; أوهام الألفية.. وأخطارها! | مجلة المجتمع

العنوان أوهام الألفية.. وأخطارها!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1382

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

أوشك العام الميلادي على الانقضاء، وقد رأى البعض أن يكسب هذا الأمر أهمية خاصة باعتباره يمثل في رأيهم نهاية القرن العشرين، ومن ثم نهاية الألفية الثانية من  تاريخ ميلاد المسيح عليه السلام.

ومن الناحية الحسابية، فإن عام ۱۹۹۹م لا يمثل نهاية القرن، ولا الألفية، باعتبار أن القرن مائة سنة تبدأ من الرقم واحد وتنتهي عند الرقم مائة، ولكن البعض أراد أن ينسا التاريخ لاستباق تحقيق مكاسب مادية، وجعل العالم يعيش حالة من اللهاث وراء جملة من التوقعات المزعومة والأحداث المفاجئة ففعلوا مثل ما فعل كفار قريش من قبل حينما كانوا ينسؤون الشهور لتغيير مواسم الحج وقد وصف القرآن ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (التوبة: ٣٧).

ومن الناحية التاريخية، لم يثبت أن هذا  التاريخ مرتبط بالفعل بمولد المسيح- عليه السلام- فقد جرى تعديل  التاريخ الميلادي أكثر من مرة.

ومن الناحية الواقعية فإن سنة الله في الكون وناموسه الذي يحكم حركة الأحداث لا يرتبطان بتاريخ معين، وإذا كان هناك بعض المناسبات المرتبطة بالشعائر الدينية، فهي متعلقة بالتقويم القمري، حيث فرض الصوم في شهر رمضان والحج في أشهر معلومات كما لم يرد في ديننا أي ارتباط بين أحداث الكون وانقضاء سنوات معينة، سواء حسب التقويم القمري أو الشمسي وحين ذكر القرآن الكريم ببعض الأحداث التي ستقع مستقبلاً وحين ذكر الرسول ﷺ أحداثًا أخرى لم يربط القرآن أو الحديث ذلك  بتاريخ معين.

إن الباحثين لا يقرنون بداية قرن أو نهايته ببداية أول يوم فيه، وإنما بأهم الأحداث التي وقعت فيه، وهكذا فإن القرن العشرين الميلادي ربما يكون قد انتهى واقعيًا من الناحية السياسية بنهاية حرب الخليج الثانية وسقوط سور برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي، كما أنه من الناحية الاقتصادية انتهى في وقت مقارب مع فشل منظمة التجارة العالمية، ومن الناحية العلمية مع الجيل الثالث من ثورة الاتصالات، وشيوع الإنترنت، ومن الناحية البيولوجية مع الإعلان عن عمليات الاستنساخ وهكذا.

كانت تلك إشارات مهمة بعد أن لاحظنا انخداع الكثير من المسلمين بتلك الهالة الإعلامية الكبيرة التي شاركت فيها وسائل إعلام عربية وإسلامية أوهمت الناس أن العالم سيشهد انقلابًا كبيرًا في وقت قصير لمجرد انقضاء بعض أيام الله.

بل إننا نحذر من أن وراء مثل تلك التوهمات أفكارًا ومعتقدات ضالة نربا بالمسلمين من أن ينساقوا خلفها.

فهذه الأفكار «الانقلابية» إنما هي صدى لأفكار وردت في بعض الكتب المحرفة والتي تروج لها منظمات تخدم في الأساس التوجه الصهيوني وتدعم سيطرته على فلسطين وتمهد لهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم محله.

وحيث إن الحكمة ضالة المؤمن فإننا يمكن أن ننتهز مثل هذه المناسبات لإجراء جردة حساب المكاسب العالم الإسلامي ومخاسره خلال مائة عام مثلما ينبغي علينا أن نفطن لما تحمله تلك الأفكار الشائعة من حولنا من أخطار علينا.

لقد بدأ القرن العشرون الميلادي باتفاقية سايكس بيكو لتقسيم الوطن العربي، واتبعه انهيار دولة الخلافة مرورًا باغتصاب فلسطين، وخلال ذلك كان هناك العديد من المآسي في البوسنة وكوسوفا وكشمير وجنوب السودان وها هو القرن ينتهي على مأساة مروعة للمسلمين في الشيشان وعملية تسوية مع العدو الصهيوني توشك أن تفتح له ما تبقى من أبواب مؤصدة في العالمين العربي والإسلامي.

لقد كادت الأحداث الجسام تطمس ما تحقق من إيجابيات خلال القرن الذي شهد حربًا فكرية ضروسًا استهدفت عزل الإسلام عن واقع الحياة وانتهت- بفضل الله- بهزيمة ماحقة لتلك الأفكار، كما شهد القرن نشوء حركات وجماعات إسلامية إصلاحية كان لها أثر كبير على تيار الصحوة الإسلامية الذي عم مختلف الأقطار وانتشر في بقية بقاع العالم.

وعلى الرغم من حرب التشويه الموجهة ضد الإسلام، فإن القرن العشرين شهد موجات من دخول غير المسلمين في الإسلام حتى أصبح الإسلام أكثر العقائد انتشارًا في أكثر من قطر غربي. 

وقد تكسرت موجات التنصير في مختلف بلدان آسيا وإفريقيا.. وها هو القرن ينتهي دون أن تتحقق نبوءات المنصرين المزعومة حول إنهاء الوجود الإسلامي في إفريقيا وإندونيسيا حسب زعمهم، حيث حددوا نهاية القرن موعدًا لذلك.

لقد تحققت تلك الإيجابيات بفضل الله ثم بيقظة جماعات من المسلمين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن دين الله ولكن المناظر لم تنته ومخططات الكيد للإسلام والمسلمين لم تتوقف وخاصة أن الأوضاع في معظم بلدان المنطقة لا توفر الأجواء المناسبة لمواجهة تلك الأخطار، والتصدي لتلك المخططات بل نجدها- على العكس- تخدم تحقيق أغراض الغرب والصهاينة، حيث العزلة بين أكثر نظم الحكم والشعوب والسياسات توجه لخدمة الأشخاص لا الدول، وغلبة النزعة الفردية والأنانية حتى على مستوى بعض الحكام، حيث نجد من يسعى لتسليم الحكم لابنه دون وجه حق. 

ومن أسف أن نجد أن الرجال الذين يستطيعون الوقوف في وجه تلك الأخطار والمخططات قد زج بهم في السجون والمعتقلات، وأن الحركات الإصلاحية التي تستطيع استنهاض الشعوب تلاحقها الاتهامات الباطلة والتضييقات المستمرة.

إننا نأمل أن تنزاح تلك الغمة وتتبدل تلك الأحوال وأن تجتمع كلمة الحكام والجماعات والشعوب على العمل لخدمة دين الله وإعلاء كلمته وتحقيق مصالح المسلمين وحفظ أرضهم ودمائهم وأعراضهم والتصدي للأخطار الخارجية المحدقة فلم يعد بعد ما رأينا وسمعنا في قوس الصبر من منزع. والله المستعان.

الرابط المختصر :