العنوان بين العاطفة والموضوعية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1993
مشاهدات 24
نشر في العدد 1038
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 16-فبراير-1993
بين العاطفة والموضوعية
ماهر صالح الحافظ
ما هي العاطفة؟ نسمع كثيرًا ونقرأ هذا المصطلح إما مفردًا أو مضافًا فهل
العاطفة هي الحب؟ كما يظن كثير من الناس أم أنها أوسع من ذلك؟! يعرف علماء النفس
العاطفة فيقولون «هي الاستعداد النفسي للميل والانتماء والحلم - وإلى الجاذبية
الفطرية» ... وإذا حللنا العاطفة نجدها تشمل عنصرين أساسيين وهما الحب والكراهية
وفي الحقيقة إن كثيرًا من الناس يقصرون العاطفة على الحب فقط فنجدهم يقولون: هذا
إنسان عاطفي إذا أحب إنسانًا آخر أو تعلق بفكرة معينة في حين أن العاطفة أوسع من
ذلك بكثير فهي تشمل الحب والكراهية. ونحن إذ نقول إنه من العاطفة أن يحب إنسان آخر
أو أن يتعلق بفكرة معينة لا تنفي معنى الحب ولكن الذي نقصده الحب والتعلق اللذين
يعميان البصيرة ويخفيان العيوب والمثالب ويظهران المحاسن والإيجابيات فقط. ولنضرب
مثلًا على العاطفة بالمفهوم الذي حددناه: فهذا أستاذ في الجامعة ولسوء فهم أو خلاف
مع أحد الطلاب في غير الحقل الأكاديمي نجد هذا الأستاذ وجد من مكانه كمدرس أو
أستاذ وسيلة للانتقام من هذا الطالب من خلال درجات الاختبارات ويتضح ذلك أكثر حين
تصحيحه للأسئلة.
فنحن نقول عن هذا الأستاذ أنه عاطفي حين يتصرف هذا التصرف الذي يحكم فيه
عاطفته وانفعالاته لا الحق الذي يجب أن يصدر عنه أستاذ لطالبه، فيجب ألَّا تختلط
علينا الأوراق فالبغض والتنافر شيء والقاعدة الأكاديمية والاختبارات التحصيلية شيء
آخر فلا تؤثر انعكاسات الأول على الثاني. ويجب أن تعامل كل موقف على حِدَة.
والموضوعية هي التجرد المطلق للحق والمعايير الثابتة التي لا تؤثر فيها المواقف
والانفعالات. فحين يتضح الحق يجب أن ألغي العاطفة التي قد تُغيِّر من هذا الحق إلى
سواه فلنضرب مثلًا يوضح لنا هذه المسألة هذا هو الصحابي سعد بن أبي وقاص حينما عرض
عليه الإسلام لم يحكم عاطفته حينما عرف الحق. رغم أن العاطفة تنازعه متمثلة في أمه
وفي عقيدته.. وألغي ذلك كله وتجرد للحق الذي آمن به واعتقد أنه الحق فعلا لذلك لا
نستغرب أن يقول لأمه والله لو كان لك ألف نفس فخرجت واحدة تلو الأخرى ما ردني ذلك
عن ديني. ومن هذا كله يتضح لنا الأمرين بوضوح والبعد بينهما فنجد أن البعد بينهما
بقدر القرب بينهما لذا وجب على أصحاب الدعوات أن يربوا أتباعهم على الموضوعية لا
العاطفة العمياء الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر فيفرزون لمجتمعاتنا الإسلامية نماذج
بمجرد ما يرى أحدهم خطأ لا تخلو منه طبيعة إنسانية فيحكمون عليه وعلى انتمائه من
خلال هذا الخطأ الذي قد يسع الخلاف فيه الجميع. والحقيقة: أن سبب خلافنا في كثير
من القضايا مرده إلى فقدنا لهذه القضية فنحن بحاجة ماسة إلى فقه هذا الأمر في
حياتنا الدعوية وحتى الدنيوية لكي نصبح أناسًا معتدلين فلا إفراط ولا تفريط.