; شخصيات صهيونية تورطت في التعاون مع النازيين | مجلة المجتمع

العنوان شخصيات صهيونية تورطت في التعاون مع النازيين

الكاتب عبد الوهاب المسيري

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998

مشاهدات 38

نشر في العدد 1286

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 27-يناير-1998

شخصيات صهيونية تورطت في التعاون مع النازيين

بقلم: الدكتور عبد الوهاب المسيري (*)

من الصعب حصر كل الشخصيات الصهيونية التي تورطت في التعاون مع النازيين، ولعل الدراسة العلمية، التأملية والمقنعة، تنجح في حصر بعضهم أو حصرهم جميعاً، وفي تحديد مسؤولية كل، والظروف التي أدت إلى تعاونه ومدى تورطه، ونورد هنا ستة من هذه الشخصيات ونناقش طبيعة تعاونها مع النازيين:

1. ألفريد نوسيج (1864 - 1943م)

أحد مؤسسي الحركة الصهيونية مع هرتزل، وأهم شخصية يهودية صهيونية متورطة في التعاون مع النازيين، وهو فنان وشاعر وموسيقار من أصل بولندي وخلفية ثقافية ألمانية، كانت مواهبه متعددة ومتنوعة عبر عنها من خلال الأدب، قصائد ومسرحيات ومقالات في النقد الأدبي والموسيقي، ومنها أوبرا "بريتو والتحت"، وعرضت تماثيله في معظم أرجاء أوروبا وذاعت شهرته كنحات، وقد بدأ حياته، شأنه شأن معظم الزعماء، خصوصاً الذين كانوا من أصل ثقافي ألماني، بالمطالبة بالاندماج الكامل لليهود، ثم أصبح محرراً في إحدى الصحف البولندية. وفي عام 1887 م، نشر كتيبه "محاولة لحل المسألة اليهودية" (بالبولندية)، حيث اقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين والدول المجاورة، وقد ترك هذا الكتيب أثراً عميقاً على المثقفين اليهود في أوروبا خصوصاً في جاليسيا. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح نوسيج نشيطاً في المجال الصهيوني فألف الكتب وذيع المقالات عن موضوع الاستيطان وغيره.

وقد يتصور البعض أن ثمة تناقضاً بين نزعته الاندماجية الأولى ونزعته الصهيونية بعد ذلك، ولكن هذا النمط معروف تماماً بين مؤسسي الحركة الصهيونية، ولا سيما أصحاب الخلفية الثقافية ألمانية، فهؤلاء يهود غير يهود، بمعنى أنهم حاولوا الاندماج، بل الانصهار في الأغلبية لرفضهم هويتهم اليهودية "الدينية والعرقية"، ولكن المجتمع صنفهم يهوداً، ولهذا أخذوا يبحثون عن طريقة أخرى للتخلص من اليهود، ووجدوا ضالتهم في الحل الصهيوني، الذي يرمي إلى نقل "ترانسفير" يهود أوروبا خارجها، إلى أن يفرغها من يهوديتها في نهاية الأمر، وهذه عملية ستقضي على الفائض البشري وتسهل اندماج القلة التي ستبقى.

وشارك نوسيج في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 م، واصطدم مع هرتزل لأسباب لا تذكرها المراجع التي عدنا إليها، ولكنه استمر في حضور المؤتمرات الصهيونية، وصوت ضد مشروع شرق إفريقيا "باعتبار أنه مشروع بريطاني، بينما كان متحمسلً للمشروع الاستعماري الألماني". ويبدو أن نوسيج كان عضواً في العصبة الديمقراطية، إذ إنه ساهم عام 1902 م مع مارتن بوبر وحاييم وايزمان وأبو موتسكين في تأسيس أول دار نشر صهيونية في برلين نشرت العديد من الكتب، ويعتبر نوسيج واضع أساس علم الإحصاء الخاص بين الجماعات اليهودية، فنشر أعمالاً بين عامي 1887 و 1903 م، ووضع أساس إنشاء المعهد الإحصائي والسكاني "الديموجرافي" اليهودي.

