; بمبادرة من وزارة التربية المغربية كرد على ما عرف بـ «الكتاب الأبيض»: جدل حول تقليص مادة التربية الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان بمبادرة من وزارة التربية المغربية كرد على ما عرف بـ «الكتاب الأبيض»: جدل حول تقليص مادة التربية الإسلامية

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005

مشاهدات 52

نشر في العدد 1673

نشر في الصفحة 32

السبت 15-أكتوبر-2005

وزارة التربية حذفت بعض الآيات القرآنية من الكتب المقررة بحجة تلافي التشدد في اللباس!

«الميثاق الوطني للتربية والتكوين» يبلور السياسة الجديدة للدولة في مجال التعليم.

حزب العدالة والتنمية يؤكد أن الدولة تحاول تجفيف منابع الدين بهذه الإجراءات.

معركة جديدة في المغرب وجدال يبدو أنه سيكون بعيد الأمد بدأ بين الحكومة والإسلاميين تحت عنوان التربية الإسلامية في مختلف مراحل التعليم، وذلك بعد أن قامت وزارة التعليم بتقليص حصص تدريس هذه المادة بالنسبة لطلبة التعليم الثانوي، بخلاف المواد الأخرى المقررة.

وقد جاءت هذه المبادرة من جانب الوزارة كرد على ما تم الاتفاق حوله ضمن ما عرف بـ «الكتاب الأبيض» الذي استغرق إنجازه بين الوزارة والمعنيين بمختلف الشعب عشرات الأيام، وتكلف ميزانية ضخمة من ميزانية الدولة، في إطار تنزيل «الميثاق الوطني للتربية والتكوين» الذي بلور السياسة الجديدة للدولة في مجال التعليم وأشرفت عليه لجنة ملكية خاصة مكونة من الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات ذات العلاقة بقضايا التعليم لفترة خمس سنوات.

وقد نص «الكتاب الأبيض» الذي ظهر خلال حكومة التناوب السابقة -التي كان على رأسها الاشتراكيون من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية- على منح ساعتين كل أسبوع لجميع مواد التدريس في مختلف الشعب والاختصاصات، لكن الوزير الحالي الذي ينتمي لنفس الحزب الحبيب المالكي، تراجع عن ذلك الاتفاق ووجه خطابات لمدرسي التربية الإسلامية في جميع الأكاديميات يطالبهم فيها بتقليص حصة التربية الإسلامية إلى ساعة واحدة كل أسبوع، خلافًا للمواد الأخرى التي أبقي على حصصها كما هي! ويرى بعض المراقبين في مبادرة الوزير الاشتراكي تطبيقًا للسياسة الجديدة للدولة تجاه التعليم الديني عمومًا وخطوة على طريق تنفيذ عناصر السياسة الدينية التي شرعت فيها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بعد تفجيرات الدار البيضاء في مايو ٢٠٠٣م من أجل محاربة التطرف بين الشباب، وفرض هيمنة الدولة بشكل أكبر على المجال الديني في البلاد ووضعه تحت المراقبة، ومن ثم فهي محاولة لـ «تجفيف منابع التدين» كما يقول الإسلاميون في حزب العدالة والتنمية الذين لم يكونوا أبدًا على وئام مع حزب وزير التربية الوطنية، بينما تقول جمعية مدرسي التربية الإسلامية في المغرب التي استنكرت القرار: إن مبادرة الحبيب المالكي تأويل سيئ لخطاب الملك الذي ألقاه في شهر أبريل الماضي أثناء حفل تنصيب المجلس العلمي الأعلى الذي يشرف على المجالس العلمية في مختلف المناطق بالمملكة، عندما قال: نصدر تعليماتنا لحكومتنا، قصد اتخاذ التدابير اللازمة بأناة وتبصر، لعقلنة وتحديث وتوحيد التربية الإسلامية والتكوين المتين في العلوم الإسلامية كلها، في نطاق مدرسة وطنية موحدة.

نصف قرن: إن معركة تدريس التربية الإسلامية في المغرب ليست جديدة في الواقع، فمنذ إبعاد مؤسسة القرويين التي لعبت دورًا إشعاعيًّا في تاريخ الغرب الإسلامي قبل قرون عدة، ظلت مادة التربية الإسلامية في مناهج التعليم محل جدال بين العلماء والسياسيين الذين تعاقبوا على الحكومات في البلاد منذ الحصول على الاستقلال عام ١٩٥٦م فمع أول حكومة بعد الاستقلال كانت حصة التربية الإسلامية مدمجة مع التربية الوطنية في حصة ساعة واحدة أسبوعيًّا لا يمتحن فيها التلميذ، الأمر الذي أسقط أهميتها لديه، وفي سنة ١٩٧٣م أعطيت لها ساعة منفصلة عن التربية الوطنية، لكن مرة كل نصف شهر، إذ كانت تتناوب مع مادة التربية الوطنية بالحصة نفسها، وبعد الإصلاح التعليمي عام ١٩٧٦م تقرر رفع حصتها إلى ساعة في الأسبوع، وأن تدرس بجميع الأقسام عدا الشعب العلمية والتقنية، وأصبحت من المواد الممتحن فيها باستثناء امتحان البكلوريا، وكان يعهد بتدريسها إلى أساتذة الأدب العربي وليس إلى المتخصصين في الفقه الإسلامي، بعد ذلك حققت المادة مكاسب نسبية تمثلت في إصلاح البرامج والاستقلال بمقرر دراسي خاص منفصل عن مقرر التربية الوطنية، وأسند تدريسها إلى خريجي جامعة القرويين. 

وخلال العام الدراسي 1983 – 1984م صار للمادة ساعتان أسبوعيًّا بجميع المستويات والشعب عدا مستوى السادسة ثانوي والبكالوريا للشعب العلمية والتقنية، حيث خصصت لها ساعة واحدة فقط، لكن لم تصبح مادة ممتحنًا فيها إلا بعد عام ١٩٨٧م مع تطبيق النظام الجديد للبكلوريا.

أما بخصوص محاولات حذفها من الشعب العلمية والتقنية فيعود إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي؛ حيث تم التراجع عما تحقق في السابق، وخلال فترة حكومة التناوب بين ۱۹۹۸ و۲۰۰۳م بدأت محاولات التقليص من حصصها، حيث ألغيت من ثلاث عشرة شعبة من بين خمس عشرة شعبة، ولم يعد الطالب يمتحن فيها، أي أنها أصبحت مادة لا تلزمه.

حذف النصوص القرآنية

جاء الكتاب الأبيض نتاج نقاشات مطولة شارك فيها نحو خمسة آلاف خبير في مجال التعليم وخبراء الوزارة، لكن المنهاج المقرر للتربية الإسلامية الذي ظهر في الأسواق بعد ذلك كان مخالفًا لما تم الاتفاق عليه بل أقدمت الوزارة على حذف بعض الآيات القرآنية من الكتاب المقرر، مثل قوله تعالى: ﴿وَلۡیَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُیُوبِهِنَّۖ﴾ (النور: 31) وبرر الوزير ذلك بأنه محاولة لـ «تلافي التشدد في اللباس» ورد على سؤال في الموضوع بمجلس النواب قائلًا: «إنني لست دغمانيًا، فالكتاب الأبيض وحتى الميثاق الوطني للتربية والتكوين ليسا قرآنًا مُنَزَّلًا».

وقد دعا المكتب الوطني لجمعية مدرسي التربية الإسلامية في المغرب في بيان بعنوان «بيان إلى الشعب المغربي» وزارة التربية الوطنية إلى التراجع عن هذه الخطوة الخطيرة والكف عن نهج سياسة التهميش والإضعاف تجاه مادة التربية الإسلامية التي تضطلع بالدور الأساس داخل منظومتنا التربوية في الحفاظ على هويتنا ومقوماتنا الحضارية وتحقيق التنمية البشرية في بعدها الثقافي والتربوي الأصيل، وأهاب بكافة الغيورين في هذا البلد وجميع هيئات المجتمع وفعالياته وعلمائه إلى الحذر واليقظة وتحمل مسؤولياتهم في الدفاع عما تبقى في تعليمنا من حصون الأصالة المغربية. 

أما النسيج العلمي والتربوي الوطني لمتابعة ملف التربية الإسلامية، فقد طالب في بيان له إلى التراجع عن قرار الوزارة وسحبه فورًا لما يشكله من تراجعات صارخة عن المكتسبات المحققة في مجال بناء البرامج والمناهج، كما دعا إلى الإشراك المتوازن للعلماء والمتخصصين في كل النواحي المتعلقة بمناهج التعليم سواء تعلق الأمر بالكتاب المدرسي أو مرصد القيم، أو مراجعة البرامج والمناهج، وعدم الاقتصار على تمثيل رمزي لهم.

الرابط المختصر :