; بريطانيا التي رأيت - رحلة في قطار الحضارة الغربية - الخاطرة الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان بريطانيا التي رأيت - رحلة في قطار الحضارة الغربية - الخاطرة الأخيرة

الكاتب محمود عبد الرزاق

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1986

مشاهدات 57

نشر في العدد 766

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 06-مايو-1986

 

انطلقت ذات ليلة بالقطار قاصدًا لندن في رحلة تستغرق أكثر من ثلاث ساعات بعد محاضرة عامة في شمال المملكة المتحدة. وكوني لا أحب التدخين ولا أسر بالمدخنين فإنني أسعى مباشرة إلى القاطرات التي كتب عليها «ممنوع التدخين».

جلست في مقعدي أفكر في أمور كثيرة.. ولشدة التعب الذي أصابني استسلمت للنوم حتى كدت أن آخذ سنة منه لولا الضجة والصخب والصياح المتعالي الذي جعل القاطرة الهادئة الساكنة وكأنها انقلبت رأسًا على عقب، أو خرجت عن سكتها الحديدية.. ماذا حدث؟ نظرت من النافذة وإذا مجموعة من الشباب الإنجليزي غلبت عليهم سكرتهم في ليلة الأحد فملأوا المحطة وقاطرتنا معها صياحًا وتصفيقًا وهرجًا ومرجًا.

صعدوا القاطرة جميعًا وبدأوا التدخين والغناء والضحك بشكل جنوني.. وفي بلد -الديمقراطية واحترام القانون- إزعاج الآخرين ممنوع قطعًا والتدخين في القاطرات التي كتب عليها ممنوع التدخين غرامته القصوى خمسون جنيهًا.. ولكن من يجرؤ على الكلام مع هذا الشباب الطائش؟ ولو وقف الأمر عند هذا الحد لهان الأمر، ولكن.. لنمضي مع جيل الخراب والدمار خطوة أخرى «ومن هنا سأكتب بالقدر الذي يسمح به أدب الكتابة». كانت إحدى الفتيات تطالع أو تتصفح مجلة جنسية فيها صور عارية تمامًا للذكور، رآها أحد هؤلاء الشباب فصاح آه نعم هذه هي ثم أخذ المجلة من الفتاة وراح يتجول بها بين صفوف الركاب يريهم إياها وهو يصيح ويضحك ويردد معه زملاؤه الآخرون، ولكن بشكل غير متناسق ومزعج للغاية.. ثم تطور الأمر.. فإذا بأحدهم يكشف عن سوأته وزمرة الشباب في صياح وهرج ومرج فرحون بهذا المنظر الجميل.

وكلما مرت فتاة اعترضوها بالصياح والكلمات البذيئة.. ثم جلسوا يلعبون القمار بورق اللعب، فأخرج أحدهم بعض الجنيهات من جيبه يعرضها على إحدى الفتيات لتوافقه رغبته.. ولكنها ظلت صامتة مكانها لم تنبس ببنت شفة فنهرها وقال لها ابتسمي يا كذا.. وكذا.

ومع استغرابي لهذه التصرفات غير الإنسانية من جيل -الحضارة الغربية- الهابط نحو الحضيض، كان استغرابي أكبر من القوم الجالسين؛ إذ لم يتكلم أحد منهم كلمة واحدة يستنكر فيها ما يجري حوله من أقوال وأفعال سيئة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: 78-79).

فلم أعد أطيق صبرًا على هذا الوضع المعكوس في كل شيء فسألت إحدى الفتيات وكانت تجلس في نفس المقعد الذي أجلس فيه -والتي لم تنج- من كلامهم البذيء فقلت لها ما هذا الذي يجري حولنا؟ هل تقبلونه في الغرب؟ فأجابت: لقد تعودنا على هذا الأمر فإننا نواجهه في كل مكان في القطار والسينما وفي الحافلة والحديقة.. وحيثما توجهت الفتاة تتعرض لتصرفات كهذه، فأصبح وكأنه أمر طبيعي؛ إذ إن هؤلاء الطائشين وأمثالهم لم يعودوا من القلة بحيث نستغرب هذا المنظر؟!

قلت سبحان الله، لقد انقلب كل شيء في هذه الدنيا.. ولكن ما بال شبابنا المسلم اللاهث وراء الغرب الأحمق وشبابه وأجياله الناشئة، ما بالهم يتخذونهم قدوة لهم يقتفون أثرهم ويسلكون مسلكهم، والغرب نفسه قد أرهقت أعصابه وانشل تفكيره إلا من التفكير في الملذات والشهوات وما يوصل إليها.

فيا أيها اللاهثون وراء الغرب قد فاتكم القطار وإن الغرب قد أفلس منذ زمان بعيد.

وتذكروا قول ربكم جل وعلا ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).

من مزايا التعليم في مدارسهم

أحرص عندما أتحدث عن المجتمع البريطاني أن أجعل تقييم المجتمع ذاتيًّا أي بدون مقارنة مع غيره من المجتمعات حتى لا يلتبس الأمر على القارئ فيظن أن المجتمع المقارن به أقل من المجتمع البريطاني أو أرفع منه. ومن ناحية ثانية أود أن يكون التقييم منطلقًا من منطلقات إنسانية أساسية يسري حكمها على الناس أينما كانوا وحينما اختلفت أشكالهم وألوانهم ومجتمعاتهم.

وفي حديثنا عن التعليم في بريطانيا فأول ما يلفت النظر بالنسبة للمراحل التعليمية الأولى عدة أمور:

الأول: إعطاء الفرصة للأولاد ليتمتعوا بالحرية الكاملة في الفصول الدراسية علاوة على ساحات اللعب؛ فشكل الفصل قد تغير من الشكل التقليدي الذي تعودناه كأن تكون المقاعد الدراسية مصفوفة وراء بعضها والطلبة مرصوصون فيها وقد تكلفوا الجلوس، بل انقلب الفصل الدراسي إلى حلقات انتظمت فيها طاولات مستديرة يتحلق حولها التلاميذ على كراسي صغيرة كتلك التي يجلسون عليها في البيت. فالولد لا يشعر بضغط المدرسة وأنها سجن أو ما يشبه السجن.

الثاني: محاولة الانطلاقة الفكرية بالطفل وهذا ظهر في عدة جوانب:

1- عدم حصر فكر الطفل واهتمامه في كتاب منهجي بعينه، «وهذا لا يعني أنه لا يوجد منهاج هادف» فالمنهاج موجود عند المدرس أو المدرسة إلا أنه لا يوجد بين يدي التلاميذ كتاب يحدد دائرة تفكيرهم فلا يتجاوزونه إلى غيره.

2- التركيز على قراءة القصص والإكثار منها، فإلى جانب أن قراءة القصة تعتبر إحدى فقرات المنهاج فإن التطبيق العملي لها يأخذ قسطًا كبيرًا من الاهتمام، فتأتي المدرسة في أوقات متعددة وتقرأ على الأولاد بعض القصص التي تعالج موضوعات هادفة معينة الغرض منها تفتيح مدارك العقل والعمل على إطلاقه في معارك التفكير والموازنة، وطريقة قراءة القصة فن بحد ذاته يحتاج إلى وقفة وتمهل.

الثالث: التطبيق العملي لما يتعلمه الطفل بما يناسب عمره، فحتى لا تبقى العلوم نظرية مجردة ليس لها من رصيد الواقع شيئًا فإن المناهج التعليمية تهدف إلى أن يمارس التلاميذ تطبيقاتها العملية، فمثلًا:

في مادة الحساب «بحث النقود» يدرس الطالب وحدة العملة في البلد وأجزاءها وأصنافها وكيف يكون البيع والشراء على أساسها، فلكي يفهم الطالب هنا في المملكة المتحدة هذا الدرس فإنهم يهيؤون نزهة إلى أحد الأماكن وعلى الطالب والطالبة أن تحضر معها «خمسين بنسًا مثلًا» ليشتري هؤلاء بطاقات تذكارية أو آيس كريم أو ما شابه ذلك، فيضطرون للحساب كم يدفعون وكم يتبقى لهم، وهذا كله يأخذ مجراه تحت إشراف المدرس أو المدرسة وبدون أن يشعر الطالب بذلك.

ومثال آخر: يدرس الطلبة في العلوم الطبيعية درسًا عن المزرعة والمواشي ومنتوجاتها فيأخذونهم إلى المزرعة فيشاهدون المواشي وطريقة الحصول على الحليب وتصنيع الحليب الذي يشربونه كل يوم وغيره من المواد الغذائية.

الرابع: متابعة سير الطالب في المدرسة والبيت عن طريق العلاقة الوثيقة بين هاتين المؤسستين، فهناك لقاءات محددة بين أولياء الأمور وهيئة التدريس يناقشون فيها كل شيء يتعلق بالمدرسة المنهاج - طريقة التدريس....» حتى إنه في إحدى هذه اللقاءات قال أحد الآباء إنه يوجد في هذه المدرسة جهاز كومبيوتر ولكن لم يشاهده أحد منا فما قصته؟!

فبذلك يكون الطالب متنقلًا من مؤسسة تعليمية إلى مؤسسة أخرى تتابع شؤونه، فالتركيز على تفتح آفاق الفكر وبناء الشخصية المستقلة هدف من أهداف التعليم واضحة معالمه.

الرابط المختصر :