; سَجَّلَ شهداء << تدمر >> صفحةً في تاريخنا المعاصر وأضافوا إلى ديوان شعر الجهاد والمصابرة قصائد لا يمحوها الزمن | مجلة المجتمع

العنوان سَجَّلَ شهداء << تدمر >> صفحةً في تاريخنا المعاصر وأضافوا إلى ديوان شعر الجهاد والمصابرة قصائد لا يمحوها الزمن

الكاتب يحيي بشير حاج يحيي

تاريخ النشر السبت 17-فبراير-2007

مشاهدات 8

نشر في العدد 1739

نشر في الصفحة 49

السبت 17-فبراير-2007

ويهتف آخر - وقد رأى كوكبة من إخوانه تساق إلى الموت في محكمة (...) قاضيها لا يصحو من سكر وجلادوها لا يفترون عن أذى وشتم، محكمة تصدر أحكاماً جاهزة، رئيسها هو القاضي والخصم، يهتف وهو يعلق على صدور إخوانه وسام الفوز عند البلاء:

تفيض الأماني خلال الظلام

وينزف صدرك خلف الحديد

وما كان يثنيك حقد اللئام

فيا أيها (التدمري) الشهيد

عليك السلام.. عليك السلام

إذا مزقتك نيوب الذئاب

ومزق أشلاءك المجرمون

فنيل الشهادة حلم الشباب

ومثواك في جنة الخالدين

فنعم المقام بدار السلام

أخي نحن بعد الأذى والهوان

سنعلو على الخلق؛ إنس وجان

لنا الصدر أو منزل في الجنان

فلسنا نخاف أداة الجبان

كراماً نموت ونحيا كرام

وتضج في إحدى الزنازين كلمات كالرعد القاصف، وقد سمع المكبلون أصوات التكبير «الله أكبر ولله الحمد»:

في سبيل الله قمنا

نبتغي رفع اللواء

فليعد للدين مجده

أو تريق منا الدماء

ويشعر الذين ينتظرون أن الذين قضوا نحبهم مضى بهم قطار الشهادة بإذن الله تعالى إلى جنة الرحمن وهم يهتفون: «غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه»، فيرددون على لسان شاعرهم:

الليل والإعصار والتدمري النار

وثورة في فؤادي يمور فيها الثأر

أنا الأسير أنادي والقيد يُدمي فؤادي

أروى عروقي غيظ ولهفة للجهاد

وهب نسائم الذكريات من تاريخنا  الإسلامي العبق فيتسلل أريجها على رغم أنف القيد والسجان، يجد المؤمنون فيها ريح الإيمان، ويلتمسون من خلالها نور الحق الذي جَهدَ أعداء الحق أن يطمسوه في قلوب الفتية الذين آمنوا بربهم، فزادهم هدى:

فهاهي ذي القوافي تتمرد على الأسوار، وتشق غياهب الظلم فيقول أحد شعراء سجن تدمر:

نورٌ أضاء الخافقين فأبشري

يا بلدة الصحرا بصبح أنورِ

شرفٌ أتاكِ من الإله بأحمد

تيهي على كسرى وقيصر وافخري

ودعي رؤوس اللات والعزى فما

أشقى الورى بشريعة المُستعبِدِ!!


وما أسعد الدنيا بسنة أحمد وشرعة الإسلام، فهي لم تعرف العدل، وما ذاقت الكرامة إلا في ظلاله.

ثم تمضي الذكريات بالشاعر إلى موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين يرد عليه واحد من عامة المسلمين، فيتقبل ذلك ويصغي له، فأجاب عمر بوجه باسم:

طيبت والله بقولك خاطري

ما قال عنه مجرمٌ أو خائنُ

حتى ولا أمر الجنود بسوقه

حتى يحاكمه «القضاء العسكري»

كلا ولا أمر القضاء بسجنه

عشرين عاماً في صحاري «تدمر»

ويعلم هؤلاء المكبلون في الأصفاد أن لكل أجل كتاباً وأن هذه الدنيا دار عبور لا دار قرار، وأن شجرة الإسلام لم تورق إلا بدماء الجيل الفريد من صحابة محمد ﷺ، وأنها في كل عصر تروى بدم الغيارى، وأن الله تعالى قد اختار من بينهـم شباباً في طهر ماء السماء ليكونوا شهداء على طريق عزة

إليك النص المكتوب في الصورة:

الإسلام ورسوخه، ولتكون دماؤهم لعنة تنصب على الظالمين، وعاصفة تقتلع ما شيدوا وما يعرشون! ولسان حال الشهداء يقول لهم:

أبالموت تخوفوننا؟ هو والله حبيب إلى قلوبنا كحبكم للحياة، فأنتم أحرص الناس على حياة، ونحن أحرص المؤمنين على الشهادة لا نقيل ولا نستقيل، نمضي على طريق حمزة وجعفر وعمر وأبي عبيده ومن قال حين عاين الموت:

ولستُ أبالي حين أُقتل مسلماً

على أي جنبٍ كان في الله مصرعي

وهاهو ذا «أبو مصعب»، رفع الله مقامه في عليين، يطلقها صريحة بجنان ثابت، وعزم راسخ، وإيمان لا يتزعزع فيملي على إخوانه الذين ينتظرون قصيدته الغراء قبل استشهاده بساعة في ساحة الإعدام بسجن تدمر. يقول - طيب الله ثراه، وأناله مبتغاه:

طال اشتياقي للحبيب محمدٍ

يا نفسُ طيبي فاللقا قد حانا

هذي الملائكُ والصحابةُ حولهُ

ورجالُ صدقٍ بايعوا «مروانا»

حفّوا ببساطِ الموتِ في شوقٍ لنا

والحورُ تنشدُ خلفهم ألحانا

والروضُ زُلفى والكؤوسُ مليئةٌ

والعينُ تجري ريحُها ريحانا

لا لغوَ فيها أو عناءُ معيشةٍ

فالرزقُ دانٍ رقةً وحنانا

فاسكن فؤادي لا أبالي ميتةً

يجزيكَ ربي نضرةً وجنانا

إن الجنان على البحور مصائبُ

من كان يبغي فليكن ربانا

سأظل دوماً ما حييتُ مجاهداً

بدمي وروحي مسلماً «إخوانا»

ويظل هامي للثريا شامخاً

وشراكُ نعلي فوقهم تيجانا

وتمضي كوكبة إثر كوكبة، لتنطلق أرواحهم في حواصل طيور خضر، وما هم بميتين، ولكنهم أحياء عند ربهم يرزقون. ويسجل شهداء تدمر صفحة في تاريخنا الإسلامي المعاصر بلون الدم وريح المسك.. ويضيفون إلى ديوان شعر الجهاد والمصابرة قصائد لا يمحوها الزمن. ■

الرابط المختصر :