; رفح.. الكارثة والصمود>> حملة «قوس قزح»: مجازر و« تدمير» لنصف المدينة | مجلة المجتمع

العنوان رفح.. الكارثة والصمود>> حملة «قوس قزح»: مجازر و« تدمير» لنصف المدينة

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر الجمعة 04-يونيو-2004

مشاهدات 63

نشر في العدد 1603

نشر في الصفحة 22

الجمعة 04-يونيو-2004

  • أحد الضحايا: شاهدت الجرافة العسكرية وهي تلتهم بيتنا قطعة قطعة كمن يتلذذ بأكل الحلوى.                                                                     

  • هانسن: الخسائر البشرية من أسوأ ما رأيت.. وحجم الدمار الذي لحق بمخيم رفح يتجاوز قدرة المنظمة على إعادة البناء.

  • «الأونروا»: تدمير ۲۱۸ منزلًا في رفح.. وادعاء «إسرائيل» بأنها كانت مهجورة غير صحيح. 

  • والد شهيدين: الجثث ما زالت موجودة في إحدى الغرف والجنود يرفضون اقترابنا منها.. أتمنى من أي شخص التوسط للسماح لي بدفنها.   

  • المنكوبون: متمسكون بأرضنا ولن يخيفنا الدمار.

تحولت رفح إلى ساحة معركة تمارس فيها قوات الاحتلال كل أنواع الجرائم من قتل واغتيال واعتقال وهدم للمنازل والبنى التحتية برمتها: وأصبحت المدينة كلها تعاني من كارثة إنسانية. وحين يسير أي إنسان بين شوارع وأزقة مخيم ومدينة رفح يجد أن ظلالًا من الكآبة والحزن والقلق تسيطر على كل زاوية وحارة وحي، وهكذا كانت حملة قوس قزح الوحشية تدميرًا لكل شيء في المدينة وقتل لكل من تقع أعين الجنود الصهاينة عليه أو تطوله الجرافات المهووسة بالقتل والدمار. 

وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» التابعة للأمم المتحدة تؤكد أن الادعاءات الإسرائيلية بأن المنازل التي تم هدمها من قبل قوات الاحتلال في رفح كانت مهجورة غير صحيحة، وحذرت من أنها لن تتمكن في المدى القريب من إعادة بناء المنازل التي دمرها جيش الاحتلال خلال الأيام الماضية، والتي تجاوزت  ۲۱۸ منزلًا. 

ولم يستفق المواطنون من هول الصدمة التي أودت بحياة ۱۳ مواطنًا قتلوا خلال غارات جوية على المدينة الخميس ١٣ مايو إلا وقد داهمتهم حملة القتل والتدمير الجديدة في حي تل السلطان التي بدأت خيوطها قبل نحو أسبوع ليرتفع عدد الشهداء إلى ٥٧ على الأقل.                                                                                

اجتياح مزلزل

حين استيقظ أهالي حي البرازيل وحي السلام في رفح صباح الجمعة فوجئوا بأنهم لا يعرفون الحي الذي عاشوا فيه أكثر من ثلاثين عامًا.. كانت الشوارع متغيرة ومقلوبة رأسًا على عقب، بيوت تحولت من مكانها مدارس دمرت وطرق جديدة فتحت.. ركام هائل من الحجارة والرمال قد سدت كل المنافذ، ووصف صحفي فرنسي قدم لتغطية الحدث في رفح «المسألة أشبه بالزلزال». ولم يستطع الوفد المرافق لبيتر هانسن مسؤول وكالة الغوث في قطاع غزة ولا الوفد الصحفي الكبير أن يسير بين الشوارع دون أن يتعثر أو يضطر للسير بحذر شديد مخافة الانزلاق فوق الحجارة المتناثرة هنا وهناك، وكان هانسن يصطف مع طاقمه على أحد جوانب منزل مدمر ويتحدث للصحفيين عن الجـريمة المروعة التي حاقت بأهالي البرازيل كانت قوة متمركزة على بعد ۲۰۰ متر فقط قد استغلت الفرصة لترسل لهانسن رسالة دموية جـرّاء مقتل طفلة في الثالثة من عمرها كانت تقف بعد أمتار من هانسن، اضطر على إثرها للخروج هو وطاقم وكالة الغوث والصحفيون من المنطقة بسرعة. 

