد المتاحة في الدول المجاورة وتكفي هنا الإشارة إلى مشروع خط أنابيب النفط من حقول تركمانستان التي تم اكتشافها في السنوات الأخيرة إلى المحيط الهندي مرورًا بالأراضي الأفغانية والباكستانية.

 كما أن أفغانستان عانت ولا تزال تعاني من العزلة في وسط آسيا، وعدم إطلالها على أي مسطح مائي يتيح لها فرصة التواصل مع العالمولكنها دفعت ثمنًا باهظًا للأطماع الروسية والسوفييتية في الوصول إلى المياه الدافئة عبر أراضيها، وهو ما تجلى في الاجتياح السوفييتي لها في نهاية العام ۱۹۷۹م، كما سبق أن عانت من حرص الإنجليز على ضمها إلى مستعمراتهم في شبه القارة الهندية للوقوف في مواجهة التوسع الروسي المحتمل جنوبًا

ولأنها دولة متعددة الأعراق واللغات والمذاهب أيضًافقد كفل لها ذلك حظوة وقبولًا في الدول المجاورة، بقدر ما أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام هذه الدول للعب على أوتار التناقضات الأفغانية الداخلية فالامتداد البشتوني في باكستان وفر بلا شك قاعدة مهمة لانطلاق الجهاد ضد السوفييت، خاصة في مطلع الثمانينيات وبالمقابل فقد حظي الهزارة الشيعةبرعاية إيرانية مميزة، وهناك امتدادات عرقية مماثلة للطاجيك، والتركمان، والأوزبك، وغيرهم.

وعلى الجانب الآخر يتضح تمامًا كيف أن هذه الامتدادات أورثت الدول الست المجاورة لأفغانستان شعورًا مستمرًا بالتهديد من انتقال النزعة الأفغانية إلى أراضيها الداخلية وما زالت موسكو مثلًا تشعر بهاجس انتقال الروح الإسلامية المتحررة من الهيمنة إلى مجالها الحيوي المتمثل في الجمهوريات الإسلامية المستقلة عنها.

 وأما الصين فأصبحت تتحدث في السنوات الأخيرة بصوت مرتفع عن المخاطر التي تقول إنها يمكن أن تنتقل عبر أفغانستان فبكين ترى أن أمنها القومي مهدد جراء انتقال الروح التحررية، والسلاح أيضًا إلى تركستان الشرقية «سينجيانج» التي تحتلها الصين ويتركز فيها المسلمون والمؤكد أن باكستان ذاتها تدرك جيدًا انعكاسات الحالة الأفغانية على أوضاع البشتون فيها الذين يعيشون أساسًا في المنطقة المحاذية لأفغانستان ولكن إسلام أباد ترى في أفغانستان عمقًا استراتيجيًا حساسًا لها في ظل سعيها لإحداث التوازن الاستراتيجي المطلوب مع جارتها المعادية «الهند».

تعايش نادر بين التخلف والتقنية

لا تتوقف مفارقات الحالة الأفغانية على هذا الحد ففي هذا البلد ما زال التخلف والبؤس والحرمان يسير مع اقتناء تقنية التسلح وأحدث وسائل القتل، جنبًا إلى جنب فالأفغان الذين لا يجد كثير منهم ما يسد رمقهم لديهم ترسانة حربية عملاقة توفر ضمانًا لإمكانية استمرار الحروب الطاحنة التي أسفرت عن تحويل البلاد إلى مرتع للتسيب والفوضى والخروج على القانون، ويوفر التنوع الاثني والقبلي والمذهبي وتعدد الولاءات الخارجية غطاء كافيًا لرعاية تجارة السلاح.

الرابط المختصر :