العنوان رسائل الإخاء- المؤمن للمؤمن كاليدين يغسل بعضهما بعضا
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1986
مشاهدات 58
نشر في العدد 760
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 25-مارس-1986
كنت أتصفح رسالة كتبها الإمام المجاهد ابن تيمية رحمه الله وهو في السجن إلى بعض إخوانه في دمشق عام 705هـ تدل على عظمة شأن ذلك العالم الواسع العقل الكبير القلب وقد عفا عن خصومه، وطلب من إخوانه ألا يؤذوا أحدًا من أجله، مستشعرًا ما أنعم الله عليه من نعمه العظيمة ومننه الجسيمة، وآلائه الكريمة، ما هو مستوجب لعظيم الشكر، والشباب على الطاعة، واعتياد حسن الصبر.. كل ذلك وهو في السجن؟! على خصومه الذين آذوه بالسعايات والوشايات؟! يقول في رسالته: «تعلمون أن من القواعد العظيمة، التي هي جماع الدين، تأليف القلوب واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (الأنفال:1)، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران:103).. وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف.. وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة، وجماع السنة طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم.
وأول ما أبدأ به من هذا الأصل ما يتعلق بي. فتعلمون –رضي الله عنكم- أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين- فضلًا عن أصحابنا- بشيء أصلًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلًا، بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا. فالأول: مأجور مشكور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين.
فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل، كقول القائل: فلان قصَّر، فلان ما عمل، فلان أُوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان.. ونحو هذه الكلمات، التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان.. وقد عفا الله عما سلف.. وتعلمون أيضًا: أن ما يجري من تغليظ أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان.. فليس ذلك غضاضة ولا نقضًا في حق صاحبه ولا حصل بسبب ذلك تغير منا ولا بغض، بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدرًا وأنبه ذكرًا، وأحب وأعظم. وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين، التي يصل الله بها بعضه ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى.