العنوان الصيام يربي المسلمين على المنهج الإسلامي المدني
الكاتب د. يوسف السند
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011
مشاهدات 87
نشر في العدد 1965
نشر في الصفحة 44
السبت 13-أغسطس-2011
إضافة إلى المنهج الإيماني العقدي للصيام، فإن للصوم منهجا إسلاميا مدنيا يربى عليه المسلمين، فمن ملامح هذا المنهج هذه القيم التالية:
١- الوحدة الاجتماعية، والأخوة العالمية التي تتخطى الأعراق والأجناس والحدود واللغات فيصوم المسلمون في شهر رمضان ويفطرون في شهر شوال، حين يرون الهلال توقيت دقيق منظم يتناغم مع نظام الكون والفلك: ﴿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ (البقرة:۱۸۹)
٢- الإحساس بالجسد المسلم الواحد في آماله وآلامه وشعوره ووجدانه، والإحساس بالإنسان الجائع الذي يحتاج إلى الرحمة والعطف والشفقة وقت الأزمات والمجاعات.
٣- السلام والأمن معلمان واضحان في شهر رمضان المبارك، فالمسلم مطلوب منه كظم الغيظ ؛ فمن سابه أحد أو قاتله رد عليه بقول: «إني صائم»؛ فيعم الأمن الداخلي في النفس والخارجي في المجتمع وبين الناس وليلة القدر ليلة السلام: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر:٥)، أي سالمة من كل آفة وشر، وذلك لكثرة خيرها (1)
والمجتمعات البشرية قاطبة تريد السلام وتبحث عن السلام، وتدعو إلى السلام، والله -سبحانه وتعالى- هو السلام: ﴿هُوَ الله الذي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَارُ الْمُتَكَبَرُ سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (الحشر:٢٣)، والجنة هي دار السلام: ﴿لَهُمْ دَارُ السّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (الأنعام:۱۲۷)، والتعايش السلمي، وقبول الآخر، وتعقيل الاختلاف، وحسن الجوار، وجمال الحوار إن هذه القيم تنبع من حب السلام، والانغماس في بحاره وأنهاره وعيونه.
٤- اجتماع الأمة على فكرة واحدة ونظام واحد ينظم حياتها ويصلح سلوكها، ويربي روحها ويؤدب جوارحها وينير دربها، ويهديها سبلها، فالأمة في شهر رمضان تجتمع على فكرة الصيام والقيام والقرآن والتراويح، وهذه تربية مدنية تؤصل في الأمة ضرورة اجتماعها على نظام واحد، وصدق الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكَمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:٥٠).
٥- إن مجتمع الصائمين مجتمع مدني قوي مرتبط بوعي قانوني رباني، حيث التزم قانون الصوم وتعاليمه ومواده رغم ظروف الناس المختلفة، وهذا القانون محترم من الجميع، ومن خالفه معاقب، كل ذلك في جو القناعة والإيمان والرضا والتعاون.
6- الدقة والالتزام بالنظام كمًا وكيفًا، أما الكم فمن حيث أوقات الصيام بالساعات والدقائق، ابتداءً وانتهاءً، فلا تفريط ولا إفراط ضبطا وإتقانا واحتراما للوقت والزمان بشكل عام، وأما الكيف فيكون بإمساك المسلم عن الطعام والشراب والمعاشرة الزوجية طوال نهار رمضان، مراقبا الخالق عز وجل.
هذا الالتزام الدقيق بالنظام والانضباط منهج تربوي مدني يوصل المسلم بموارد الإتقان، وسبل النجاح والتفوق في الحياة حين التزامهما كمنهج حياة.
٧- التواصل الفريد والمبدع والمنوع يكون في شهر رمضان بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، تواصل إيماني واقتصادي عبر الزكاة والصدقة، وتواصل اجتماعي عبر الزيارات وصلة الأرحام والجيران، وتواصل إعلامي وحضاري عالمي بالاهتمام بأحوال المسلمين الصائمين حول العالم تراحما وتعارفاً وتعاوناً، هذا التواصل الإسلامي المدني له دوره المؤثر إنسانيا وحضاريا على غير المسلمين الراغبين في التعرف على النظام الإسلامي الفريد من نوعه، مدنية وحضارة وقيما.
إن معرفة الخالق والهدف من الحياة تجعل الإنسان في قمة الرقي والمدنية، حيث يبتعد عن الشك القاتل والبهيمية العوجاء والحياة التعيسة حتى قال أحدهم حيث صوره الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته التي سماها «الطلاسم»:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت وسـأبـقـى ســائــرا شـئـت هـذا أم أبيت كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!
إن رمضان ليوصل قلب الصائم بالخالق العظيم وطاعته وعبادته، مذكرا إياه بما أعده الله تعالى من الجنان والأنهار للمؤمنين الطائعين.
وهل يستطيع الإنسان أن يكون مدنياً راقياً بلا إيمان؟
وهل تسكن النفس ويهدأ العقل، وينشرح الصدر بلا إيمان؟
ولله در القائل:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ديناً ولا دنــيــا لمــن لــم يـحــي
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد رضي الـفـنـاء له قريناً
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهامش
عبدالرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن.