العنوان سوريا والعدو اليهودي.. نسمع جعجعة ولا نرى طحنًا
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1986
مشاهدات 80
نشر في العدد 763
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 15-أبريل-1986
هل يتمكن النظام السوري من هدم أسوار العزلة العربية؟
تصعيد الحملة الإعلامية يهدف إلى احتواء المعاناة المعيشية للمواطن السوري.
لا نرى ما ينطبق على الضجة الإعلامية الكبيرة التي نسمعها منذ عدة شهور، حول احتمال قيام حرب بين سوريا والعدو الإسرائيلي سوى المثل العربي المعروف «نسمع جعجعة ولا نرى طحنًا». فوسائل الإعلام تتناول هذه الاحتمالات وتعرضها بشكل يوحي بأن المواجهة بين الجيش السوري وقوات العدو الصهيوني باتت وشيكة الوقوع، بل وذهبت إلى حد تحديد موعدها بالربيع الحالي، أو بالصيف القادم على أبعد تقدير.. وكانت التصريحات التي أطلقها رجال السياسة في كل من سوريا والكيان الصهيوني تشكل أساسًا تنطلق منه وسائل الإعلام في حديثها عن الحرب المنتظرة. فحافظ أسد أعلن في خطاب له بمناسبة ذكرى انقلاب 8 آذار أن سوريا تعمل على تحقيق التوازن العسكري مع إسرائيل، وأن سوريا لن تعيد مرتفعات الجولان فقط، بل ستجعلها في وسط سوريا وليس على حدودها.. وما ذهب إليه حافظ أسد قوبل بتهديدات مماثلة من جانب القيادات الإسرائيلية.
ووسط هذا كله يبقى هذا السؤال الذي يدور في أذهان كل العرب سواء في داخل سوريا أو خارجها.. لماذا كل هذا الضجيج؟ وهل التهديدات المتبادلة جدية إلى الحد الذي يجب أن تهيئ المنطقة نفسها إليه؟
ومن الطبيعي أنه إذا ما عرفت الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذا الضجيج الإعلامي، فإن الإجابة تصبح واضحة كل الوضوح.
الضجيج الإعلامي والدوافع السورية:
إن المتتبع لما تطرحه أجهزة الإعلام السورية يلاحظ أن القضية الأساسية التي تتناولها هذه الأجهزة تكاد تنحصر في الادعاء بأن ثمة تهديدات إمبريالية وإسرائيلية توجه للقطر السوري بسبب مواقفه القومية والوطنية تجاه القضية الفلسطينية، وأن القطر على استعداد تام للتصدي لهذه التهديدات، بل وتحرير الأراضي المحتلة في الجولان.. وغير الجولان.
وبدأت التصريحات الحماسية تنطلق من القيادات السورية على اختلاف مراكزها، فتصريح للعماد طلاس وآخر لخدام وثالث لوزير الخارجية ورابع وخامس و... حتى بات المواطن السوري يشعر أنه يعيش أجواء الاستعدادات الخاصة بالحرب المنتظر اندلاعها بين الحين والآخر.
ولكن ما يستغربه المواطن العربي في سوريا وفي خارجها هو إذا كانت قضية التحرير واجبًا وطنيًا، فكيف يتفق ذلك مع ما يشهده ويسمعه من ضجيج إعلامي لا يخدم هذا الواجب الوطني بأي حال من الأحوال. فالتصميم على القتال من أجل تحرير الأرض لا يتفق مع الصراخ الإعلامي الذي يفقد خطط التحرير «إن كانت موجودة» عنصر المفاجأة وحرية الحركة على أرض المعركة.
وما يجري اليوم يذكرنا بالأيام التي سبقت حرب يونيو ١٩٦٧، حيث كان ضجيج الإعلام الناصري يشكل أحد عوامل الاسترخاء لدى الجماهير التي كان يوحي لها ذلك الإعلام أن القيادة المصرية تملك من الإمكانات ما يؤهلها لحسم أي معركة مع إسرائيل خلال أيام.. فذهب هذا الإعلام إلى حد تصوير القوات المسلحة المصرية تصويرًا تليفزيونيًا مباشرًا، وهي تعبر قناة السويس متجهة نحو سيناء. ثم كان أن استغلت إسرائيل هذه الضجة الزائفة لتضرب ضربتها التاريخية التي ما زلنا نعاني من آثارها الخطيرة حتى اليوم.
