العنوان الحث على صلة الأرحام والتحذير من قطيعة الرحم
الكاتب عقيل عبدالرحمن العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993
مشاهدات 318
نشر في العدد 1045
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 13-أبريل-1993
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونشكره ولا نكفره، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بصلة الأرحام وحث المسلمين عليها وحذرهم من قطيعة الرحم ونهاهم عنها. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أيها الإخوة القراء الكرام: السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.. أما بعد:
فإن الله يقول في محكم التنزيل: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءًۚ
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَۚ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1).
الأرحام: جمع رحم، والرحم في اللغة:
القرابة، والرحمة التعطف والرأفة، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضًا. وأما الرحم في
الاصطلاح فهو: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، ذكر هذا الإمام
القرطبي -رحمه الله- في تفسيره.
وبعد أن تعرفنا أخي الكريم- على معنى
الرحم في اللغة والاصطلاح وأدركنا ما بينهما من تناسب جدير أن نتعرف على موقف
الشرع من الرحم وما أعد الله لمن وصل رحمه من الثواب الجزيل وما ورد من الوعيد
الشديد لمن قطع رحمه. فنقول: إن الله تعالى
قد حث المؤمنين على صلة الأرحام ورغبهم فيها، وبالنظر في الآية الآنفة الذكر وهي
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
نجد أن الله تعالى قد قرن فيها بين تقواه سبحانه وبين
صلة الأرحام، قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: «اتقوا الله أن
تعصوه واتقوا الأرحام أن تقطعوها». والجمع بين تقوى الله والحث على صلة الرحم
والتحذير من قطعها دليل على تأكيد الإسلام على صلة الأرحام وإلا لما جعله الله
قرينًا للتقوى، فلما جُمع معه تأكد الحث عليه والعناية به.
كما نجد أخي الكريم في موضع آخر من
القرآن أن الله قد جمع بين الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم قال تعالى: ﴿فَهَلْ
عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: ٢٢).
ولا شك أن لهذا الجمع مغزى ألا وهو
تبكيت قطيعة الرحم والتحذير منها فمجرد الجمع بين القطيعة والإفساد فيه تحذير
ووعيد، ثم إنه سبحانه قد رتب في الآية التي تلي هذه الآية اللعن على من هذه حاله
وأخبر أنه سبحانه قد صم أذنيه عن سماع الحق وأعمى بصره عن رؤية الطريق المستقيم
طريق أوليائه الصالحين فقال سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ
اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٣).
عقوبة قاطع الرحم
ثم
إنه سبحانه قد
توعد الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام وغيرها فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ
اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ
اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٥)
ومن هذه الآية نستلهم -أخي الكريم-
وجوب صلة الأرحام وتحريم قطيعة الرحم، إذ إن الحق سبحانه قد توعد من يقطع ما أمر
الله بوصله من رحم وغيره- قد توعده باللعن وهو الطرد من رحمة الله كما توعده بأن
له سوء الدار والمراد بذلك جهنم- حمانا الله وإياكم منها.
وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول صلى
الله عليه وسلم تحث على صلة الأرحام وترغب فيها وتبين ما اشتملت عليه من الأجر
العميم والثواب الجزيل لمن وصل رحمه وحسنت نيته في ذلك أي فعل ذلك محتسبًا الأجر
من الله فمن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو
ليصمت» فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على صلة الأرحام وجعل ذلك علامة على قوة
الإيمان بالله واليوم الآخر وأن ترك ذلك مما يضعف الإيمان وينقصه. إذ قطيعة الرحم
معصية والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما هو مقرر لدى علماء الإسلام، ثم
إنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن صلة الرحم سبب في بسط الرزق وطول العمر والبركة
فيه فعن أنس رضي
الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» متفق
عليه.
ومعنى ينسأ له في أثره: أي يؤخر له
في أجله وعمره فما أعظمها من خصلة وما أجدر بالمسلمين من الأخذ بها.
أخي الكريم: وحيث إن مطامع المؤمن لا
تقتصر على أمور الدنيا الفانية بل نظره وجل فكره ينصرف إلى الدار الآخرة وما أعد
له الله فيها لذا بين صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم مما يدخل الجنة ويباعد عن
النار فعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي
الله عنه أن رجلًا قال: يا
رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال النبي صلى الله عليه
وسلم «تعبد الله ولا
تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم متفق عليه. وهذا يدل أخي
الكريم على فضل صلة الرحم وسمو مكانته حيث جمعه الرسول صلى الله عليه وسلم مع
إخلاص العبادة لله والصلاة والزكاة فوق ما أخبر من أنه يدخل الجنة ويباعد فاعله عن
النار.
وأعلم أخي الكريم أن صلة الرحم لا
تقتصر على وصل من وصلك لأن هذا من باب المكافأة ورد الجميل ولكن الواصل الحقيقي هو
من يصل أرحامه الذين يقطعونه مصداق هذا ما رواه عبد الله بن عمرو بن
العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس الواصل
بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.
وبذلك يزيد أجرًا المرء الواصل
لأقاربه وذوي رحمه المحسن إليهم الصابر على ذلك إذا كانوا يسيئون إليه رغم إحسانه
ويقطعونه رغم صلته أما أقاربه القاطعون المسيئون لمن أحسن إليهم فعليهم وزر عظيم
وذنب كبير، فعن أبي هريرة رضي
الله عنه أن
رجلًا قال: يا رسول الله إن
لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي فقال:
«لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على
ذلك» رواه مسلم.
وتسفهم المل: أي كأنما تطعمهم الرماد
الحار. وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق الرماد من الألم.
أخي الكريم: ألا وإن من حرص الإسلام
على صلة الرحم ومنعه القطيعة أنه لم يستثن أحدًا من الأقارب فيرخص بقطيعته حتى
القريب الكافر أمر الإسلام بصلته والإحسان إليه، فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي
الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت؟ قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال «نعم
صلي أمك» متفق عليه.
قولها: راغبة: أي طامعة فيما عندي
تسألني شيئًا.
فضل الصدقة على ذوي الرحم
أخي الكريم: ومزيدًا في صلة الرحم وترغيبًا فيها فقد فرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين الصدقة على المسكين البعيد وبين الصدقة على المسكين ذي الرحم وجعل الصدقة على ذي الرحم تفضل عن الصدقة على غيره لأجل القرابة والرحم فعن سليمان بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة» رواه الترمذي وقال حديث حسن.
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم من قطيعة الرحم وبين أن وصلها سبب في وصل الإنسان لكل خير وقطعها سبب لقطعه
عنه فعن أبي هريرة رضي
الله عنه قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن
الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من
القطيعة. قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى. قال: فذلك
لك» ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: اقرأوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ وفي
رواية للبخاري، قال الله تعالى: «من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته» وعن عائشة رضي
الله عنها قالت: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه
الله». متفق عليه.
وأشد من هذا وأعظم -أخي الكريم- أن
الرسول صلى الله عليه وسلم قد توعد من قطع رحمه بالحرمان من الجنة فعن أبي محمد
جبير بن مطعم رضي
الله عنه أن رسول الله الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يدخل الجنة قاطع» قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم- متفق عليه.
فما أجمل هذا الدين الذي يحث على
الترابط والتكاتف والتواصل ويحذر من التقاطع والتدابر.
وحري بنا- أخي المسلم- أن نحرص على
هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن نعض على سنته بالنواجذ ونحافظ على صلة الأرحام
ونحث إخواننا المسلمين على ذلك ونحذر القطيعة ففيها ما علمتم من الوعيد الشديد.
جعلنا الله وإياكم ممن يصل رحمه
وجنبنا وإياكم القطيعة وهدانا لأحسن الأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا هو إنه
ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اقرأ أيضًا