; هل صدر قرار سياسي بتجميد محدود للعلاقات التجارية مع الكيان الصهيوني؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل صدر قرار سياسي بتجميد محدود للعلاقات التجارية مع الكيان الصهيوني؟

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1425

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

  • مصر: تلاميذ المدارس بدأوا حملة المقاطعة ضد السلع الصهيونية والأمريكية

عندما قذف عدد من تلاميذ المدارس المصرية صغار السن بعض أفرع سلسلة محلات سينسبري الإنجليزية في بعض أحياء القاهرة الكبرى بالحجارة وكسروا واجهاتها وهم يهتفون «أخرجوا اليهود بره» احتجاجًا على مجازر الصهاينة ضد أبناء فلسطين على اعتبار أن سينسبري يشارك في ملكيتها يهود -كما قالت صحف معارضة- لم يكونوا يدركون أنهم دشنوا بذلك أكبر حملة شعبية مصرية ربما عربية لمقاطعة البضائع والسلع الأمريكية.

ويتبارى تلاميذ المدارس في شتى المراحل التعليمية في نسخ وتعليق قوائم بأسماء البضائع الصهيونية والأمريكية الموجودة بالأسواق، على أبواب فصولهم، كما يرفق التلاميذ بتلك القوائم أسماء السلع البديلة المنتجة محليًا أو المستوردة من دول أسيوية وهكذا أطلق تلاميذ المدارس الشرارة لتعود الدعوة إلى مقاطعة السلع والبضائع الأمريكية خصوصًا «على اعتبار أن السلع الصهيونية في الأسواق المصرية غير موجودة تقريبًا وما هو موجود منها فهو غالبًا مهرب أو ليست عليه ماركات تشير إلى هويته»، وتمتد الحملة ليس فقط عبر قرارات للجان مقاطعة التطبيع المصرية وإنما في صورة أكبر حملة منظمة شارك فيها تجار مصريون وطلبة الجامعات ونقابات عمالية، ووصل الأمر إلى الإنترنت.

فقد أصبح من المعتاد أن تشاهد في شوارع القاهرة من يوزع عليك منشورات تدعو لمقاطعة سلع وبضائع أمريكية محددة بالاسم، وأن تشاهد هذه المنشورات ملصقة على بعض واجهات بعض المحلات التجارية، أو على واجهات المنازل أو في المواصلات العامة، وأصبح من المعتاد أن تفتح بريدك الإلكتروني لتجد رسالة تطوع أحد المشاركين في الحملة الذين لا يمكن حصر أعدادهم تحثك على المقاطعة وتناقشك إذا كنت مترددًا أو ترى أنها لا تجدي!

كما أصبح من المعتاد أن تقرأ بيانات المقاطعة في الصحف، وأن تناقش المسألة من جانب كبار الكتاب وفي أكبر الصحف التي تنشر فيها دعوات إلى مقاطعة السلع والبضائع الأمريكية عقابًا لأمريكا على انحيازها الأعمى لليهود وتأييدها للمجازر ضد الفلسطينيين.

والأهم أنه أصبح شيئًا معتادًا أن تناقش هذه المقاطعة في مجالس العلم وينادي بها كبار علماء الدين حيث تولى الشيخ نصر فريد واصل مفتي مصر حملة في هذا المضمار، ودعا لمقاطعة هذه السلع واعتبار المتاجرة فيها نوعًا من مساندة المعتدي يحرم فعله، وانتشرت فتاوى العلماء التي تحرم شراء البضائع الأمريكية والصهيونية والمتاجرة فيها حتى أصبحت المقاطعة حقيقة لا شعارًا.

وقد ترددت أنباء -أكدتها صحف معارضة دون أن تنفيها الحكومة المصرية- بأن أوامر صدرت إلى السلطات المصرية بتطبيق قرار أصدره اتحاد الغرف التجارية العربية بوقف التبادل التجاري مع الكيان الصهيوني ومنع التصدير إليه أو الاستيراد منه وأن القرار تضمن طلب التجميد المحدود للتبادل التجاري مع عدم الإخلال بما سبق إبرامه من عقود.

وكانت قناة أبو ظبي الفضائية قد أكدت على لسان مراسلها في القاهرة أن الحكومة المصرية قررت وقف كل أشكال التطبيع بقرار من مجلس الوزراء المصري إثر تقرير تلقاه المجلس من وزارة الخارجية يطالب بذلك ولكن القناة عادت لتؤكد مرة أخرى أن قرار مجلس الوزراء شفهي ولم يعلن انتظارًا لحدوث تغير في الموقف الصهيوني وأن التعليمات التي صدرت للسفارة المصرية في تل أبيب هي التحضير والاستعداد لاحتمالات.

منع التعامل مع السفن الصهيونية

ومع ذلك فقد استمرت حملة المقاطعة المصرية وتوسعت، حيث قرر تجار مصر وعمال موانيها مقاطعة السلع والبضائع والسفن الصهيونية، في إطار الحملة الشعبية لمقاطعة كل السلع الصهيونية ونظم عدد من الشباب المصريين المتطوعين حملات لطبع وتوزيع بيانات بأسماء الشركات الصهيونية والأمريكية العاملة في مصر يطالبون فيها المصريين بمقاطعتها بما فيها محلات الوجبات الجاهزة الأمريكية «ماكدونالدز، وكنتاكي، وبيتزا هت، وهارديز، وفرايديز وبرجر كنج، واربيز، وغيرها» التي انتشرت في كل حي من أحياء مصر.

كما وزع الشباب أعلامًا فلسطينية مكتوبًا عليها فلسطين عربية على المارة وأصحاب السيارات للصقها على زجاج السيارات، فيما أطلق طلاب عدد من الجامعات خصوصًا الجامعة الأمريكية بالقاهرة معرضًا لبيع بعض الأشياء التي يتنازلون عنها مثل الكتب والتحف والهدايا بهدف جمع حصيلتها لأبناء الانتفاضة.

وعلى صعيد القرارات المؤثرة قرر مجلس إدارة اتحاد الغرف التجارية المصرية وقف التعاملات الاقتصادية والتجارية مع الكيان الصهيوني ومقاطعة السلع الصهيونية ووقف الاتجار في أي منها توزيعًا أو بيعًا وكذلك أي سلعة يشك في أن مصدرها صهيوني.

كما دعا محمد فريد خميس رئيس اتحاد الصناعات المصرية سابقًا لإصدار بيان يوزع على تجار التجزئة يدعوهم لمنع بيع أي سلعة صهيونية في المحلات الخاصة بهم، وحث التجار كافة في الدول العربية التي قد يكون لها تعامل مع الكيان الصهيوني على إعادة النظر فيه وقررت غرفة الملاحة المركزية المصرية أن الشركات المصرية العاملة في مجال تفريغ السفن في المواني امتنعت عن التعامل مع السفن الصهيونية ورفض تفريغ حمولاتها أو تقديم أي خدمات لها شحنًا أو تفريغًا، وكذلك عدم السماح للبحارة الصهاينة بالنزول في المواني المصرية وتخصيص حسابين للتبرع للشعب الفلسطيني في البنوك المصرية، ونشرت تصريحات لمسؤولي غرفة الملاحة المركزية يؤكدون فيها تنفيذ هذا الأمر ورفض التعامل مع السفن الصهيونية وقد تسابقت العشرات من الشركات والنقابات لفتح حسابات للتبرع للشعب الفلسطيني وضحايا انتفاضة الأقصى، فيما استغلت شركات أخرى المناسبة - خصوصًا شركات الاتصالات للدعاية لنفسها بتخفيض قيمة المكالمات مع فلسطين، أو اقتطاع حوالي 4 دولارات من حصيلة بيع كل خط تليفوني للتبرع بها للفلسطينيين.

وأصبح من المعتاد عند قراءة الصحف المصرية كل صباح أن نجد إعلانًا عن شركة تجارية تتبرع بجزء من أرباحها أو مرتبات العاملين بها لصالح أبناء ضحايا الانتفاضة، ولا تخلو الدعاية من دعوات لمقاطعة السلع الأمريكية ولو بشكل مستتر كأن تعلن سلسلة محلات مترو التي تنافس سينسبري في مصر أن فروعها مفتوحة 24 ساعة وأنها مصرية 100% قدحًا في الشركة الأخيرة التي يشارك في ملكيتها يهود، وأن تعلن شركة برسيل الألمانية للمنظفات عن تبرعها للانتفاضة لتغمز في قناة الشركة المنافسة بروكتر آن جامبل التي تنتج مسحوق الغسيل المنافس إيريال فضلًا عن مجموعة أخرى من المنتجات منها شامبو الشعر بانتين وبرت بلاس، وأولويز، وكذلك الحال مع شركة هوستس التي تنتج حلويات هوهوز، وتوينكيز، أو شركة لايز للبطاطس الجاهزة، أو لبان «علكة» تشيكليتس، وعشرات المنتجات الأخرى التي يمكن معرفة الشركة المنتجة لها من على غلاف المنتج، وكونها أمريكية أم لا.

عشرات من قوائم المقاطعة

وقد نشرت أكثر من قائمة للسلع المطلوب مقاطعتها أعدها العديد من المصريين وحرصوا على الإشارة فيها إلى أن هذه هي القائمة الأولى في إشارة إلى وجود قوائم أخر، وكتب عليها عبارات مثل «مقاطعة الأعداء ليست واجبًا وطنيًا فقط بل فرض ديني» و«قاطعوا من يقتلون أطفالنا في فلسطين.. قاطعوا البضائع الأمريكية والصهيونية»، «ولن يقتل أبناؤنا بأموالنا» وغيرها، فيما ذيلت بعض المنشورات بأسماء من أصدروها مثل «اللجنة القومية لمقاطعة المنتجات الأمريكية والصهيونية»، جاءت منشورات أخرى دون توقيع وغالبًا كانت تصور على أجهزة التصوير وتوزع على أكبر نطاق وتدعو كل من يتسلمها ليعيد طبعها وتوزيعها على أكبر نطاق ممكن.

ولكن السؤال في مصر هو: إلى متى تستمر حملة المقاطعة رغم أنها أخذت أبعادًا أعمق من حملات سابقة؟ وهل تنتهي ويفتر الحماس لها بعد فترة خصوصًا في ظل الإغراءات التي بدأت الشركات الأمريكية تقديمها للمصريين للشراء منها بتخفيضات ضخمة أم تستمر طويلًا؟ أسئلة تعتمد الإجابة عنها على مجريات الصراع والدور المصري فيه.

رسائل النقال تدعو للمقاطعة

تلقى عدد كبير من المشتركين في إحدى شركات الاتصالات العاملة في مجال الهاتف النقال في مصر رسالة حملت دعوة لمقاطعة السلع والبضائع الأمريكية والصهيونية، طلبت الرسالة الصوتية من كل من تصل إليه بأن يقوم بإرسالها إلى مشتركين آخرين على نفس الشبكة، نصت الرسالة على «أنقذوا أطفال ونساء فلسطين.. ساعدوا محمد الدرة بعدم شرائكم أي منتجات أمريكية وإسرائيلية».

فلنركز على مقاطعة شركة واحدة أولًا

دعا القيادي الإخواني المعروف محمد مهدي عاكف إلى تركيز جهود المقاطعة للسلع الأمريكية والصهيونية على منتجات شركة واحدة كبداية، وتوقع عاكف أن تؤدي المقاطعة الشاملة والمكثفة من جانب الجماهير العربية والإسلامية إلى تركيع الشركة التي تبدأ بها المقاطعة، ومن ثم ترتعد فرائص شركات أخرى.

وكان عاكف يتحدث الأسبوع الماضي في صالون إحسان عبد القدوس، الذي نقلت ندواته إلى نقابة الصحفيين بعد الرفض المتكرر من جانب رئيس مؤسسة روزاليوسف استضافة الصالون كما كان سابقًا.

الندوة تناولت مستقبل الانتفاضة الحالية وحضرها سعيد كمال -الأمين العام المساعد للجامعة العربية- ومحمد السيد سعيد -الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- وتميز الحضور الكثيف في الندوة بالحماس الشديد وبغلبة الإسلاميين، الأمر الذي لفت النظر إليه سعيد كمال، فقد حمل بيده عشرات الأسئلة التي وردته كفلسطيني وعضو في منظمة التحرير، لسؤاله عن اعتقال السلطة لأعضاء حماس والجهاد.. وقد انفعل كمال أكثر من مرة، وهو يدافع عن سياسات السلطة تجاه الإسلاميين، وحاول تبريرها بأنها تكون أحيانًا لحماية أعضاء حماس والجهاد «من الصهاينة»، كمال سئل هل من الحماية أن تقوم سلطات الاعتقال بنتف لحية محمود الزهار وتعذيب بعض الإسلاميين داخل معتقلات السلطة؟

وقد حاول محمد مهدي عاكف تلطيف الحوار الجانبي قائلًا بسخرية: إن عرفات تحول إلى رئيس عربي في الأجزاء التي يديرها من فلسطين، وهو يتصرف تصرفات بعض الرؤساء العرب نفسها أحيانًا أي أنه يعتقل ويعذب، وليس لنا سوى الصبر على هذه الابتلاءات والدعاء لهم بالهداية.

سعيد كمال أكد أكثر من مرة أثناء الندوة أن الانتفاضة الحالية تقودها حركة فتح، كما أكد أن الأمن الفلسطيني يستطيع لو أراد أن يوقف 90% من فاعليتها!!

من جهته أكد محمد السيد سعيد أن الانتفاضة الحالية والحضور الشعبي العربي الملحوظ يجب الحرص على عدم تبديدهما، وأن السلطات العربية يجب أن تعرف أن الشعوب التي انطلقت لن يتم تسريحها بقرار، وأن وضع الشعوب على الهامش واغتصاب تفويض منها والتصرف باسمها هو أسلوب غير مسؤول وغير مقبول، وأشاد باقتراح عاكف الخاص بتنظيم وتوجيه الجماهير للفعل المركز والمجدي المستمر بصرف النظر عما تفعله السلطات هنا أو هناك، وأن النظم العربية قد فعلت في القمة أقصى ما تستطيع في ظل ظروفها ومشكلاتها ولا داعي لأن تصطدم بها الجماهير.

سعيد كمال، في إطار استرضاء مصر الرسمية، هاجم عددًا من الفلسطينيين الذين تحدثوا أحاديث سلبية مؤخرًا ضد الرئيس المصري، وقال أثناء الندوة إن السلطة الفلسطينية قدمت اثنين منهم للمحاكمة العسكرية !! الأمر الذي أثار اعتراض الصحفي محمد عبد القدوس ومتحدث آخر رفضا محاكمة المعارضين أمام المحاكم العسكرية، لمجرد انتقادهم الرؤساء.

الرابط المختصر :