واعتبر هانسن أن حجم الدمار الذي لحق بمخيم رفح يتجاوز قدرة المنظمة على إعادة البناءـ وأضاف: أهالي رفح يتوسلون إلينا أن نوفر لهم سكنًا بديلًا والحاجات الضرورية الرئيسة لكنني لا أستطيع أن أعدهم بالكثير لأن حجم الدمار يتجاوز طاقتنا على إعادة البناء. 

وقال هانسن إثر زيارته التي قام بها اليوم للمخيم لتقييم الأضرار التي نجمت عن العملية العسكرية الإجرامية الدموية الصهيونية إنه بالنسبة للخسائر البشرية في هذه الفترة القصيرة فإنها من أسوأ ما رأيت. وأضاف أن هذا يبدو شبيهًا بما حدث في جنين، في إشارة إلى مجزرة بشعة ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مارس وأبريل ٢٠٠٢.

فوق الأنقاض

المناظر والمشاهد تتكرر بعد كل اجتياح، لكن هذه المرة كانت أشد قسوة وألمًا: عشرات العائلات الفلسطينية بدأت تنبش في الركام الهائل لبيوتها والبحث عما يمكن استخراجه. 

أم حسن (٥٦) عامًا كانت قد جلست فوق ركام منزلها وقد هدها التعب والإرهاق وبدت على وجهها علامات حزن شديدة.. «ماذا نقول؟ حسبنا الله ونعم الوكيل.. لم يتبق من منزلنا شيء.. دمروا المنزل الذي كان يؤوي أكثر من عشرين شخصًا، لا ندري أين نذهب».

أم حسن التي تركت منزلها في مخيم «يبنا» قبل ثلاثين عامًا عندما دمر شارون نصف المخيمات وحول المشردين إلى كل من تل السلطان والبرازيل، تقول: «لا ندري أين نذهب الآن ويقولون بأن عشرات العائلات تسكن في المدارس والملعب البلدي وليس هناك مكان فارغ يمكن أن نأوي إليه». وسط حي البرازيل كان الشارع الرئيس قد تحول إلى كومة من الحجارة، وكأنما هو حقل حراثة حيث لم يتبق منه شيء، وعمدت الدبابات والجرافات العسكرية إلى محو كل أثر للشارع يقول المواطنون هناك بسخرية وألم إن الدبابات الإسرائيلية ترفض السير في الطريق المعبد وتفضل أن تسير فوق المنازل لذلك آثرت أن تغوص في عشرات المنازل لتفتح لها طرقًا أخرى. 

مدرسة طه حسين الثانوية التي تقع على شارع رئيس في حي البرازيل وقعت هي الأخرى تحت سكين الهدم وقد فضلت الدبابات الإسرائيلية «خرط» سورها الغربي مع نحو خمسة فصول مدرسية وحمامات المدرسة واقتلعت خزانات المياه ودمرت أبواب المدرسة. 

المدارس في رفح كانت قد أغلقت أبوابها منذ نحو عشرة أيام. 

الطلاب في معظم المناطق لم يستطيعوا الوصول إليها بعد أن فقد عدد منهم حياته في الأسابيع الأخيرة.                                              

قريبًا من الموت

روايات الأهالي في حي البرازيل متعددة عن كيفية هدم منازلهم أثناء الحصار وقد سمعنا منهم قصصًا مروعة بالفعل. مواطن من عائلة أبو غالي حدثنا بالتفصيل كيف هدموا بيته قائلًا: «كنت أجلس أنا وعائلتي في البيت وسمعنا ضربات في جانب البيت لم نستطع أن نطل برؤوسنا فالدبابات في الشوارع والقناصة على أسطح المنازل اضطررت للانتقال أنا وعائلتي إلى غرفة أخرى كي نكون في مأمن لكن الضرب وصل إلينا واعتقدت أننا سنموت تحت الردم. قررت أن أخرج مع عائلتي ووالدي من المنزل مهما كلفنا الأمر، أنا لا أريد أن أموت تحت الأنقاض وأرى أولادي يختنقون أمام عيني. خرجت بهم ورأيت الجرافة العسكرية وهي تلتهم بيتنا قطعة قطعة كمن يتلذذ بأكل الحلوى هربت مع أولادي إلى منزل جيراننا واختبأنا هناك، على الأقل شعرنا بشيء من الأمان، بعد نحو ساعة نظرت من فتحة صغيرة في شباك جارنا فوجدت منزلنا وقد تبخر في الهواء. 

