العنوان الفيديو.. ذلك المتهم!
الكاتب أحمد راؤول
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1988
مشاهدات 65
نشر في العدد 882
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 13-سبتمبر-1988
* 40 % من أطفال بريطانيا تحت سن 11 عامًا شاهدوا أفلامًا جنسية بالفيديو.
* كيف يسهم الفيديو في تكوين العلاقات الجنسية المحرمة.
* إسرائيل تستعد لإطلاق قمرها الصناعي من أجل تخريب الأجيال المقبلة.
جهاز الفيديو متهم.. حيثيات الاتهام تقول بأنه السبب وراء انحراف كثير من الشباب.. بل إن صحيفة الإدانة تتضمن اتهامات بتخريب بيوت وتشريد عائلات.. أين الحقيقة وأين المبالغة في موضوع الفيديو؟ بل أين الخلل؟
مشكلة عالمية:
المشكلة جزء من ظاهرة عالمية... ففي بريطانيا ثبت في إحصائية نشرت عام 1986 أن 40% من أطفال بريطانيا تحت سن 11 عامًا قد شاهدوا «أفلام فيديو سيئة» أي أنها حافلة بالجنس والعنف، وقد عبر الأطفال بلسان حال فطرتهم التي لم تتلوث بعد بأنهم لا يحبون هذه الأفلام ويخافون مشاهدتها لكنها تقع في أيديهم في غفلة من عيون الكبار الذين يتركونها بإهمال في أيدي صغارهم.
والمشكلة لا تنحصر في بريطانيا وحدها؛ ففي أمريكا عصابات وشركات لتصوير وتوزيع الأفلام الخلاعية تصور الإباحية في أبشع صورها. أما الدول الإسكندنافية كالنرويج والسويد والدنمارك فهي مراكز رئيسية في هذه التجارة الشيطانية.
أما في إيطاليا فالأفلام جزء مكمل لتجارة المجلات الخلاعية المصورة والمحطات التلفزيونية التجارية تعرض باستمرار وفي أوقات متفرقة من كل يوم العديد من الأفلام التي يأنف حتى الإنجليز والفرنسيون من مشاهدتها!
ولكن هل ينبغي أن يكون العالم الإسلامي والعربي جزءًا من المشكلة الغربية؟؟ وهل ينبغي أن نمر بنفس المعاناة، وهل من الضروري إذا دخلوا جحر الضب أن ندخله وراءهم وننسى ديننا وإيماننا وواجبنا الأول في الدعوة العالمية للإسلام لكي نتحول إلى جزء من مشكلة لا أخلاقية!؟
جهاز ميت وشيطان حي:
هل هي فعلا غلطة الجهاز الميت الأصم الذي لا يعمل إلا بأمر الإنسان ولا يعرض إلا ما يوضع فيه، أم أنها غلطة الإنسان الذي ينصاع للشهوات المحرمة ويصغي في لحظة ضعف إلى وسوسة الشيطان فيسلمه إلى الخطيئة والفاحشة ليرتكب الكبائر.
كل هذه التساؤلات، وأكثر تضعنا وجهًا لوجه أمام النوازع البشرية على الجانب الآخر: جانب الشر، لتعري بصورة بشعة الاستخدام السيئ لتكنولوجيا العصر في قتل القيم الإنسانية العليا في هذا المخلوق الطيني المسمى بشرًا، وتغذي نار غريزته بسعار العنف والجنس المحمومين لتحيله في لحظات عمى البصيرة وانعدام الإيمان إلى مجرد بهيمة لا تفرق بين حلال وحرام.
أين هو العقل البشري بعدما أبدع هذا الجهاز الراقي «الفيديو» ليحشوه بالسم الناقع الذي يقتل ذاته وقلب صاحبه؟
إن الحضارة الغربية التي أبدعت هذا الجهاز لم تستطع أن تكبح معه الاستخدام الشرير له، تمامًا كما فعلت مع القنبلة الذرية والهيدروجينية والنيوترونية التي سرعان ما سخرتها لتدمير الإنسان بدلًا من إحيائه وإعمار الأرض.
إن جهاز الفيديو بذاته كأي نتاج تقني مادي عصري جهاز لا حول له ولا قوة، واليد البشرية هي التي تتحكم فيه وفيما تعرضه عليه، والمنهج العقائدي هو الذي يعطي اليد أمر الحركة من خلال قلب المرء وعقله. فإذا كان المنهج صحيحًا كان الاستخدام صحيحًا والحركة لخير الإنسان، وإن كان المنهج باطلًا كان الاستخدام ضد الإنسان نفسه ولتدمير ذاته ووجوده.
تجار الأخلاق الفاسدة:
المشكلة الأكبر تتمثل في فئات تضع الدينار فوق الدين وفوق كل اعتبار، فتستغل الشهوات المرضية لدى ضعاف النفوس والإيمان في زيادة أرصدتها المادية في الدنيا لبيع وتأجير الأفلام الخلاعية في محلات تجارة أشرطة الفيديو فهم السبب الأول في رواج هذه المفاسد... السبب الثاني يكمن في العائدين من رحلات السياحة الخارجية وما يحملونه معهم من مستوردات كالخمور والأفلام والمجلات والأمراض الجنسية كالإيدز مثلًا..
إنهم لا يأتون بنتاج التقنية الغربية وآخر المخترعات، أو المنهاج العلمي في تطوير العلم واستغلال العقل لتقدم الفكر العلمي ومناهج البحث التجريبية وما وراء التجريبية، بل إنهم يعودون بالسقوط الأخلاقي والانهيار الروحي، وبدلًا من أن يسافر المسلمون والعرب كدعاة للحل العالمي للمشكلة الإنسانية متمثلًا في الإسلام ويغزون به عقر دار الغرب نجدهم يقفون أذلاء على أبواب الشهوة الشاذة في جحور الليل وأوكار الرذيلة الغربية ليقضوا دقائق المتعة الرخيصة في غفلة من عيون الفضيلة التي تركوها على حدود بلادهم.
أين الحل؟
قد يكون أحد الحلول المقترحة هو زيادة رقابة الدول على ما يرد إلينا من أشرطة مع القادمين، وفرض المزيد من الرقابة على محلات أشرطة الفيديو مع المداهمة الفجائية لهذه المحلات في مواعيد غير منتظمة لضبط بضاعتها عشوائيًّا، مع ترخيص كل فيلم يدخل البلاد... وهذا مرهون بوزارات الإعلام في كل بلد.
فالسياسات الإعلامية بحاجة إلى إصلاح في كثير من البلاد العربية والإسلامية نظرًا لسيطرة فئات غير مسؤولة على توجهاتها الفكرية والأخلاقية. وكذلك توجهات المؤسسات السياحية وغيرها التي تشجع الجنسين على التحلل من نوازع الأخلاق واستسهال المعاصي تمهيدًا للوقوع في الكبائر!
قد يكون هناك حل آخر في تشجيع الزواج للحد من انتشار الشهوات الشاذة عند الشباب وتقييد الاتجاهات الغريزية غير الطبيعية تقييدًا أخلاقيًّا، لاستنفاذها في موضعها الطبيعي والفطري الذي أحله الله عز وجل بالزواج. وهذا مرهون بما تفرضه الدولة من مساعدات وقوانين وتوجهات اجتماعية لتشجيع هذا الأمر.
فسياسات الدول الاجتماعية في كثير من البلدان تسير في اتجاه مضاد لهذا الأمر مما ينذر بوقوع عواقب أخلاقية خطيرة تودي بنا إلى مثل مصير الغرب البائس.
أخطار مستقبلية:
وهناك أخطار مستقبلية تكمن في تطور وسائل الاتصالات والإعلام كالأقمار الصناعية فقريبا يصبح بإمكان كل من يملك قرصًا لالتقاط بث الأقمار الصناعية أن يشاهد في منزله في الكويت أو السعودية أو مصر البرامج التلفزيونية في أكثر من 30 بلدًا في العالم عبر الأقمار الصناعية التي تغطي السماء الأرضية، بل إن إسرائيل تستعد لإطلاق قمرها الصناعي قريبًا لئلا تفوتها فرصة تخريب الأجيال المقبلة من شباب المسلمين في عقر دراهم وذلك من خلال البرامج الإعلامية التخريبية الموجهة إلى البلاد العربية... في الوقت الذي يغطي فيه «عربسات» أخبار السهرات الفنية المشتركة بين دول العرب! وهذا التخريب المتعمد لعله يكون أخطر من الفيديو.
لكن الحل الأمثل يكمن في تقويه الوازع الديني أولًا، والتنشئة الدينية القوية في مجتمعاتنا الإسلامية، ويدخل ضمن هذا ترشيد السياسات الإعلامية وأسلمتها مع عقلنتها، والاستفادة من تقنية الغرب في إعادة البناء العلمي والحضاري لبلاد المسلمين من خلال إعادة صياغة الأجيال الإسلامية صياغة منهجية وفكرية إسلامية.... وهذا يشمل مناهج التعليم كما يشمل الإعلام، فهما واجهة الدول مع الشعب.
كما يكمن في تشديد العقوبة الرادعة على كل من يتعدى ويتطاول على شباب وأخلاق وأعراض المسلمين بالإساءة والدس المتعمد لتحطيم الجيل المسلم، كالسجن والنفي والتعزير الشديد.
ويبدو أن الحكومات الإسلامية والعربية هي الأقدر على معالجة هذه المسألة لأنها هي التي تملك السلطات التشريعية والتنفيذية سويًا، بالإضافة إلى سيطرتها على الدستور والإعلام والتربية، فإما أن تقف ضد تيار الإفساد، وإلا فإنها بالضرورة معه! اللهم وفقنا وإياهم إلى الخير واهدنا جميعًا سبيل الرشاد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل