; شبح الحرب يخيم على مسلمي يوغسلافيا.. عدد (982) | مجلة المجتمع

العنوان شبح الحرب يخيم على مسلمي يوغسلافيا.. عدد (982)

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الأحد 29-ديسمبر-1991

مشاهدات 42

نشر في 982

نشر في الصفحة 16

الأحد 29-ديسمبر-1991

* كل الجمهوريات اليوغسلافية لها دعم وسند خارجي عدا مسلمي البوسنة والهرسك في معزل عن المساعدات.

* قامت السلطات الصربية بتسريح رجال الشرطة المسلمين من كوسوفو وعينت بدلًا منهم المجرمين من المفرج عنهم من السجون.

* الكيان الصهيوني له علاقات وطيدة مع صربيا ويدعمها لمحاربة المسلمين اليوغوسلاف.

بإعلان المجموعة الأوروبية عن عزمها الاعتراف بالجمهوريات اليوغسلافية المستقلة في منتصف الشهر القادم حال توافر «بعض المواصفات» دخلت القضية اليوغسلافية برمتها في منعطف جديد ربما يكون المسلمون فيه هم الورقة الخاسرة وعندما نقول «المسلمون» فإننا نعني بذلك وحسب أسوأ التقديرات الرسمية حوالي ربع سكان الاتحاد اليوغوسلافي المنهار في بلاد ظلت تنعم بنور الإسلام حوالي خمسة قرون من الزمان وحكم فيها الإسلام عاصمتهم بلجراد ثلاثة قرون ونصف وكان ثلاثة أرباع سكانها كما يقول الرحالة التركي الشهير أولي شلبي من المسلمين.

وربما كانت البوسنة والهرسك هي أول المتضررين ولذلك سارعت بتقديم طلب الاعتراف بهما كجمهورية مستقلة آملة أن يشملها الرضا الأوروبي ضمن الجمهوريات الأخرى وهنا تجدر الإشارة إلى أن قضية انفراط عقد الاتحاد اليوغسلافي مسألة ليست في صالح العنصر الإسلامي بشهادة كل القيادات والزعامات الإسلامية الدينية والسياسية بانفراط عقدهم بين ستة جمهوريات وإقليمين للحكم الذاتي يضعف من شأنهم ومن بقائهم كقوة موحدة لها هيكل رسمي على المستوى الفيدرالي كما أنهم يصبحون معرضين للسياسات المختلفة لكل جمهورية على حدة من الجمهوريات الست.

أما بالنسبة للبوسنة والهرسك فإن معطيات الواقع هناك والذي تضرر كثيرًا من نتاج الحرب الدائرة في كرواتيا واحتكار القيادة الصربية للجيش الفيدرالي سيئة للغاية ففضلًا عن أنها محاصرة من كل جانب إما بجمهورية كرواتيا أو بجمهورية صربيا وحليفتها الجبل الأسود فإن الأوضاع الداخلية خاصة على الصعيد الاقتصادي تسير من سيء إلى أسوأ وبمعدل سريع جدًّا فارتفعت الأسعار كما تضاعفت البطالة بالإضافة إلى أنه يتم الآن صرف الحد الأدنى من الأجور؛ وطبيعة الأعمال والوظائف التي يشغلها المسلمون هي الأخرى من أدنى الأعمال ومن ثم فإن أجورهم من أدنى الأجور التي يتقاضاها العمال الآخرون وعلى سبيل المثال فإن أهم مصانع الصلب في منطقة زيننيش في البوسنة تم الاستغناء عن 17 ألف عامل من مجموع العمال البالغ عددهم 22 ألف عالم لافتقاد المواد الخام وتبعًا لظروف الحرب فقد تدفق على البوسنة ما يزيد عن 120 ألف مواطن مسلم وصربي وكرواتي فروا من مناطق الحرب بين كرواتيا وصربيا في وقت شحت فيه المواد الطبية والأغذية ولبن الأطفال وتعمل المنظمات الإنسانية هناك من خلال جهودها المحدودة للتقليل من آثار الأزمة وقد استغلت صربيا هذا الموقف تمامًا فقامت بإغلاق الميناء الوحيد في البوسنة والذي يعتبر المتنفس والمنفذ الوحيد للجمهورية مع العالم الخارجي ثم تراجعت وقامت بفتحه شريطة أن تقوم بتفتيش كل السفن التي ترسو في الميناء وأصبح الميناء تحت السيطرة الصربية الكاملة وقد تزامن ذلك مع قيام صربيا بمحاصرة البوسنة تمامًا ومنع دخول أي مواد غذائية إليها مما أدى إلى استفحال الأزمة الغذائية هناك ومن جهة أخرى فإن الجيش الذي استخدم الأراضي البوسنوية مرارًا ليشن منها حربه ضد كرواتيا انتشر الآن بكثافة عالية في كل أراضيها بل وقام بتمكين الميليشيات الصربية المتطرفة من التمركز في مناطق حساسة في البوسنة قامت بدورها بإطلاق الرصاص على مآذن المساجد في رسالة واضحة إلى المسلمين كما قام الجيش في سراييفوا العاصمة بتعديل مواقعه وإحكام حصاره حولها من خلال كل المرتفعات الجبلية التي تقع سرايفو في منتصفها ويقول الشهود أن الجيش وجه مدافع دباباته إلى أكبر المساجد الأثرية في العاصمة المسلمة وإلى المكتبة الأثرية هناك التي تحتفظ بمخطوطات عن تاريخ المدينة ليكون ذلك انتقامًا تاريخيًّا لهزيمة العصابات الصربية أمام جيوش السلطان مراد في موقعة كوسوفا الشهيرة عام 1389 ولا يجد الزعيم الصربي حرجًا «ميلوسلوبودان» من أن يكرر دائمًا لجمهوره أنه «لن يهزمكم أحد مرة أخرى» في إسقاط تاريخي واضح.