إذًا لا بد أن هناك دوافع يحاول النظام السوري تحقيقها من خلال الضجيج التي تحدثه وسائل الإعلام المختلفة.
أ- هدم جدار العزلة:
الواضح لدى كل العرب، بل والقوى الدولية المختلفة أن النظام السوري يعيش حالة من العزلة السياسية العربية لم يشهد لها مثيلًا من قبل، وأن هذه العزلة تكاد تجعل من هذا النظام كائنًا غريبًا في الجسم العربي، ومن الواضح أيضًا أن هذا الشعور ليس وقفًا على الأنظمة العربية، فقط بل يكاد يشمل معظم الجماهير العربية على اختلاف توجهاتها السياسية.. وكان تحالف سوريا مع إيران ضد العراق أحد أهم الأسباب التي دفعت سوريا نحو العزلة العربية.. وازدياد ريبة الجماهير العربية في النظام السوري، وبخاصة أن هذه الجماهير لم تعد تقبل أي تبرير لهذا التحالف، نظرًا لما تمثله هذه الحرب من مأساة إنسانية أضحت الحرب العالمية لا تقارن بها.. وبالإضافة إلى تحالف سوريا مع إيران، فإن طبيعة التحرك السوري في لبنان أدت أيضًا إلى عزلة النظام السوري، فضربه للقوات الفلسطينية وتحريضه للحركات الموالية له، مثل حركة أمل على ضرب المخيمات الفلسطينية، وقيامه بضرب المسلمين السنة في طرابلس وسحب السلاح من المسلمين السنة في بيروت العربية وإيقاعها تحت هيمنة أمل والدروز، وموقفه الضعيف أمام المسيحيين.. كل هذا أدى إلى ارتفاع سور العزلة بين النظام السوري وبين الجماهير العربية.
ولهذا فإن إعلان النظام عن مواجهة قريبة مع إسرائيل ما هو إلا محاولة منه لدغدغة عواطف الجماهير العربية، في قضيتها المقدسة، وتصوير النظام السوري على أنه الأمل الوحيد لتلك الجماهير لتحقيق أملها في تحرير الأرض والمقدسات.
ب- تحويل الأنظار عن الأوضاع الداخلية:
مما لا شك فيه أن القضية الفلسطينية بشكل عام وما يتبعها من قضايا ناتجة عنها كانت، وما زالت الشغل الشاغل للأمة منذ أكثر من أربعين عامًا مضت، ولهذا فإنه ما من نظام عربي إلا وتناول هذه القضية بصورة ترضي حماس هذه الجماهير لقضيتها. ولهذا فإن الأنظمة الثورية التي تعاقبت على سوريا منذ الاستقلال وحتى الآن جعلت من القضية الفلسطينية قميص عثمان ترتديه كلما واجهت الجماهير، حتى أصبح شعار «لا صوت يعلو على صوت المعركة»، كالإرث الشرعي تتوارثه الأنظمة الثورية في العالم العربي، محاولة منها لقطع الطريق على أي تحرك مضاد لهذا النظام أو ذاك..
وعلى هذا فإن الضجيج الإعلامي حول مواجهة قادمة بين سوريا وإسرائيل من شأنه أن يحقق للنظام السوري تحويل أنظار الشعب السوري عن المعاناة الكبيرة الناتجة عن سوء الأوضاع المعيشية بسبب تدهور الوضع الاقتصادي إلى الحد الذي لم تشهد له سوريا مثيلًا من قبل، ومن الممكن لمس هذا التدهور من خلال الانخفاض الكبير في قيمة الليرة السورية، والذي أثار الفزع في نفوس المواطنين السوريين، لما لهذا الانخفاض من دلالة على الانهيار التام والمتوقع للنظام الاقتصادي السوري، والذي يقف حاليًا على كف عفريت.. فالارتفاع الجنوني في الأسعار يوازي حالة من التضخم لم يعد المواطن السوري يتمكن معه من ترتيب أموره المعيشية...
والمتتبع لأسعار العملات يلاحظ أن سعر الدينار الكويتي على سبيل المثال وصل إلى (٥٥) ليرة سورية، مع أن سعره لم يتجاوز (۱۳) ليرة سورية عام ١٩٧٥. وكان هذا التدهور هو السبب الرئيس في تعيين الدكتور محمد العمادي وزيرًا للاقتصاد ظنًا من الدولة أن هذا التعيين سوف يعالج الأزمة الاقتصادية.. وحتى القرارات التي أصدرها العمادي مؤخرًا حول تنظيم دخول وخروج العملة السورية والعملات الأجنبية، بعد توقيف تجار العملة والصرافين في القطاع الخاص عن مزاولة أعمالهم، بل واعتقالهم لم تؤد إلى أية نتائج إيجابية لإنعاش الوضع الاقتصادي المتدهور، حيث إن سعر الليرة السورية لم يحقق أي تحسن إن لم يسجل انخفاضًا جديدًا.
إن المعاناة المعيشية اليومية للمواطن السوري يقابلها ترف معيشي لا مثيل له بين أصحاب النفوذ في الدولة والحزب على السواء، وما قيل عن أثرياء الانفتاح المصري أيام السادات لا يقارن بأثرياء النظام الثوري في دمشق الذين تتحدث عنهم بنوك أمريكا وأوروبا.
ج- جذب الأموال النفطية:
مقابل محاولة النظام السوري تحويل أنظار السوريين عن المعاناة اليومية التي يعيشونها نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي، يقف دافع آخر لا يقل أهمية عن الدافع السابق، ألا وهو محاولة الحصول على المزيد من أموال الدعم الذي تقدمه الدول العربية النفطية لسوريا، باعتبارها دولة مواجهة مع العدو الإسرائيلي.. وخاصة أن معظم هذه الدول باتت تفكر في إعادة النظر بأموال الدعم التي تدفعها، نظرًا لكونها تذهب في غير ما دفعت من أجله.. إضافة إلى أن تدهور أسعار النفط يجعلها تفكر كثيرًا قبل إقرار ميزانية الدعم، ولهذا كله فإن عزف سوريا على أوتار المواجهة المحتملة مع العدو من شأنه أن يؤمن لها استمرار الحصول على أموال الدعم، بل وربما طلب زيادتها إذا ما دفعت إسرائيل سوريا نحو معركة مفروضة عليها.
دوافع أخرى:
ونشير هنا إلى بعض الدوافع الأخرى التي لا يتسع لها المجال لشرحها تفصيليًّا مثل مزايدة النظام السوري على الفلسطينيين من أنه عنصر المواجهة الأول، الذي يقف أمام غطرسة العدو اليهودي في الوقت الذي يسعى منه الآخرون للوصول إلى حل سلمي للقضية، وهناك أيضًا محاولته صرف الأنظار عن فشله في معالجة الأزمة اللبنانية من خلال الاتفاق الثلاثي الذي أسقطته القوات المسيحية، ووقف عاجزًا عن القيام بأي تصرف إضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية في بيروت رغم هيمنة المليشيات المتحالفة مع النظام السوري على المنطقة الغربية من بيروت.. وهناك محاولة إشغال القوات السورية واحتواء الخلافات والصراعات بين مراكز القوى داخل النظام..
وأخيرًا لا بد من القول: إن حدوث مواجهة بين سوريا والعدو اليهودي أمر يتعلق بحكومة العدو التي ربما تدفعها ظروفها الداخلية إلى استغلال الضجيج الإعلامي السوري، وتوجيه ضربة للقوات السورية تهيئ للنظام السوري الأجواء المناسبة للدخول في متاهات الحلول السلمية، وبالتالي تحقيق الدوافع السورية التي ذكرناها.