; قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي (۳)- العلم يتولى التجديد بالاجتهاد والتعدد | مجلة المجتمع

العنوان قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلامي (۳)- العلم يتولى التجديد بالاجتهاد والتعدد

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1427

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

  • للفرد في الشريعة الإسلامية حقوق لا يملكها بعض الدول الآن.

القانون الوضعي تضعه «الدولة»، ولذلك يقول شراحه إنه تعبير عن إرادة الدولة أي إرادة صاحب السلطة فيها، وهي فيالحقيقة هواه ومصلحته. 

أما شريعتنا فإنها لا تعترف للدولة بالحق في وضع القوانين وإنما يتولى ذلك أهل العلم والفقه باجتهادهم، وقد لاحظنا أن فقهاء المذهب الشيعي الجعفري يصفون الاجتهاد بأنه العقل فالعقل في شريعتنا يحل محل السلطة في القوانين الوضعية كلها، وذلك بعمله في إطار الأصول الشرعية والثوابت العقدية. 

إن القانون الوضعي – كما ذكرنا– تصنعه الدولة وتصدره وتنفذه وتعده ملكاً لها تغيره متى شاءت وتفسره كما تشاء، وتلغيه أو تعدله، فضلًا عن أن الدولة ذاتها تتغير وتتبدل أحوالها نتيجة الانقلابات والحروب والتغيرات السياسية، وهذا كله له أثره في القوانين الوضعية، وبعد ذلك يأتي العلماء ليشرحوا هذه النصوص ويفسروها، ولذلك فإن الشهيد عبد القادر عودة في كتابه يشير إلى التفرقة بين الفقهاء في الإسلام وبين علماء القوانين الوضعية الذين قال عنهم إنهم «شراح» لهذه القوانين التي تضعها الدولة، أما فقهاء الشريعة أو علماء الفقه الإسلامي فإنهم ليسوا مجرد شراح للنصوص، بل إنهم يتولون استنباط الأحكام الفرعية من مصادر شريعتنا السماوية ومبادئها العامة، ولذلك يوصف فقهنا بأنه علم «الفروع» أما منابعه وأصوله ومقاصده ومبادئه العليا ونظرياته العامة فهي تستمد من المصادر السماوية العليا، وهي الكتاب والسنة.

في شريعتنا يبدأ الفقه والعلم باستنباط الأحكام الفرعية من النصوص والمبادئ والنظريات المقررة في الكتاب والسنة، وبعد ذلك فإن الأفراد والدول عليهم أن يأخذوا الأحكام مما قرره الفقه، فعمل العلماء وعلمهم واجتهادهم يكون المذاهب الفقهية التي تلتزم بها الدولة كما يلتزم بها الأفراد، وتستمد منها الأحكام الفقهية التي ينفذها القضاة ومصدرها المباشر هو العلم والفقه لا إرادة الدولة.

إن الشريعة الإسلامية تضع الوحي والعلم والفكر فوق كل سلطة إنسانية، أي فوق الدولة وسلطاتها جميعاً لأن الوحي هو كلام الله، والعلم هو الميزة الأولى التي ميز الله بها آدم وذريته عن الملائكة، بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ أِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:٣١-٣٢).

إن مكانة العلم والفكر في فقهنا تؤدي إلى تميز الفقه الإسلامي بأنه يقوم على مبادئ التعدد والاختلاف فالاختلاف مبدأ مقدس من مبادئ الشريعة الإسلامية، ولذلك يوجد في شريعتنا مذاهب متعددة بل ومختلفة أيضًا، في حين أنه في القوانين الأخرى قانون واحد يكتب ويوقع عليه ويلتزم به الجميع، ولا نجد لا في فرنسا ولا في أمريكا، ولا في أي بلد آخر، ولا في القوانين الحديثة ولا في القوانين القديمة قانونًا يقول للفرد والجماعة عندكم مذاهب متعددة ومختلفة تختارون منها، ولا يكتفي فقهنا بتعدد المذاهب، بل في داخل كل مذهب آراء متعددة ومفتوح فيها باب الاجتهاد إلى يوم الدين، وللأمة والفرد أن يختارا من هذه الآراء ما يواجهان به مقتضيات ظروف الزمان والمكان.

إن مبدأ التعدد في المذاهب والآراء والاختلاف بين العلماء مستقر في فقهنا، حتى قال البعض إن اختلاف المذاهب والآراء رحمة، لأنه يمكن الأمة من مواجهة التطورات الطارئة وظروف المكان والزمان المختلفة.

إلى جانب مبدأ التعدد الذي هو من خصائص الفقه الإسلامي، هناك صفة أخرى أهم وأبعد أثرًا ذلك أنه قبل العلم توجد المصادر السماوية الثابتة الخالدة، فهناك تسلسل المصادر الشرعية أعلاها هو المصادر المقدسة وهي الكتاب والسنة فهي في القمة، ويأتي بعدها العلم والفكر وتعدد المذاهب والآراء.

ثم إن الشريعة تمتاز بأنها فوق الدولة كما هي فوق الفرد والجماعة، لأن الشريعة مصدرها الوحي في القرآن والسنة، ويكملها الفقهاء والأئمة العلماء لذلك يلتزم بها الفرد وتلتزم بها الجماعة والدولة التي تمثل الجماعة، أو تدعي تمثيلها لأن شريعتنا تخاطب الفرد وتخاطب الجماعة.

إن الفرد له في شريعتنا حقوق لا يملكها بعض الدول الآن، فالفرد كالمجتمع والدول له حق اختيار المذهب، وهذا الاختيار نسميه «التقليد» مع أنه ليس تقليدًا أعمى كما يتصور البعض، وإنما هو اختيار المذهب والرأي الذي يقتنع به حيث إن كل الأئمة أعلنوا أن فتاواهم مجرد آراء لا تلزم إلا من يقتنع بها وبأدلتها وحجتها.

الرابط المختصر :