العنوان خمسة قرون في حماية المسلمين
الكاتب د. عبدالحليم عويس
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1973
مشاهدات 15
نشر في العدد 135
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 30-يناير-1973
قراءة
جديدة للتاريخ
الصفحات
الأخيرة من حضارتنا
لمدة
خمسة قرون ظلت الخلافة العثمانية تؤدي الدور الأول والوحيد في حماية المسلمين
والعرب.
والغريب
أن هذه القرون الممتدة من القرن الخامس عشر حتى مشارف القرن العشرين لم تحظ من
المؤرخين باهتمام كاف، بل أنها ووجهت بتفسيرات غريبة عنصرية أو جدلية مادية أو
شعوبية متطرفة. ولم يحدثنا هؤلاء المتطرفون عن حالة العرب مثلا لو لم تكن هناك
دولة عثمانية.
أولم يكن
من الحتم أن تقع الدول الإسلامية- والعربية- تحت براثن الغزو الصليبي قبل وقوعها
المعروف بهذه القرون؟
لقد كان
الأوروبيون قد سيطروا على البحر الأبيض المتوسط، وقد نجحوا في إخفات صوت الشرق،
وبدأت النهضة تنطلق من أوروبا.. من مصانعها وتطور وسائل التقنية بها وتقدم الفكر
الاجتماعي والسياسي. ولم يكن بقدرة العروبة النائمة، والتي لم تستطع إلى الآن أن
تستيقظ أن تقف في وجه هذا الزحف.
وعلى
الرغم من تخلف العثمانيين في بعض النواحي- كما هو معلوم- فقد كانت قوتهم العسكرية
تدوي في أوروبا، وكانت هذه القوة بالنسبة للأوروبيين القوة التي لا تغلب ولا تهزم.
حتى إن أوروبا لم تجتمع- بطريقتها في الاجتماع- على مسألة إلا على اجتماعها على
المسألة الشرقية أو مسألة التهام الرجل المريض «الخلافة العثمانية».
وبالطبع
فإن العثمانيين شأنهم شأن العالم الذي كان قد بدأ يدخل في طور عملية انقلاب
الداخلية جديدة- تمهيدا لميلاد جديد- لم يستطع العثمانيون -بدورهم- أن يواجهوا هذه
الثورة العلمية الزاحفة، وكما هي عادة المتخلف حضاريا، والمتقدم عنصريا وعشائريا..
ذهب العرب وذهب غيرهم إلى رمي الخلافة العثمانية- حاميتهم- بأنها المسؤولة عن
تخلفهم الذريع. وعندما ماتت هذه الخلافة موتها الحضاري قبل موتها التاريخي سرعان
ما سقط هؤلاء في وهدة الغزو الصليبي ولم تنفعهم عنصريتهم القومية، ومع ذلك لا
يزالون يوجهون للخلافة العثمانية الطعنات.
لقد كانت
الدولة العثمانية قوية بلا شك طيلة القرون التي حكمت فيها وإلى بداية اضمحلالها،
فلما بدأت سنوات الاضمحلال تحولت أسباب قوتها إلى أسباب ضعف، وهذا هو الشأن في
قوانين الحضارة.. إن عوامل القوة تتحول برتابتها وعدم تجديدها لنفسها إلى عالة على
حركة التطور، ولقد أصبح الإنكشارية، وأصبحت وسائل الحرب التقليدية عالة على حركة
التقدم العثماني.
وانقلبت
العسكرية العثمانية التي قدمت ما قدمت للحضارة الإسلامية إلى عبء تنوء به الدولة.
وفي ظل
قرون القوة التي عاشتها الدولة تمتعت بأنظمة ممتازة من حكومة مركزية إلى مجلس
وزراء يرأسه الصدر الأعظم إلى ديوان سلطاني مكون من الوزراء وكبار الموظفين إلى
القضاء الذي يرأسه شيخ الإسلام إلى نواب عن الجيش.. أما في الولايات فكان يتولى
أمر كل ولاية والٍ «الباشا» الذي يعين من قبل الخليفة، ويعاونه في أعمال إدارة
الولاية «الديوان».. أما القضاء فكان يتولاه قاضي القضاة «قاضي العسكر».
وقد قسمت
الولايات إداريا إلى سناجق عُين على كل منها حاكم سمي بالسنجق مهمته الإشراف على
شؤون الأقاليم، والحفاظ على الأمن، وجمع الضرائب، وفي كل ولاية كان يوجد حاكم
عسكري وحامية عسكرية تساعد الباشا على حفظ النظام والأمن.
كانت هذه
هي خلاصة تنظيمات الدولة وكانت هذه التنظيمات وسائل قوة، فلما انقلبت دفة الحضارة
وبدا أن حركة التاريخ لم تعد في صف الدولة العثمانية تحولت هذه التنظيمات من أدوات
قوة إلى أدوات ضعف.. وقد ساعد هذا الضعف في تحقيق أغراضه في إعجاز الدولة عن حماية
الأراضي الخاضعة لها:
أولا:
ضعف بعض السلاطين وانغماسهم في الترف.
ثانيا:
فساد أجهزة الدولة وانتشار الرشوة.
ثالثا:
تدخل رجال الحاشية في شؤون الحكم.
رابعا:
وثمة عوامل أخرى كثيرة عملت عملها في إفساد الحياة السياسية والعقائدية والفكرية..
وجرت على الخلافة الويلات.
خامسا:
ومما لا شك فيه أن «الأعداء».. الأعداء الصليبيين، والأعداء اليهود- كجماعات
الدونما والماسونية- لا شك أن هؤلاء جميعا كانوا عوامل إضعاف للخلافة العثمانية.
وكان
أكبر عامل نجح اليهود والصليبيون في ضرب الخلافة العثمانية خلاله.. هو بعثهم لما
يسمى بالقومية... القومية العربية للعرب، والقومية الطورانية للترك، والقومية
الكردية والبربرية وعشرات القوميات الأخرى.
وجروا
هؤلاء جميعا إلى ترك الخلافة العثمانية في محنتها، بل جروها إلى ضرب الخلافة،
والتجمع ضدها تحت قيادات قومية عميلة للجمعيات اليهودية وقد نجح بعض أفراد هذه
القيادات نجاحا كبيرا في تبوء مناصب كبرى، وبالتالي في ضرب العثمانيين والإسلام في
الصميم.
وحديثنا القادم عن مرحلة انهيار الخلافة العثمانية، آخر خلافة إسلامية.