مواطن آخر يروي لنا كيف هدمت قوات الاحتلال منزله المكون من طابقين فيما كان المنزل يعج بالأطفال والنساء، يقول: أسنان الجرافات العسكرية بدأت بقضم أعمدة المنزل بطريقة متعمدة كي ينهار دفعة واحدة وأخذت أصرخ عليهم، لكن الجرافة كانت صماء لا تسمع، ويبدو أنها تعمل فقط لتهدم لا لتسمع. اضطررنا للهروب واحدًا تلو الآخر إلى منزل مجاور، بعد قليل كان منزلنا في خبر كان. 

وهكذا تؤكد كل الشواهد أن حملة قوس قزح كانت تهدف إلى تأديب أهالي رفح، كما نقلت الصحف الصهيونية عن ضابط في الجيش.             

من نكبة إلى نكبة

وبعد وقت قليل من انسحاب الدبابات من حي البرازيل صرخت أم حسن عواد، وهي تقف علي كومة من ركام منزل عائلتها الذي دمره الجيش بصوت مرتفع: «لن يخيفنا الدمار، ونحن متمسكون بأرضنا» وكالت أم حسن التي ولدت إبان النكبة عام ١٩٤٨ الشتائم للرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس وزراء الكيان إرييل شارون وقالت: «اليهود هجّرونا في ٤٨ ودمروا بيوتنا ويلاحقوننا في كل مكان ليقتلونا أولادنا»، وأضافت متسائلة: «ماذا يريد اليهود من الشعب الفلسطيني؟» وأوضحت المرأة الكهلة التي تنحدر من قرية بينا في فلسطين ٤٨ أنها عاشت سني عمرها بين هجرة وارتحال، وقاطعها فتى قائلًا إنهم «الإسرائيليون» كذابون، يقولون إنهم يبحثون عن أنفاق.. لا توجد أية أنفاق ولا مطلوبون في الحي.. إنهم يريدون تدمير كل شيء للفلسطينيين»، وينشغل الفتى معين أبو طه (١٤) عامًا في البحث عن حقيبته المدرسية تحت ركام منزل عائلته المكون من طابقين، ومعين ليس متأكدًا من خوض الامتحانات المدرسية، حيث لم يبقَ سوى أقل من أسبوعين للامتحانات النهائية في المدارس التابعة لوكالة الغوث الدولية «أونروا» وقال: لقد فقدت الكتب والكراريس فكيف أستعد للامتحانات؟». 

ولم تكن حال معين أحسن من مئات الطلبة الفلسطينيين في المخيم الذين اضطرتهم العملية العسكرية الصهيونية إلى التغيب عن المدرسة. 

مصادر طبية فلسطينية في مستشفى أبو يوسف النجار، أعلنت أن رفع قد رزقت بـ۳۹ مولودًا جديدًا من الذكور خلال المجزرة الرهيبة.                         

قصص ممزوجة بالدماء والدموع

روايات متتالية تحكي المآسي التي خلفتها جرائم الاحتلال ومنها ما حدث مع الشهيدين الشقيقين محمد ١٤ عامًا وأسماء المغير ١٦ عامًا. 

سرية المغير (٤٢) عامًا «أم علي» والدة الشهيدين تصف لحظة الاستشهاد فتقول: إن كل ذلك حدث وكأنه حلم. لقد مر كل شيء بسرعة.. كنا نجلس في الطابق الأرضي نتناول الفطور وما إن انتهينا من تناوله حتى وقف أحمد وقال: أريد أن أطلع إلى سطح البيت لأطعم الحمام... ثم قالت أسماء: أنا أيضاً أريد أن أذهب لأجلب الغسيل، وخرجنا من باب البيت إلى السطح وما هي إلا دقيقة حتى سمعنا دوي إطلاق نار كثيف شعرنا به كما لو كان داخل منزلنا». فهرعت الأم إلى السطح لتجد أحمد وأسماء ممدين على الأرض والدماء تنزف منهما ولم تستطع الوالدة إكمال حديثها، فاعتذرت قائلة مرة أخرى: «حسبي الله ونعم الوكيل.. أحتسبهم عند الله شهداء». الوالد محمد المغير (٤٥) عامًا والذي بدا أكثر تماسكًا من زوجته قال: «أتمنى من أي شخص يستطيع التدخل لدى قوات الاحتلال بأي وسيلة للسماح لي أو للأطقم الطبية والمسعفين بإخراج الجثث من هنا لدفنها.. الجثث ما زالت موجودة في غرفة، وأخاف أن تتعفن وتنبعث منها رائحة كريهة».                                                                   

 علي أكبر الأخوة سنًا يقول: «لقد صعقت حينما رأيت أسماء وأحمد على الأرض والدماء تنزف منهما. لم نستطع إنقاذهما، وهم (الجيش) لم يسمحوا لأحد بالدخول إلينا لإنقاذهما. لماذا يستبيحون دمنا بهذه الطريقة البشعة؟ لماذا تقوم الدنيا ولا تقعد إذا مات طفل إسرائيلي في حين لا أحد يتحرك إذا مات مائتا طفل فلسطيني دفعة واحدة؟». 

وما حدث للأخوين إبراهيم وخليل الشاعر لا يقل مأساوية، فعندما لاح نور الصباح خرج الاثنان إلى بسطة الفلافل قرب منزل العائلة الذي يقع في الجزء الشرقي من حي السلطان، وعندما كانا يستعدان للشروع في تجهيز الفلافل انتظارًا لقدوم أبيهما، إذ بقناصة الاحتلال يطلقون النار عليهما، فيُقتلان على الفور. 

الطفل إبراهيم البلعاوي ١٥ عامًا، الذي يسكن في حي تل السلطان، فكر في الهرب من بيت العائلة صباحًا عندما شعر باقتراب قوات الاحتلال من المنزل، وعندما كان يهم بالخروج من المنزل إذ بقناص من جيش الاحتلال يصيبه في صدره، فيرديه قتيلًا. والده إسماعيل الذي هاله مشهد نجله البكر وهو ممدد أمام باب المنزل حاول التقدم لإدخال الجثة إلى داخل المنزل فحذره الجيران، وبعد ساعتين، وعندما اعتقد أن الوقت أصبح مناسبًا أكثر اندفع لينقل الجثة إلى المنزل، فإذا برصاص القناصة يفجر جزءًا من رأسه.                             

شهداء في ثلاجات الخضار والزهور

لم تتوقف فصول الجريمة عند قتل الشهداء بل تواصلت الجريمة بعد استشهادهم حيث اضطرت الأطقم الطبية والأهالي الذين تكبدوا الغارات المتواصلة على مخيم رفح جنوب قطاع غزة لنقل جثث شهدائهم إلى ثلاجة للزهور بعد أن امتلأت ثلاجة مشرحة رفع عن آخرها بالجثث.                                                                       

أهالي تل السلطان: لن نرحل

ورغم ذلك كله أكد أهالي منطقة تل السلطان التي حوصرت من جميع المحاور وعزلت عن باقي أحياء مدينة رفح أنهم باقون في منازلهم ولن يرحلوا مهما نفذ المحتل من مجازر بحقهم. 

وقالت الحاجة أم وجدي في اتصال هاتفي: «إن كل سكان المنزل بل كل سكان تل السلطان لم يستطيعوا النوم بسبب كثافة القصف وتخوفهم أن تقدم طائرات الاحتلال على قصف منازل المواطنين وأوضحت أنها ستبقى صامدة هي وأولادها وباقي سكان الحي في وجه هذا العدو ولن تعطيه الفرصة في ترحيلها مرة أخرى.                                       

الرابط المختصر :