البعد الدولي للأزمة

وعلى الصعيد الخارجي فإن كل أطراف الصراع تستند إلى مركز وسند خارجي فكرواتيا ومعها سلوفينيا تدعمها ألمانيا بشدة التي أصرت على الاعتراف باستقلالهما حتى دخلت في تحد علني مع الولايات المتحدة الأمريكية بل والمجموعة الأوروبية حتى أرغمت الأخيرة على إعلان نيتها في الاعتراف بالجمهوريات المستقلة عن الاتحاد اليوغسلافي مما يعتبر حلقة في الصراع الأمريكي الأوروبي الذي بدت بوادره تطفوا على سطح السياسة الدولية وهذه قضية أخرى كما تدعم النمسا كرواتيا وسلوفينيا ومعها هولندا وإيطاليا والمجر فيما تستند صربيا إلى اليونان وبلغاريا وروسيا والكيان الصهيوني في الأرض المحتلة بينما تقف البوسنة والمسلمون في يوغسلافيا بصفة عامة في معزل عن أي دعم خارجي إسلامي أو عربي مما دفع بالزعيم المسلم على عزت بيجوفيتش رئيس الجمهورية إلى عدة جولات في العواصم الغربية بالإضافة إلى تركيا وليبيا ونظرًا للواقع المؤلم للعالم العربي الآن وبعد التمزق الذي انتابه أثر حرب الخليج فإنه يقف عاجزًا عن دعم إخوانه هناك ورغم ذلك فإن الرئيس المسلم يحاول الإيحاء إلى الصربيين بأن هناك من يقف وراءه وهو في ذلك يصدر عن قناعة مؤداها أن الصربيين المتطرفين لن يمنعهم عن شن حربهم ضد المسلمين إلا إذا أدركوا أنهم يمتلكون السلاح الكافي لردعهم ولذلك صرح مرارًا في الأيام الأخيرة مهددًا الجيش من التدخل في البوسنة وإلا تعرض للفناء.

وبناءً على ذلك فإن هذه المحاور السياسية والاجتماعية والاقتصادية السلبية للمسلمين في البوسنة مثلت نقطة لصالح التطرف الصربي الذي سارع بإعلان نيته تأسيس جمهورية البوسنة والهرسك الصربية تتخذ من غرب البوسنة مركزًا لها وتعتبر أي منطقة أو حي يعيش فيه صربيون هو تابع لجمهوريتهم المزعومة انسجامًا مع شعارها «كل الصربيون في صربيا واحدة» مما يعني تقسيم البوسنة وضم معظمها إلى صربيا التي أعلنت هي وجمهورية الجبل الأسود نيتها في الاعتراف بهذه الجمهورية واختار الصرب لذلك موعد الرابع عشر من الشهر القادم موعدًا لإعلانها رسميًّا مما يعني يومًا واحد قبل اعتراف المجموعة الأوروبية بالجمهوريات اليوغسلافية المستقلة والتي لابد وأن تتراجع عن الاعتراف بالبوسنة كجمهورية مستقلة في ظل احتلال الجيش الصربي لها وأعلنت الأقلية الصربية بها جهمورية مستقلة وتخاذل العالم بشقيه الغربي والعربي عنها.

إلا أن ثمة إشكالية إخرى تغيب عن القارئ المسلم المتابع للأحداث هناك وهي أن النار التي تشتعل في يوغسلافيا لن تطول مسلمي البوسنة فقط فالمسلمون المنتشرون في كل الجمهوريات اليوغسلافية معرضون لنفس الخطر وعلى سبيل المثال ما يحدث في كوسوفو التي اعتبرها الدستور اليوغسلافي إقليمًا ذات حكم ذاتي رغم أن سكانها أكثر من 2 مليون مواطن فيما اعتبر نفس الدستور الجبل الأسود جمهورية رغم أن عدد سكانها 600 ألف نسمة ورغم ذلك فقد انتزعت صربيا من كوسوفو حق الحكم الذاتي ومنحت الأقلية الصربية بها والتي لا تزيد عن 5 بالمائة حق إدارة كل شؤون الإقليم في البرلمان والحكم والسلطات الإدارية والقضائية والتنفيذية كما قامت بفصل كل رجال الشرطة الألبان واستعانت عنهم بمجرمين محترفين صربيين أطلقت سراحهم من سجونها في صربيا وقلدتهم وظيفة رجال شرطة في كوسوفو ومنحتهم كافة الصلاحيات للتعامل مع الألبان المسلمين بكافة أساليب القمع والاضطهاد والاعتقال كما قامت بإغلاق المدارس والجامعات لإصرار الطلبة على تحصيل دروسهم وعلومهم باللغة الألبانية الأم كما قامت بفصل كافة الأساتذة الألبان في الجامعة والمستشفيات وفصلت آلاف العمال والموظفين الألبان من أعمالهم وأغلقت الصحف والقنوات الإذاعية والتليفزيونية الناطقة بالألبانية وتقوم دوريات الشرطة باعتقال الشباب الألباني من المقاهي والمنازل وإرسالهم إلى الصفوف الأولى في حربها مع كرواتيا ودون أي تدريب قتالي وأصبح من المعتاد رؤية الجنائز اليومية في بريشتينا العاصمة وغيرها من مدن كسوفو للجنود المسلمين المقتولين في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل بمعنى أن هذا الإقليم كل قطاعات التعليم والعمل والخدمات الصحية وكذلك الإنتاجية متوقفة فيه بالكامل وعلى سبيل المثال فإن الطريق الذي يفصل بين اسكوبيا عاصمة مقدونيا وبريشتينا عاصمة كوسوفو لا يزيد عن 75 كيلو مترًا ورغم ذلك فإن ست دوريات للشرطة الصربية استوقف المارين مما يمثل احتلالًا كاملًا لهذا الإقليم المسلم وقول أهالي كوسوفو: إن أوضاع بلادهم تتشابه تمامًا مع أوضاع فلسطين المحتلة حتى أن السلطات الصربية قامت بوضع سم للأطفال في مياه الشرب في بعض المدارس الألبانية قبل أن تغلق وأشارت تقارير بعض المنظمات الدولية التي تدافع عن حقوق الإنسان أن مصدر هذا السم من الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة والتي توطدت علاقته مع صربيا.

وإلى جانب كوسوفو تقع مقدونيا التي يزيد عدد مسلميها عن نصف عدد السكان ورغم ذلك فإنه لا يمثلهم في البرلمان إلا 23 عضوًا من مجموع الأعضاء البالغ 250 كما أنهم محرومون من تولي أي وظائف حكومية هامة أو غير هامة وهم لا يعملون إلا كعمال أو يشتغلون في الدول الأوروبية لذلك نادرًا أن تجد أسرة مسلمة في مقدونيا لا يعمل عائلها في خارج يوغسلافيا.

وعلى نفس شاكله المسلمين في كوسوفو ومقدونيا يعاني إخوانهم في صربيا والجبل الأسود وسنجق.

ووسط هذه الإفرازات السامة لتنحي الإسلام عن حكم يوغسلافيا يبقى المسلمون هناك يرقبون العالم العربي ربما يتحرك فيه من يحميهم من السكين الصربي.

الرابط المختصر :