العنوان أزمة الحضارات في القرن العشرين (٣من٣) مقاصد الإسلام والعقلية الانتهازية في الغرب
الكاتب روبرت كرين
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 102
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 18-يوليو-1995
- تشهد أمريكا وحدها ما يقرب من مليوني حالة إجهاض سنويًّا.. في نفس الوقت يحتل حق الحياة المقصد الأول من مقاصد الشريعة الإسلامية.
- إن أفضل استراتيجية لتحويل المواجهة بين العالم الإسلامي وأمريكا إلى تعاون تتمثل في انتهاج سياسة التفاعل بين الحضارتين سلميًّا.
- قبل مجيء عبد الناصر للسلطة أقام الإخوان المسلمون مشروعات أثبتوا من خلالها أنهم رواد الاقتصاد الإسلامي في العصر الحديث.
يقول المثل: «مصائب قوم عند قوم فوائد» إن أهم السياسات التي طبقت في فترة ما بعد الحرب الباردة والمبنية على أطروحات المواجهة ما بين الحضارات قد سببت لكثير من الناس بعض الصدمة وربما سوف تكشف مأساة الشعب البوسني ومضامين نظرية المواجهة بين الحضارات زيف مزاعم العلمانيين بأن الدين وراء نشوب النزاع في البوسنة.
وبما أن عمليات الإبادة المرتكبة في البوسنة ناجمة عن علمانية الزعماء السياسيين في صربيا والغرب، كما كان الأمر في ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي، فإن هناك شريحة كبيرة من المفكرين اليهود بدأوا في التشكك في المذهب الصهيوني المؤمن بأن العلمانية هي مفتاح الأمن بالنسبة للشعب اليهودي، وكذلك بالنسبة لكافة الشعوب الأخرى، وفي الكتاب الذي شارك في تأليفه كل من ديفيد دالين وإيروينغ كريستول، والذي يحمل عنوان: «اليهود الأمريكيون والعقيدة الانفصالية الجدل الجديد حول دور الدين في الحياة العامة»، حيث شكك بعض اليهود المحافظين في الرأي القائل بأنه لا مناص من فصل الدين عن الحياة العامة ثم بدأوا في الدعوة إلى المساواة عند تطبيق القوانين والسياسات الحكومية التي تشجع حرية الدين كما أن مذهب الإنذار بصراع الحضارات قد الحق الصدمة بالنخبة التي تشكل الرأي العام الأمريكي.
وعلى الرغم من أن الاتفاق الموقع مؤخرًا بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل هو حصيلة عدة عوامل، فإن الدافع الكامن الذي أدى فعلًا إلى تحقيقه يتمثل في الشعور المتزايد لدى كافة شعوب العالم بضرورة تغيير إطار اتخاذ القرارات من عقلية الإنذار المقيدة إلى الانفتاح نحو انتهاز الفرص، وتكمن الفرصة الكبرى في البحث عن فكرة صراع الحضارات المبنية على عقلية التهديد، ثم البحث عما إذا كان الدين هو المصدر المناسب والوحيد للعدالة، أي العدالة التي تؤدي إلى السلام.
البحث عن العدالة
على الرغم من أن كبرى الديانات في أنحاء العالم أجمعت على ثبوت الحقائق الروحية الجوهرية إذا سلمنا بوجود جماعات منشقة في كل طائفة، كما أجمعت هذه الديانات على الحقائق الأخلاقية التي تحدد هويتها، فإن لكل ديانة نمطًا خاصًا في التفكير ولا يمكن فهمه إلا في إطاره المرجعي. فبالنسبة للإسلام يتمثل هذا الإطار المرجعي في الشريعة الإسلامية كما هو الحال بالنسبة للديانة اليهودية التي يتمثل إطارها المرجعي في التوراة والتلمود.
وقد ذهب بعض العلماء أو الفقهاء إلى حصر الشريعة الإسلامية في إطار ضيق من مجموعة قوانين ليست لها أية صلة بكل ما هو روحي أو اجتماعي، أو سياسي، بينما يذهب البعض الآخر إلى اتجاه معاكس تمامًا، حيث يفسرون الشريعة كما وردت في القرآن الكريم الشرع، أو طريقة الحياة التي تعلمناها من الرسل عليهم السلام بدءًا من أبينا آدم ومرورًا بسيدنا موسى وعيسى إلى سيدنا محمد- عليهم صلوات الله وسلامه- وأثرتها العقول النيرة عبر التاريخ إلى أن أصبحت نمطًا فكريًّا ولها أهداف متسلسلة ومتدرجة، وعلى الرغم من أن الإمام الشافعي- رضي الله عنه- جاء بعد مرور قرن ونصف على وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فإنه أول من تعمق في علوم القرآن، وكما كتب الدكتور طه جابر العلواني في كتابه «يسر الفقه الإسلامي» فإن الرسول- عليه الصلاة والسلام- قد أمر بعض أصحابه-رضوان الله عليهم-بفتح باب الاجتهاد، وكان سيدنا علي- كرم الله وجهه- فقيها في علوم الشريعة وتطبيقاتها، كما أكد الدكتور طه «فإنه كان مهتمًّا جدًّا بربط المسائل الخاصة بالمبادئ العامة، كما كان يبني أراءه على أهداف الشريعة الواسعة»، وكذلك سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- «فقد كان يتمتع ببديهة سريعة في الربط بين الخاص والعام، كما كان يجيد متابعة تفرعات أية مسألة إلى أن يرجع إلى مبادئها الأصلية للوقوف على تطبيقاتها الشاملة .. حيث كان يرى أن من واجب العلماء اكتشاف أحكام الأمور التي لم يرد بشأنها نص صريح».
وتختلف قوانين الإسلام عن القوانين الوضعية في الثقافات الهندية الأوروبية من حيث فعاليتها في فرض النظام والاستمرارية والاستقرار.
إن أسمى أهداف الشريعة الإسلامية يتمثل في ستة أمور، ولو أن بعض العلماء من أمثال أبي حامد الغزالي قد حصروها في خمسة فقط وإن أيًّا من هذه الكليات أو الضروريات أو المقاصدة في الشريعة الإسلامية تحدد وتتفاعل مع وعي المجتمعات.
وقد تكون للإسلام مواقف صالحة ومتعددة إزاء كل قضية من القضايا الكبرى، ولكن لن يكون هناك إلا نهج إسلامي واحد للتوصل إلى معرفة المسببات الروحية والأخلاقية بدلًا من الاكتفاء بالمظاهر الخارجية لحالات الفوضى الناجمة من ويلات الظلم والشر.
والمعرفة طبيعة الشريعة الإسلامية في أي قطر من أقطار العالم، فإنه يكفي التصور عن كيفية تطبيق كل عنصر من هذه الكليات الست في أمريكا، وبما أن مشاكل المجتمعات البشرية متشابهة في كل أنحاء العالم فإن جوهر الشريعة الإسلامية لن يختلف باختلاف البلدان، ولو أن وسائل تطبيقها قد تعتمد على مدى شعور الناس بأنهم ملزمون بتطبيق هذا القانون الإلهي، ليس هناك من يشعر بإلزامية الشريعة الإسلامية إلا إذا اقتنع بطبيعتها الإلزامية، ونظراً لكون الشريعة نظاما موجها للبشرية فإن ما يمكن تطبيقه في أمريكا يمكن تطبيقه أيضًا- ولو تطلب الأمر إجراء تعديلات طفيفة- في كل من النيجر ومصر وطاجيكستان وسينكيانغ وإندونيسيا.
فالعناصر الثلاثة الأولى من المقاصد السنة السالفة الذكر تعالج الأمور الضرورية للبقاء على قيد الحياة، وهي:
1- حق الحياة
إن أول هذه العناصر هو حق الحياة وهو مسئولية احترام الحياة أو حمايتها، ويواجه هذا العنصر قضية الإجهاض عند الطلب حيث تشهد أمريكا وحدها ۱,۹۰۰,۰۰۰ حالة إجهاض سنويًّا، والانتحار بسبب الاكتئاب يصل إلى ۳۰,۰۰۰ حالة انتحار سنويًّا، ثم إن مسئولية احترام الحياة تنضوي أيضًا على قضايا مثل نوعية حياة كبار السن والمعوقين وتوفير الرعاية الصحية الراقية لكافة الشعوب.
ويشمل مفهوم حق الحياة، كذلك قضايا أخرى مثل الأمن القومي والسياسة الخارجية بما في ذلك مشكلة اللاجئين في العالم الذين يشكل المسلمون غالبيتهم، إن كل هذه القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية تمتد جذورها إلى المبادئ الأساسية التي تؤكد بأن السلام لا يتحقق عن طريق فرض القوة العسكرية من أجل الحفاظ على الاستقرار، وإنما يتحقق على طريق التمسك بأسس العدالة، وإن مفهوم حق الحياة يعطي بعدًا آخر للبرنامج العالمي للبيئة، حيث أكد القرآن والسنة بشدة على ما ورد في ذلك البرنامج من ناحية الحفاظ على البيئة، غير أن البيئة العالمية قد غدت مهددة من جراء تجاهل الإنسان لمسئولياته أمام الخالق ومخلوقاته.
٢- حق الجماعة
وتتمثل المسئولية الثانية في حق النسل وهو وجوب احترام الروابط الأسرية والجماعية وأن هذه النقطة تجرنا إلى تسليط الضوء على مشكلة الطلاق، حيث ارتفعت معدلات الطلاق إلى أضعاف مضاعفة خلال العقد الماضي، كما يجرنا إلى التركيز على مشكلة رعاية الأطفال حيث إن عدد الأيتام في تزايد مطرد داخل المدن كما أن علينا أيضا بذل الجهود من أجل تحسين برامج التوعية عن الحياة الأسرية، وذلك إلى جانب اهتمامنا بمشاكل أخرى بدأنا نعاني منه مثل اللواط والسحاق ومرض الإيدز، وهذا الأخير ما هو إلا نتيجة مباشرة لعدم فهم معنى الحياة وأهدافها، وقد تكون تلك المشاكل ناجمة أيضًا عن تأثير جماعات المصالح المشتركة وجماعات الضغط المناوئة للتقاليد الأسرية.
٣. حق الملكية
وتتمثل الضرورة الثالثة من هذه الكليات فيما يعرف في الشريعة الإسلامية بحق المال وجوب حماية وتشجيع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج كحق أساسي من حقوق الإنسان، ذلك أن من لا يملك وسائل الإنتاج التي يستخدمها عند العمل سيظل عبدًا لمالكي تلك الوسائل.
إن حماية هذا الحق مسئولية إنسانية مبنية على قيم ومبادئ مفهوم «الإنفاق»، حيث إن واجب الإنفاق يقضي حتمًا إلى زيادة الخيرات المادية التي سخرها الله لنا، وقد ذكر- سبحانه وتعالى- في القرآن الكريم أن الموارد الطبيعية التي سخرها لنا لا تنضب لأنه جل وعلا سيظل يمدنا بما نحتاجه من تلك الموارد إلى جانب ذكاء تنميتها، ومن ثم فإن علينا مكافحة الفقر ليس عن طريق التوزيع المباشر للثروات المتوفرة حاليًّا، ولكن عن طريق التوزيع غير المباشر بواسطة مساعدة كل فرد وكل جماعة في بناء رفاهيته عن طريق إنشاء المشاريع.
إن تحقيق الثروة بهذه الطريقة ألا وهي تقديم الحوافز لكل فرد لهو مطلب أساسي، فإذا كان حق المال هو حماية ما يمتلكه الإنسان كوسيلة لكسب المعيشة يعتبر حقًّا من حقوق الإنسان المعروفة عالميًّا، فإن هذه الملكية يجب أن تكون أيضًا عالمية، وهذا يعني أن المؤسسات المالية ونشاطات المجتمع يجب أن تنصب على توسيع نطاق الثروة، وليس حصرها في يد ثلة من الناس.
ويمكن تحقيق الثروة للجميع عندما تتوفر الفرص للجميع، وفي سياق الاقتصاد الإسلامي فإن الشريعة الإسلامية لم تركز على تحريم الفوائد في النظام المصرفي بقدر ما ركزت على تحريم حصر الثروة في أيدي القلة، حيث يعتقد معظم العلماء أن الشريعة الإسلامية قد ركزت على تحريم فوائد البنوك أكثر من تركيزها على ضرورة عدم احتكار القلة أحوال المجتمع.
وهناك نموذج للنظام المصرفي الإسلامي عملت به جماعة «الإخوان المسلمون» في مصر قبيل مجيء الرئيس جمال عبد الناصر وكان عبارة عن برنامج تمليك الموظفين والعمال، وقد شجب الإسلاميون في السابق مبادئ الماركسية القائلة بأن الثروة مبنية على العمل، وبالتالي فإن ملكية أدوات الإنتاج تعود للدولة، بينما وافقت جماعة الإخوان المسلمون على ما ذهب إليه الرأسماليون في أن ثروة المجتمع هي من نتاج أدوات الإنتاج، وأن العدالة تتمثل في توسيع نطاق ملكية الرأسمالية، ولذلك قرر الرأسماليون إحداث ثورة في الائتمان في أمريكا بحيث يستطيع الموظف الحصول على أسهم في الشركة التي يعمل فيها لزيادة موارده.
إن هؤلاء الرواد في مجال الاقتصاد الإسلامي الإخوان المسلمون في العصر الحديث قد أوجدوا ۷۰ شركة مملوكة من قبل موظفيها، أثبتت نجاحها لدرجة أن الرئيس جمال عبد الناصر قد أقدم على تأميمها فور توليه السلطة، ثم قام بإعدام بعض مسئوليها ونفى البعض الآخر منهم، وقد أثارت الحكومة الأمريكية في السنوات الأخيرة مسألة تحويل الشركات الحكومية إلى القطاع الخاص الخصخصة، ولكنها أبدت معارضتها للجهود التي يبذلها المسلمون من أجل تطبيق أسس النظام الاقتصادي الإسلامي القائم على تحويل شركة النظام الاشتراكي إلى القطاع الخاص عن طريق إنشاء مؤسسات تعنى بتوسيع نطاق ملكية الأسهم.
٤. حق تقرير المصير
ثم تأتي النقطة الرابعة من الركائز الأساسية في الشريعة الإسلامية ألا وهي حق الحرية أي حق التمتع بالحرية السياسية المسئولة وما يقابلها من واجبات على عاتق كافة الأفراد والجماعات التي تربطها مصالح مشتركة في العمل على تحديد توجهات وأولويات النظام الحكومي الذي اختاروا العيش فيه، وهذا هو مفهوم حق تقرير المصير في السياق الإسلامي ومع الأسف الشديد، فلم يتم تطبيق هذا المفهوم كما يجب، ولم يستوعبه أيضًا معظم المسلمين في مختلف أنحاء العالم بمن فيهم الجاليات الإسلامية المهاجرة إلى أمريكا هربًا من بطش حكامهم في أوطانهم الأصلية.
وقد دخل السجن أكبر العلماء والفقهاء في العالم الإسلامي طوال القرون الماضية وفي معظم الحالات قبعوا في غياهب السجن لمدة عقود بسبب تسليطهم الضوء على ثلاثة مرتكزات أساسية في الفكر السياسي الإسلامي:
أ – الخلافة: وهي مسئولية الحاكم والمحكوم أمام الله.
ب – الشورى: وهي مدى تجاوب الحاكم مع المحكوم وضرورة قيام الدولة- بما فيها الطبقة الحاكمة والمحكومين- بإقامة بنية سياسية قوية يمكن أن يقوم عليها نظام الشورى.
جـ-الإجماع: والذي يتطلب من كافة أفراد المجتمع وخاصة قادته الفكريين إيجاد إجماع سياسي قابل لتعزيز العنصرين الأولين للحكم العادل ألا وهما الشورى والخلافة.
وهذا يؤكد أن من الضرورة القصوى أن يبدأ كل مسلم في أمريكا في ممارسة العمل السياسي لما للمشاركة في الحكم والقضاء من أهمية في حياة المسلمين في أمريكا، وعلاوة على العناصر السياسية الثلاثة للمجتمع الحر، كما رسمها الرسول- عليه الصلاة والسلام- فإن هناك عنصرًا رابعًا لم يتم التطرق له بالجدية اللازمة وغالبًا ما تم تجاهله أو حتى إهماله، وهذا العنصر يتمثل في «الشريعة الإسلامية» في حد ذاتها واستقلالية القضاء لحماية الأفراد وتطبيقها من أجل تعزيز نزاهة السلطتين التنفيذية والتشريعية.
إن هذا العنصر الأخير للهدف أو المقصد الرابع في الشريعة الإسلامية هو الذي يميز الثورة الأمريكية عن الثورة الفرنسية، ذلك أن من شاركوا في الثورة الأمريكية قد أجمعوا على أن الحقوق والواجبات الأساسية لا تأتي من شخص تم رفعه إلى درجة الألوهية، وإنما نستمدها من خالقنا جل وعلا، والذي يعين كل فرد منا، كما أنه المصدر الوحيد، وكذلك الهدف الوحيد لحريتنا ومساواتنا وتأخينا، وهو أيضًا المشرع الحقيقي الوحيد، وميز الأجداد المؤسسون للولايات المتحدة ما بين أفكارهم السياسية التقليدية والأفكار العلمانية للثورة الفرنسية والتي لم تعترف بالديمقراطية أو الحكم عن طريق الشعب وأوجدت نظام حكم أطلقت عليه بالجمهورية.
٥- الكرامة
إن خامس تلك الضروريات في الشريعة الإسلامية هو حق الكرامة، وهو واجب صيانة كرامة الفرد والمجتمع، ففي سياق الفكر الإسلامي فإن حرية العقيدة وحرية الفكر والرأي لا تأتي من مبدأ الحرية في حد ذاتها ولكنها تأتي من كرامة الإنسان التي لها صلة بروحه وقوة استجابة تلك الروح لحب الله، وفي الواقع لا يمكن استبعاد حريتي البحث عن الحقيقة وعبادة الله ولو داخل معسكرات الاعتقال، وإن الواجب الاجتماعي والسياسي لحق الكرامة يكمن في تسهيل الحد الأقصى من حرية ممارسة هاتين الفريضتين وهما البحث عن الحقيقة، وعبادة الخالق سبحانه وتعالى، وعلى الرغم من الظلم المفرط النظام العبودية والذي استنكره فقهاء الإسلام ومؤسسو الولايات المتحدة والذين وصفوه بأنه جريمة بشعة فقد قبله الكثيرون في الواقع بل ومارسوه أيضًا.
إن هذا الواجب المتمثل في احترام كرامة الإنسان هو الحجر الأساسي لمبادئ الفكر الاجتماعي الأمريكي كما كان الأمر بالنسبة لعدد كبير من فقهاء الشريعة الإسلامية.
إن تطبيق مفهوم «حق الكرامة» في أمريكا سيختلف عن تطبيقها في دول أخرى بدرجات بسيطة، ففي أمريكا فإن هذا التطبيق يعني في المقام الأول أن علينا التعامل مع مختلف المسائل بكل مسئولية مثل مشاكل البطالة والمخدرات والمشردين والسكن والسجون وتكرار ارتكاب المجرمين نفس الجرائم إلى جانب التعامل بالمسئولية أيضًا مع مسببات تلك المشاكل بما فيها التمييز العنصري وفشل بعض وسائل علاج تلك المشاكل.
ثم إن هناك ما هو أهم من ذلك، وهو أن علينا معالجة أكبر مصدر المشاكل الشعب الأمريكي، ويتمثل في الهجمات التي يشنها العلمانيون ضد كافة الديانات تحت ذريعة الفصل بين الكنيسة والدين، ويتم استخدام هذه المسألة من قبل المنافقين المعادين لكل ما هو مقدس داخل مجتمعاتنا ليس بحجة حماية الدين من سيطرة الدولة، وهو ما كان ينويه الأجداد عند وضع الدستور الأمريكي، ولكن لحماية الدولة العلمانية بما فيها التعليم ضد أي تأثيرات معنوية.
الخلاصة
في مقابلة أجرتها جريدة الواشنطن بوست مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في ١٥ أكتوبر ۱۹۹۳م، أعرب الرئيس الأمريكي عن ندمه إزاء إخفاقه في دفع الشعب الأمريكي إلى المشاركة في ما أسماه به الحوار الوطني الكبير لتحديد دور أمريكا في العالم إبان الحرب الباردة، حيث دعا الأمريكيين في نفس المقابلة إلى الإجماع على الدور الذي ستضطلع به أمريكا في العالم، وكذلك تحديد ماهية ذلك الدور .. وكان يقصد بذلك هويتنا كشعب. إن هذا الموضوع ينطوي على أهمية قصوى، ذلك أنه ليس بوسع أي شعب أو حضارة ما أن تصمد في غياب إجماع حول مثل تلك المواضيع الهامة.
إن علينا أن نفتح هذا الحوار ونمضي فيه قدمًا إلى نهايته عن طريق الاعتراف بأن الأبطال الحقيقيين في مسرحية العالم لا يتمثلون في الحضارات أو الدول بل في الأفراد، ولذلك فإن وجود حكومات تمثل الأغلبية قد أيدته الشريعة الإسلامية، وكذلك الدستور الأمريكي، وأن الهدف النهائي لكل فرد منا وكل تجمع بشري على كافة المستويات يكمن في أن نكون ما أراده الله أن نكون.
إن كافة أشكال الحياة على وجه الأرض تكون على شكل تجمعات، ولا نستطيع أن نصل إلى الأهداف التي تنشدها إلا في ظل تجمعات ممثلة في المجتمعات، وإن هدف أي مجتمع لا يتمثل في التقوقع على نفسه، وعلى فهمه للواقع لأن ذلك يولد عقلية التهديدات، فقد قامت المجتمعات كما ورد في القرآن الكريم لكي تتعارف وتتفاعل فيما بينها ومع مجتمعات أخرى من أجل الوصول إلى الأهداف المشتركة، وإن السعي وراء تلك الأهداف يتطلب ويولد أيضًا عقلية الفرص.
إن أعلى مستوى للمجتمع يعرف بأنه يمثل حضارة، وتعريف «الحضارة» كتعريف «الشعب»، وهي عبارة عن مجموعة أفراد لهم إحساس بتاريخ مشترك وقيم مشتركة، وأمال مستقبلية مشتركة غير أن الحضارة تختلف عن الشعب من حيث إنها كثيرًا ما تتجاوز شعبًا واحدًا لتشكل تجمعًا أكبر للشعوب بحيث يستطيع كل شعب اكتشاف هويته.
إن الحضارات هي بالضرورة مبنية كلية على أساس الدين لكون الدين قالبًا يجمع جملة من المعتقدات والرموز التي تعبر عن الواقع الملموس والهدف المنشود لكل فرد وجماعة في كل حضارة.
إن الحضارات شأنها شأن أي مجتمع حيث إن بإمكانها أن تكون مصدرًا للصراعات ومنبعًا للتعاون، وخاصة في العصر الحديث حيث تضطلع المجتمعات والحضارات العالمية بدور الأبطال الرئيسيين في الساحة الدولية ولذلك فإن على الحكومات أن تشجع التفاهم فيما بينها، وكذلك مع الحضارات الأخرى من أجل مشاركة القيم المشتركة والسعي وراء مصالحها المشتركة الناتجة عن ذلك التفاهم وذلك في ظل العدالة والسلام، ومن الممكن أن تكون الحضارات مصدرًا رئيسيًّا للتعاون بين شعوب العالم أو تكون مصدرًا رئيسيًّا أيضًا للصراعات معتمدًا على ما يراه السياسيون كفرص أو تهديدات ولا يمكن القضاء على الصراعات أو العنف إلا إذا توصلنا إلى دفع زعماء ديانات العالم إلى المساعدة في تحويل التهديد إلى فرص في سياق السياسة الخارجية الدولية، ولذلك بحثنا عن الفرص ونرغب في المجازفة من أجل السعي وراء تحقيق السلام عن طريق العدالة، وهذا ما يسمى بالارتباط السلمي.