وهدف الصهيونية "حسب تعريف معظم مؤسسيها"، هو نقل اليهود من أوروبا وإفراغها منهم لحل المسألة اليهودية، ونوسيج ينتمي إلى هذه المنظومة الفكرية التوطينية "الترانسفيرية"، فكان معظم فكره يدور حول تهجير اليهود، وكان هذا يأخذ شكل محاولة زيادة وعيهم بهويتهم اليهودية العضوية حتى يضمر ويؤدي إحساسهم بالانتماء إلى أوروبا، وقد أنجز نوسيج ذلك من خلال أعماله الفنية مثل تماثيله: "الجهود التائهة"، ويهودا المكابي، و"الملك سليمان"، و"الجيل المقدس"، (كان نوسيج يود أن يضع على جبل الكرمل رمزاً للدولة اليهودية)، كما أسس عام 1908 م منظمة استيطانية تسمى "AIKO" للتعجيل بنقل اليهود، فهو - شأنه شأن نوردو - كان في عجلة من أمره، ولعل طول الانتظار هو الذي دفعه إلى التعاون مع النازيين، لأنهم أيضاً ذوو نزعة توطينية ترانسفيرية، فعمل كمخبر للسلطات النازية إبان الحرب العالمية الثانية، وعينه تشيرنياكوف - رئيس مجلس اليهود في وارسو إبان حكم النازي - عضواً في المجلس ورئيساً لقسم الفنون، ونظراً لمعرفته الوثيقة بأعداد اليهود وتوزعهم ومراكزهم المحيطة المختلفة بسبب دراساته التي أسلفنا الإشارة إليها، ونظراً لخبرته العميقة في إفراغ أوروبا من يهوديتها، وضع نوسيج خطة متكاملة لإبادة اليهود الألمان المسنين والفقراء "غير النافعين" وتهجير الباقين أو إبادتهم، وقد اكتشف أعضاء المقاومة اليهودية في جيتو وارسو تعاونه مع النازي، وأنه عضو في الجستابو، فحكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص، ونُفذ الحكم في 22 فبراير 1943 م، وقد اختفى نوسيج تماماً من الأدبيات الصهيونية والغيرية.

2. مردخاي رومكوفسكي (1877م - 1944م)

صهيوني بولندي ورئيس المجلس اليهودي في جيتو لودز خلال الحرب العالمية الثانية، ولد في روسيا ثم استقر في مدينة لودز مع بداية القرن العشرين، كان عضواً في الحزب الصهيوني العمومي، وقام بتمثيله في لجنة الجماعة اليهودية في لودز، كان رومكوفسكي مؤمناً بأن التعاون مع الألمان سيجعل وضع اليهود أفضل، خصوصاً إذا زادت مساهمتهم وأهميتهم بالنسبة للمجهود الحربي الألماني، ولهذا عند احتلال الألمان لمدينة لودز عام 1939 م، عُين رئيساً للمجلس اليهودي فيها، أي كبيراً لليهود، منحه المسؤولون الألمان في جيتو لودز "الذي ضم 170 ألف يهودي" سلطات إدارية واسعة، وتعزز موقعه القيادي بسبب مهارته التنظيمية، فكان مسؤولاً عن إقامة الورَش التي أمر الألمان بإنشائها لاستغلال عمل اليهود، والتي بلغ عددها 120 ورشة، ومع مرور الوقت، عمل رومكوفسكي على تركيز جميع السلطات في يده وأصبحت إدارته أكثر استبداداً، وعندما أمرت السلطات الألمانية الجيتو بإصدار عملة نقدية خاصة به "باعتباره كياناً يهودياً مستقلاً وبدلاً من استخدام العملة البولندية أو الألمانية"، طُبعت على الأوراق المالية الجديدة صورته.

اشترك رومكوفسكي في عمليات ترحيل ونقل يهود لودز إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وكان مسؤولاً مع معاونيه عن تحديد من سيتم ترحيله، الأمر الذي جلب عليه كراهية كثيرة من سكان الجيتو، وقد ضمت قوائم المرحلين كثيراً من معارضيه داخل الجيتو، خلال الفترة بين يناير ومارس عام 1942 م، تم ترحيل 52 ألف يهودي من الجيتو بمعاونة رومكوفسكي الذي كان مؤمناً بأن التعاون مع الألمان هو أفضل سبيل لتخفيف وطأة هذه المأساة، وقد قام الألمان بتصفية الجيتو في نهاية الأمر عام 1944 م، ورحل رومكوفسكي مع أسرته إلى معسكر أوشفيتس حيث مات.

وتُعد شخصية رومكوفسكي شخصية أثارت الكثير من الجدل في الأدبيات اليهودية التي تُؤرخ لفترة الإبادة النازية، حيث يحمله البعض مسؤولية إبادة يهود جيتو لودز، وهو يعد مثلاً جيداً على ذلك التعاون بين قيادات الجماعات والمجالس اليهودية من جهة والسلطات النازية من جهة أخرى.

3. آدم تشيرنياكوف (1880م - 1942م)

صهيوني بولندي ورئيس مجلس الجماعة اليهودية في وارسو خلال الحرب العالمية الثانية، وأول رئيس للمجلس اليهودي في وارسو، والذي شكلته سلطات الاحتلال النازية.

كان تشيرنياكوف من النشطين في مجال شؤون الجماعة اليهودية في بولندا عقب الحرب العالمية الأولى، واهتم بشكل خاص بشؤون الحرفيين اليهود الذين كانوا يشكلون 40% من تعداد الجماعة، وقام بالتدريس في شبكة المدارس اليهودية المهنية في وارسو، وانتخب في الفترة بين عامي 1927 م و 1934 م عضواً في مجلس مدينة وارسو، كما انتخب قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة عضواً في المجلس التنفيذي للجماعة اليهودية، ثم عُينه عمدة وارسو بعد اندلاع الحرب رئيساً لمجلس الجماعة اليهودية، وبعد احتلال القوات الألمانية للمدينة، عينته السلطات النازية رئيساً للمجلس اليهودي، وأوكلت إليه مهمة تنظيم الجماعة اليهودية في جيتو خاص بها، وكان على اتصال وثيق بالسلطات النازية، خصوصاً مع قوميسار الجيتو الألماني، وقد واجه بعض أعضاء الجماعة اليهودية انتقادات حادة للمجلس اليهودي ونشاطه، وحاول بعضهم إقصاء تشيرنياكوف، ويُقال إن تشيرنياكوف لم يصدق، عندما بدأت عمليات ترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال، أنه سيتم ترحيل اليهود بالفعل، ولكنه أدرك في نهاية الأمر أبعاد المخطط، فرفض التعاون مع الألمان ورفض التوقيع على أوامر الترحيل ولم يجد مخرجاً من مأزقه سوى الانتحار.

وقد ترك تشيرنياكوف يوميات دون فيها جميع الأحداث المهمة التي جرت داخل الجيتو وجميع ملاحظاته ومشاهداته، وتعتبر هذه اليوميات مرجعاً مهماً لأوضاع وظروف جيتو وارسو إبان الاحتلال النازي.

وتثير حياة تشيرنياكوف قضيتين: أولهما قضية مدى مسؤولية القيادات اليهودية عن نجاح النازيين في تنفيذ مخططهم، أما القضية الثانية: فهي خاصة بمدى معرفة العالم الخارجي بما كان يدور في ألمانيا من عمليات تهجير وقمع وإبادة، إذ يذهب بعض الدارسين إلى أن العالم بأسره لم يكن يعرف شيئاً عما يدور في ألمانيا النازية وعن عمليات الإبادة، ومن ثم لم يتخذ أي إجراءات للحيولة دون وقوع مثل هذه العمليات، بينما تصر الأدبيات الصهيونية على أن العالم ترك اليهود وحدَهم لمصيرهم، الأمر الذي يعني صدق المعادلة الصهيونية البسيطة: اليهود ضد الأغيار، ولكن تشيرنياكوف - وهو، كما بينا، واحد من أهم الشخصيات القيادية اليهودية، وكان يعيش داخل بولندا ويترأس الجيتو اليهودي في وارسو، وكان على علاقة يومية مع السلطات النازية - لم يكن يعرف شيئاً عن الترحيل أو عن أفران الغاز ولم يصدق ما كان يحدث من حوله، وقد تعاون مع النازيين، كما تقرر المراجع الصهيونية، لأنه لم يكن يدرك إطلاقاً ما كان يحدث من حوله، ولم يصل إلى مسامعه شيء، إلا في عام 1942 م، أي قرب نهاية الحرب، فكيف كان يمكن للعالم الخارجي أن يعرف عن الاعتقال والتهجير والإبادة؟

4. حاييم كابلان (1880م - 1942م)

مربٍ بولندي صهيوني دون يومياته في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا، ولد في بيلاروسيا وتلقى تعليماً تلمودياً في المدرسة التلمودية العليا "يشيفا"، ثم درس في المعهد الحكومي التربوي في فيلنا، وفي عام 1902 م استقر في وارسو، حيث أسس مدرسة ابتدائية عبرية كانت جديدة في نوعها، وظل مديراً لها لمدة أربعين عاماً، وكان كابلان شديد التحمس للغة العبرية، ومن العارفين بها والدارسين لها، وقد تبنى في تدريسه العبرية الأسلوب أو المنهج المباشر، فكان يدرسها كلغة حية متداولة باستخدام اللهجة السفاردية، وأصدر كابلان عدة كتب بالعبرية يدعو فيها إلى تبني هذا المنهج في التدريس، وذلك رغم المعارضة القوية من المؤمنين بالأساليب التقليدية، كما اشترك كابلان بشكل نشط في جمعية الكُتاب والصحفيين اليهود في وارسو، ونشر العديد من المقالات وأصدر العديد من المجلات العبرية واليديشية على مدى الأعوام الأربعين التي عمل بها في التدريس، كما أصدر، إلى جانب ذلك، كتباً خاصة بالنحو العبري، وكتباً للأطفال تتناول ما يسمى "الثقافة اليهودية"، والتاريخ اليهودي، وكان كابلان من المؤمنين بالوعي القومي باليهودية، أي الصهيونية، والتاريخ اليهودي الواحد، وكانت يهوديته ذات طابع قومي، حيث لم يكن متمسكاً بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية، وقد اتجه إلى فلسطين في عام 1933 م، حيث كان ينوِي الاستقرار مع ابنيه اللذين هاجرا للاستيطان بها من قبل، إلا أنه عاد إلى وارسو بعد أن فشل في العثور على عمل.

وتعود أهمية كابلان إلى أنه دوّن يومياته وهو في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا، وقبل أن يدمر الجيتو بأكمله، وقد بدأ كابلان كتابة يومياته بالعبرية ابتداء من عام 1933 م، وسجل فيها الأحداث اليومية لمجتمع الجيتو، كما سجل أفكاره وحواراته مع أصدقائه وانطباعاته العديدة، وقد أدان كابلان القيادات اليهودية في الجيتو ومن بينها آدم تشيرنياكوف رئيس المجلس اليهودي، الذي كان يقوم بتسليم اليهود إلى النازيين والذي انتحر فيما بعد، وقد نجح كابلان في تهريب يومياته إلى خارج الجيتو قبل أن يلقى حتفه عام 1942 م.

وتتضمن اليوميات إدراكاً كاملاً للتشابه البنيوي بين النازية والصهيونية، إذ يعبر كابلان عن دهشته لإدراك النازيين لليهود، رغم أن الحل النازي هو نفسه الحل الصهيوني: الاعتراف باليهود كعنصر مجوف وطنه فلسطين، ومن ثم يتعين عليه أن يهاجر إليها، وقد دون كابلان في مذكراته أن هذه الكلمات كانت جديدة على النازيين تماماً، وأنهم لم يصدقوا آذانهم حينما سمعوها لأول مرة من أحد اليهود، وهذه الملاحظة تدل على مدى جهل كابلان بمستوى المعرفة النازية بالمسألة اليهودية والأيديولوجية الصهيونية، وتدل على أنه لم يكن متابعاً للتعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة في ألمانيا النازية.

وترجمت يوميات كابلان إلى لغات عدة منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والدنماركية واليابانية، ونُشرت بالإنجليزية تحت عنوان "مخطوطات العذاب".

5. كورت بلومنغفلد (1884م - 1963م)

أحد الزعماء الصهاينة في ألمانيا، والقوة المحركة للمنظمة الصهيونية فيها، وهو يهودي ألماني ولد لأسرة مندمجة، ولكنه خلص إلى أنه لا جدوى من الانعتاق وأن اليهود لن يكون في وسعهم الاندماج في المجتمع الألماني، درس بلومنغفلد على يد فتاة من شرق أوروبا، وبعد أن درس في كلية الحقوق في إحدى الجامعات الألمانية، انضم إلى المنظمة الصهيونية وأصبح سكرتيرها العام الأول عام 1909 م، ثم أصبح السكرتير العام للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، ورئيس قسم النشر، وترأس تحرير مجلة "دي فيلت" لسان حال المنظمة، وبعد الحرب العالمية الأولى، قام بحملات واسعة لجمع التبرعات للصندوق القومي اليهودي وأصبح رئيساً للمنظمة الصهيونية الألمانية عام 1924 م، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1933 م، أي عندما تولى هتلر السلطة في ألمانيا، وقد هاجر بلومنغفلد عندئذ إلى فلسطين واستوطن فيها، وأصبح الرئيس التنفيذي للصندوق القومي اليهودي في فلسطين، ومات بلومنغفلد عام 1963 م، ولكن المصادر الصهيونية لا تذكر شيئاً عن نشاطه السياسي منذ عام 1944 م حتى وفاته، أي مدة عشرين عاماً، وهو أمر يحتاج إلى دراسة.

كان بلومنغفلد يرى نفسه "دُعاة" الصهيونية الألمانية في عصر ما بعد الاندماج وفشله، وبدأ يعلن عن مواقفه ويقول بالإعلام الخارجي داخل ألمانيا وخارجها بوصفه مسؤولاً صهيونياً، كما دأب على إطلاق خطب نارية ورفع شعارات سببت كثيراً من الحرج للأعضاء الأقلية اليهودية في ألمانيا، وكان بلومنغفلد وراء إصدار ما يسمى "قرار بوزن" الذي أصدارته المنظمة الصهيونية الألمانية عام 1912 م، وحددت فيه الصهيونية كحركة قومية تُترجم نفسها إلى هجرة إلى فلسطين "الوطن القومي لليهود"، ووصف بلومنغفلد هذا القرار بأنه كان بمثابة إعلان للهجوم على صهيونية الإحسان "الغربية"، أي الصهيونية التوطينية، وأن الصهيونية بصدوره أصبحت حركة ذات طابع قومي "استيطاني" واضح. وقد اعترف بلومنغفلد أيضاً بأن الأعضاء وافقوا على قراره لأنهم لم يدركوا تضميناته السياسية الراديكالية.

6. رودولف كاستنر (1906م - 1957م)

أحد زعماء الحركة الصهيونية في المجر، ترأس عدداً من المنظمات الشبابية الصهيونية، ورأس تحرير مجلة أوج كيليت Új Kelet "أي الشرق الجديد"، وكان نائب رئيس المنظمة الصهيونية في المجر، ثم أصبح مسؤولاً عن "إنقاذ" المهاجرين اليهود من بولندا وتشيكوسلوفاكيا، فقد كان يشغل منصب رئيس لجنة الإغاثة في بودابست التابعة للوكالة اليهودية.

قام كاستنر بالاتصال بالمخابرات المجرية والنازية "التي كان لها عملاء يعملون داخل المجر، حتى قبل احتلال القوات الألمانية لها"، ثم استمر في التعاون مع النازيين بعد احتلالهم للمجر، وتشير بعض الدراسات إلى أن أيخمان حضر إلى المجر ومعه 150 موظفاً فحسب، وكان يتبعه عدة آلاف من الجنود المجريين، هذا بينما كان يبلغ عدد يهود المجر ما يزيد على 800 ألف، وهو ما يعني استحالة ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال "السخرة والإبادة" إن قرروا المقاومة. ومع هذا نجح أيخمان في مهمته بفضل تعاون كاستنر معه، إذ يبدو أن كاستنر أقنع أعضاء الجماعة اليهودية في المجر بأن النازيين سيقومون بنقلهم إلى أماكن جديدة يستقرون فيها أو إلى معسكرات تدريب مهني لإعادة تأهيلهم وليس إلى معسكرات الاعتقال، ومقابل ذلك سمحت السلطات النازية "عام 1941 م" بإرسال 318 يهودياً ثم 1386 يهودياً من أحد معسكرات الاعتقال إلى فلسطين "يهود من أفضل المواد البيولوجية" على حد قول أيخمان.

استقر كاستنر في فلسطين عام 1946 م، وانضم إلى قيادة الماباي ورُشح للكنيست الأول، وانتقلت معه مجلة أوج كيليت، وأصبح رئيساً لتحريرها، بل كان يُعد مسؤولاً عن شؤون يهود المجر "أو من تبقى منهم" في الحزب الحاكم.

ولكن في عام 1952 م أرسل المواطن الإسرائيلي مايكل جرينوولد كُتيباً لبعض القيادات الصهيونية اتهم فيه كاستنر بالتعاون مع النازيين، وأنه قام بالدفاع عن أحد ضباط الحرس الخاص "الإس. إس" أثناء محاكمات نورمبرغ الأمر الذي أدى إلى تبرئته وإطلاق سراحه، وقد قامت الحكومة في إسرائيل بمحاولات مضنية لإنقاذ كاستنر وتبرئته، كما بيّن كاستنر أثناء محاكمته أنه لم يسلك سلوكاً فردياً، وإنما تصرف بناء على تفويض من الوكالة اليهودية "التي أصبحت الدولة الصهيونية عام 1948 م"، ولم يكن كاستنر مبالغاً في قوله، فالمواطن الإسرائيلي جويل براند كان على علم ببعض خفايا القضية وبمدى تورط النخبة الحاكمة في عملية المقايضة الشيطانية التي تمت، وقد طُلب منه الإدلاء بشهادته، ولكنه آثر ألا يفعل وبدلاً من ذلك كتب كتاباً بعنوان "الشيطان والروح"، يقول فيه: "إن لديه حقائق تبعث على الرعب وتدمغ رؤوس الدولة اليهودية" "الذين كانوا رؤساء الوكالة اليهودية"، وأضاف قائلاً: "إنه لو نشر مثل هذه الحقائق لسالت الدماء في تل أبيب".

وقد قضت المحكمة الإسرائيلية بأن معظم ما جاء في كتيب جرينوولد يتطابق مع الواقع، وبعد إشكاليات قضائية كثيرة، حسمت المسألة "لحسن حظ الحزب الحاكم"، حينما أطلق "أحدهم" الرصاص على كاستنر وهو يسير في الشارع، وقد تمت الجريمة رغم ورود تحذيرات لسلطات الأمن الإسرائيلية عن وجود مؤامرة لاغتيال كاستنر، بل وكانت السلطات تعرف موعد تنفيذ المؤامرة. وقد سجل موشيه شاريت - رئيس الوزراء الإسرائيلي - هذه الكلمات في مذكراته: "كاستنر، كابوس مرعب، حزب الماباي يخلق بوجروم"، ويشير براند في كتابه إلى أن "رجال السياسة الذين يتسمون بالحذر، كانوا لا يعرفون ماذا سيفعلون مع هذا الرجل بعد محاكمته"، وكانوا يفكرون في "إسكاته".

(*) كاتب وباحث متخصص في الصهيونية العالمية وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس - القاهرة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4494

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 717

114

الثلاثاء 14-مايو-1985

المجتمع المحلي (العدد 717)

نشر في العدد 1241

107

الثلاثاء 11-مارس-1997

قانون العودة الصهيوني