العنوان المجتمع التربوي: عدد 1481
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 54
السبت 22-ديسمبر-2001
رمضان.. محطة للتزود الخيري
هل تستمر طوال العالم؟
المسلمون أمام معادلة الإنتاج والإستهلاك الإيماني بعد رمضان
نحن مدعوون إلى تفعيل وسائل اليقظة الإيمانية في جميع أيامنا وأحوالنا
بقلم: د. فتحي يكن
ها هو الشهر الكريم المبارك، قد رحل.. والسعيد فيه من غنم الخير، والشقي من حرم الأجر، خاصة أننا في زمن يستهلك الإيمان إستهلاكًا بلا حدود، القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، مما يفرض على المسلم الأخذ بكل أسباب الإنتاج الإيماني ليعوض ما يفقده، ولا يصيبه الخسران المبين.
يشهد هذا العصر إستهلاكًا إيمانيًا مريعًا من شأنه أن يدفع بالكثير من المسلمين إلى هاوية الإفلاس الإيماني ﴿۞ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: 59) خیر القرون.
كل ما حولنا يصرفنا عن الله ويغرينا بالدنيا وشهواتها، ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ (آل عمران: ١٤) حفت الجنة بالمكاره.
قوارض الإيمان
هنا أكتفي بعرض أنموذج بسيط حول عملية الإستهلاك الإيماني في زحمة من المواقع الإستهلاكية التي لا تبقي ولا تذر أمامي نشرة أسبوعية مجانية تقع في نحو أربعين صفحة كل صفحة فيها تمتلئ بعشرات الدعوات والدعايات التي تستهلك الإيمان والأخلاق والوقت والمال ولا تترك للإنسان فرصة للتنفس الإيماني السليم.
تعد فهذه دعوة إلى تنحيف الأجساد واستيراد الخادمات والحاضنات تتناسب مع جميع الأذواق والميزانيات وعرض لمقاعد بكبسة زر يساعدك على النهوض، وعرض لمعالجة الصلع، أو إزالة الشعر نهائيًا عن الأجساد وإلى الأبد وعروض لا تُعد في عالم التجميل وعروض لعلاجات متنوعة للقضاء على الضعف والفشل الجنسي والتجربة أكبر برهان، وعروض لرفع الصدر وتنحيف الخصر والوشم وتغيير خلق الله، ناهيك عن عروض بيع السيارات والمفروشات والأدوات الكهربائية والكمبيوترات والفيلات والشقق والشاليهات، يرافق ذلك كله عروض سخية بالبيع المقسط يمكن أن يستهلك عمر الإنسان، يضاف إليها تنافس في عروض المطاعم وحفلات الطرب والرقص وما يمنع الحياء ذكره.
هذه مفردة صغيرة ومحدودة من وسائل إستهلاك الإيمان.. يضاف إليها عالم الإنترنت والفضائيات وكل ما تمخض عنه العقل البشري، ووضع في خدمة الشيطان.. فماذا يتبقى بعد ذلك؟ هل يتبقى وقت؟ هل يتبقى جهد؟ هل يتبقى عقل؟ هل يتبقى مال؟ هل يتبقى دين؟ هل تتبقى أخلاق؟
النتيجة ضياع العمر، وسوء المصير
كيف نواجه هذا الكم من قوارض الإيمان؟
- لا بد من مشاريع إنتاجية للإيمان تغالب الإستهلاك وتغلبه.
- إن ذلك يحتاج إلى قوة إرادة وعزيمة وصبر ومجاهدة نفس ومغالبة هوى لا تفتر ولا تتوقف.
- إنه يحتاج إلى إنماء إيماني يماثل حجم الإستهلاك الإيماني على الأقل.
وشهر رمضان كان محطة التزود والإنتاج الكبرى، فهل أهتبلنا الفرصة وجعلنا منها زادًا مستمرًا طوال العام؟
لقد أختص الله شهر رمضان بكل ما تحتاجه رحلة المسلم من محطات التزود الخيري والإنتاج الإيماني، وهذا سر قوله ﷺ: لو أدركت أمتي ما في رمضان من خير لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان.
ومن هنا نفهم أبعاد قوله ﷺ: بعد من أدرك رمضان ولم يغفر له.
المحطات الرمضانية
محطة الصوم لبناء الإرادة، أديمي يا عائشة قرع باب الجنة بالجوع. الإمتناع عن الطعام والشهوة والغضب.
محطة التقوى: لبناء الولاء، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)
وقال ﷺ: ولا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار، نتيجة ذلك عاجلًا ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: ۲- ۳) وآجلًا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴾ (القمر: 54) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (الذاريات: 15) ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (ق: ۳۱)
محطة الرحمة لبناء الحس العام في الحديث النبوي رمضان أوله رحمة «الراحمون رحمهم الرحمن»، «من أعطي حظه من الرفق فقد عطي حظه من الخير ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير» «الترمذي».
محطة المغفرة: لبناء الشفافية في الحديث النبوي: «رمضان أوسطه مغفرة»، «من صام مضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، «أتاكم شهر رمضان شهر بركة يغشاكم لله فيه، فينزل الرحمة ويحط الخطايا، ويستجيب لدعاء، فينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه يباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، إن الشقي من حرم فيه رحمة الله» «للطبراني».
محطة العتق من النار: لبناء الأمل: «إن له عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة».
المحطة القرآنية لبناء الشخصية المنهجية الحديث النبوي: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي»، «أقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»، «حامل القرآن حامل راية الإسلام من أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه فعليه لعنة الله»، «ما أمن بالقرآن من أستحل محارمه، رب تال للقرآن والقرآن يلعنه.
المحطة العبادية: البناء الصلة الربانية: والصلوات الخمس مع «السنن الراتبة صلاة الضحى» و«قيام الليل و التراويح والدعاء».
المحطة الجهادية: لبناء الإستعلاء الإيماني والحس التدافعي، ومن ذلك جهاد النفس مجاهدة العبد هواه، جهاد المال: لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الأنفال: 3).
الجهاد الإجتماعي: لقوله ﷺ: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد، إن الصائم تستغفر عظامه وتستغفر له ما أكل عنده، رواه ابن ماجه، الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة.
الجهاد السياسي: بناء الحسبة في الحديث النبوي: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان»، «لاتزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وتصرف عنه العذاب والنقمة ما لم يستخف بها، قيل وما الإستخفاف بها يا رسول الله؟ قال: يظهر العمل بمساخط الله فلا ينكر ولا يغير وإذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها» «الساكت عن الحق شيطان أخرس» وتذكروا أنه في رمضان تم هدم أكبر الأصنام اللات ومناة. كما هدم مسجد الضرار.
الجهاد العسكري: «معركة بدر»، «فتح مكة»، فتوحات اليمن في السنة العاشرة للهجرة، إنتصارات صلاح الدين على الصليبيين ٥٨٤ هجرية..إلخ.
المحطة الصحية والطبية: «بناء القوة الجسدية والنفسية» الحديث النبوي: «صوموا تصحوا» «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء»، إنه «الريجيم الرباني».
هنا أنقل ما سمعته شخصيًا من السيد كراين مدير الأمن القومي في عهد نيكسون الذي اعتنق الإسلام، وكان مصابًا بمرض الصداع النصفي المزمن «ميجر بان» ولقد تحقق شفاؤه بإذن الله- بالصوم، وذلك خلال زيارته إلى دار الإفتاء في دمشق لسنتين خلتا.
المحطة الأخيرة: الجائزة لإحياء سنة الثواب والعقاب:
يقول رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ينادون يا أمة محمد: أخرجوا إلى رب كريم، يعطي الجزيل، ويغفر الذنب العظيم. فإذا برزوا إلى مصلاهم، يقول الله عز وجل لملائكته يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟، فيقولون: إلهنا وسيدنا، توفيه أجره فيقول: إني أشهدكم إني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، انصرفوا مغفورًا لكم».
أخيرًا: المسلمون مدعوون في كل حين وليس في رمضان فقط إلى تفعيل كل وسائل الإنتاج الإيماني- وما أكثرها- مصداقًا لقوله ﷺ: ألا إن لله في أرضه لنفحات ألا فتعرضوا لها، وقوله: «إلا إن لله معارج على قدر أنفاس الخلائق فالصلاة معراج والصوم معراج، والحج معراج، وقراءة القرآن معراج، وكل أعمال الخير معارج فهل نحن على مستوى العروج، وعلى إستعداد لذلك أسأل الله أن نكون كذلك.
وقفة تربوية
يا دعاة الإعتدال.. أنشطوا
يا دعاة الإعتدال في كل مكان يا من ثبتم عندما تساقط الآخرون، وبقيتم في الوسط بعد أن تجاوز الآخرون بين مشرق ومغرب إياكم ونسيان التاريخ.. فتاريخ المتطرفين لم يبدأ اليوم بحادثة بعينها، بل بدأ منذ عهد النبي ﷺ عندما جاءه النفر الثلاثة فقال أحدهم: إني أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء.. فغضب النبي ﷺ على هذا الفهم الخاطئ للدين.. وقال محذرًا لهم في نهاية الخطاب: «من رغب عن سنتي فليس مني»، ثم جاء دورهم في مقتل سيدنا عثمان- رضي الله عنه- والإستهانة بدم الصحابي المبشر بالجنة، وقتلوه وهو يقرأ القرآن.
ثم أستمروا بالتزايد حتى عهد الإمام علي رضي الله عنه بخروجهم على الجميع، ودس من يقتله منهم، ثم نمو حركتهم وأفكارهم وإنعزالهم عن المجتمع في جميع عصور الدولة الإسلامية، حيث تكونت منهم فرق وتجمعات ورؤساء، ومؤسسون.
وظن البعض أن تلك الأفكار قد اندثرت وإذا بها تظهر في سجون ناصر، التي عاني الإمام الهضيبي أشد المعاناة داخلها في رد أصحابها إلى جادة الصواب، بعد أن نشروا في الزنازين فكرة تكفير المجتمع والحكام. ثم بعد ذلك إتجهوا إلى أفغانستان للتدرب على السلاح والإبتعاد عن الأنظمة المحاربة لفكرهم... ومن هناك تأصل هذا الفكر وتأسس أكثر من ذي قبل.
إننا لا نقول إنه لا توجد دوافع لتلك الأعمال، سواء كان ظلم الحكومات والطواغيت وإشتداد وطأتهم على الدعاة ومحاربتهم للدين، ولكن ذلك كله ليس مبررًا لما يحدث من أهوال في العالم الإسلامي، مما عرقل مسيرة الدعوة الإسلامية، وضيق على الكثير من المسلمين في أنحاء العالم.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org