إن السياسة الخارجية التي تقوم في المرتبة الأولى على الفرص فإنها بالضرورة لابد أن تجازف لقبول نظرة الآخرين لأنفسهم دون الاعتقاد بأن لهؤلاء برنامجًا غير مكشوف إن عقلية التهديدات المبنية على سوء الظن والاعتقاد بوجود مؤامرة سرية، تمثل كل التنبؤات المصطنعة.
إذا صرح الساسة الأمريكيون بأن السياسة الأمريكية ليست موجهة ضد أية ديانة، فإن عليهم ألا يعملوا وفق النظرية التأمرية القائلة بأن الزعماء المسلمين يريدون العمل على مبدأ «بطاقة اقتراع لكل فرد» ولكن مرة واحدة، حيث تفيد هذه النظرية بأن الزعماء المسلمين يريدون استغلال الديمقراطية من أجل الوصول إلى السلطة، ومن ثم إلغاؤها واستبدالها بالديكتاتورية والاستبداد، وإذ كان الساسة الأمريكيون جادين فإن عليهم دعم زعماء المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
إن أفضل استراتيجية لتحويل المواجهة بين العالم الإسلامي وأمريكا إلى تعاون تتمثل في البدء بانتهاج سياسة التفاعل بين الحضارتين عن طريق «الارتباط السلمي»، وذلك بقبول الإسلام كأقوى حليف للولايات المتحدة حول مسألة التحول الديمقراطي، في كافة أنحاء العالم.
إن تركيز أمريكا على التهديدات على حساب الفرص ينطوي على مخاطر جمة، لأن ذلك يولد حتمًا ما نحاول الحيلولة دون وجوده ألا وهو وجود شعوب متطرفة وحكومات غير شرعية ذات عقلية إرهابية مؤدية إلى نشوب حرب نووية.
وهناك تشابه في مصالح كل من العالم الإسلامي وأمريكا، ولكن الطرفين يتبعان سياسات متنافرة تسببت في خسارة الطرفين في كل أمر يشتركان فيه، حيث ينبغي أن يكون مكسب أي طرف خسارة للطرف الآخر، إن أكبر خطرين يهددان السلام في العالم يتمثلان في سعي أمريكا إلى إقامة نظام عالمي جديد يقوم على أساس إبقاء الوضع القائم في العالم من جانب، ومن جانب آخر إصرار المسلمين على اتخاذ استراتيجية قلب النظام القائم حاليًّا في العالم، وذلك من أجل إرساء العدالة.
إن كلا الطرفين يبرر الاستراتيجية التي يتبعها عن طريق وصف الآخر بالشيطان ومحاولة تحقيق تنبؤاته المصطنعة.
إن الحل الوحيد بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية يكمن في الاعتراف بأنه لا مناص من أن يشهد العالم بالتغيير، كما أن على المسلمين أن يعترفوا أيضًا بأن الطريق الوحيد لتحقيق العدالة يكمن في التعاون مع أمريكا في سبيل إيجاد حل للمشاكل المشتركة بين الطرفين إن مبادئ الشريعة الإسلامية مشابهة لنفس المبادئ التي دعا إليها الأجداد الذين أسسوا أمريكا، ولكن كلا من المسلمين والأمريكان فقدوا تراثهم المشترك، وإن أفضل استراتيجية لتحقيق العدالة والأمن والسلام يتمثل في إحياء التراث المشترك بين الأمريكيين والمسلمين من أجل الشروع في عملية التجديد الحضاري في أمريكا، وفي كل أنحاء العالم.
- ترجمة: عمر ديوب – حق النشر بالعربية لـ «المجتمع».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل