العنوان المجتمع التربوي (1647)
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005
مشاهدات 62
نشر في العدد 1647
نشر في الصفحة 52
السبت 16-أبريل-2005
آفات على الطريق:
ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجًا لها.. وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلف. وهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.
الغدر (٢ من ٢)
أسبابه وطرق علاجه
- من أهم وسائل العلاج: التدرج في تحمل المسؤولية والتحرر من موالاة الكافرين.
للغدر أسباب كثيرة، وبواعث عدة توقع فيه، نذكر منها:
1 - عدم قيام الأسرة بواجبها التربوي: ذلك أن المرء خلق يوم خلق، ولديه استعداد لفعل الخير، وفعل الشر لقوله سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا, فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7-8). وليس عليه إلا أن يربى على المجاهدة, وبذل أقصى ما لديه من طاقة ليصطبغ بصبغة الخير، وصناعة البر والمعروف.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس:9).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69).
ويقع عبء التربية الأكبر للمرء في أيامه الأولى من حياته على الأم، إذ لو كانت حازمة مع صغيرها، فلم ترضعه، ولم تقم بتبديل ثيابه كلما بكي، وإنما وضعته تحت منهاج ثابت لا يتغير أبدًا إلا في ظروف طارئة، إنها لو صنعت ذلك لنشأ صغيرها على الانضباط في كل شيء، ومن ذلك الحفاظ على العهود والمواثيق وعدم الإقدام على نقضها مهما كانت الأسباب أما إذا أهملته حتى شب فإنه ينشأ على الفوضى والتهاون في كل شيء ومن ذلك العهود والمواثيق، ومهما درب بعد ذلك على الانضباط فإنه يكون منطويًا على نوع من الخلل، فكيف لو نشأ في بيت شأن الكبار فيه الفوضى، وعدم الانضباط؟ إنه يقتدي بهم لا محالة إلا أن تتداركه رحمة الله -عز وجل- ويقيض له من يعينه على نفسه.
٢- صحبة من شأنهم عدم الانضباط قد يجد المرء نفسه - لسبب أو لآخر- في وسط من القرناء شأنهم عدم الانضباط، ولا سيما مع العهود والمواثيق ويطول بقاؤه معهم، فيتشرب أخلاقهم، ويصير الغدر دأبه، وديدنه.
وهكذا يمكن أن يصنع الأصحاب من المرء, غادرًا ناقضًا لعهوده ومواثيقه.
٣- عدم السؤال عن العهود والمواثيق, وعدم المتابعة: ذلك أن المرء كثيرًا ما يعتريه الضعف البشري، فيغدر بعهوده، ومواثيقه, وربما كان السبب في ذلك عدم السؤال، وعدم المتابعة، لذا كان من هديه -صلي الله عليه وسلم - سؤال كل ذي مسؤولية, عن مسؤوليته ومتابعة التزامه بهذه المسؤولية، بل على المرء أن يسأل نفسه ويحاسبها، ويعمل على تدارك التقصير.
عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما- قال: أهدي للنبي -صلي الله عليه وسلم- عنب من الطائف فدعاني، فقال: «خذ هذا العنقود فأبلغه أمك», فأكلته قبل أن أبلغه إياها، فلما كان بعد ليال, قال لي: «ما فعل العنقود؟ هل أبلغته أمك؟» قلت: لا، قال: «فسماني غدر».[1]
٤ - إقبال الدنيا: ذلك أن المرء كثيرًا ما يحافظ على عهوده، عندما يكون عيشه كفافًا, فإذا ما أقبلت الدنيا ببريقها، وزخارفها، فإنه يتهاون بعهوده، ووعوده، وربما يغدر فيها، ناسيًا أو متناسيًا أن إقبال الدنيا لا يدوم, وأنها إذا أقبلت أدبرت، وإذا كست أوكست, وإذا حلت أو حلت.
ه - تحميل المرء نفسه من المسؤوليات فوق ما تطيق: قد يحمل المرء من المسؤوليات فوق ما يطيق، كأنه يريد أن يعمل كل شيء، والذي يعمل كل شيء لا يعمل شيئًا، وتكون العاقبة عدم الوفاء بالعهود, والمواثيق، بل ربما يغدر ليكون ذريعة لإعفاء نفسه من المسؤوليات والتبعات.
٦- عدم التدرج في حمل المسؤوليات: ذلك أن الإنسان يحتاج إلى التدرج في حمل المسؤوليات حتى يستخرج ما لديه من طاقات وإمكانات شيئًا فشيئًا، وإذا حدث أن حمل المسؤوليات جملة واحدة دون تدرج، فإنه لا يستطيع الوفاء بعهوده ومواثيقه، بل ربما يغدر ليكون ذريعة لإعفاء النفس من المسؤوليات.
٧- موالاة الكافرين: ذلك أن الكافرين لا يريدون بنا - نحن المسلمين - خيرًا إذ يقول رب العزة سبحانه: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة:2). ﴿إنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف:20).
وموالاة هؤلاء بمعنى؛ محبتهم، والإصغاء إليهم، وطاعتهم فيما يشيرون، وما يعرضون يمكن أن تؤدي إلى الغدر وعدم احترام العهود والمواثيق.
والواقع المعاصر خير دليل: إذ يشير هؤلاء على نفر من ولاة أمور المسلمين بنقض عقد البيعة مع شعوبهم، بحيث يصيرون سيفًا مصلتًا عليهم، والمفروض أن يكونوا اليد الحانية عليهم, الرحيمة بهم، والمبرر: أن هذه الشعوب، أو نفرًا منها يتأمرون عليهم لإزاحتهم عن كرسي الحكم، والجلوس مكانهم.
٨- عدم قيام المجتمع بواجبه: ذلك أن للمجتمع دورًا كبيرًا في إشاعة الفضيلة, والقضاء على الرذيلة أو على أقل تقدير محاصرتها، إذا قام بواجبه بعزيمة صادقة. وإخلاص، واتباع للسنة، وحكمة، وموعظة حسنة، وجدال بالتي هي أحسن، أما إذا قعد ولم يقم بواجبه فإن الرذيلة، ومنها الغدر ونقض العهود، والمواثيق تشيع، وتحاصر الفضيلة، بل ربما تتلاشى وتمحى من المجتمع.
٩- عدم قيام ولي الأمر بواجبه: لقد ذكرنا في أكثر من آفة دور ولي الأمر في إصلاح الأمة، وملاحقة أهل الفسق والفجور والعصيان. وعليه فإذا قصر، ولم يقم بواجبه نحو المعروفين بالغدر بعهودهم ومواثيقهم فإن الخطر يعظم والشر يستفحل، ويصبح الغدر دأبًا، وديدنًا للمجتمع.
١٠-عدم استحضار عواقب الغدر: إذ على المرء أن يديم النظر في عواقب عمله، فإن كانت خيرًا لزم هذا العمل، وإن كانت سوءًا أقلع عنه، ونأى بجانبه، وعليه فإذا نسي المرء عواقب الغدر سواء على نفسه أو على العمل الإسلامي، وسواء أكانت دنيوية، أو دينية: إذا نسي المرء ذلك، ولم يستحضره على الدوام كان التمادي في الغدر، وكان الخسران والبوار.
● علاج الغدر والوقاية منه
بعد أن عرفنا ماهية الغدر، وصوره وحكمه، وآثاره، وأسبابه، فإن العلاج، بل الوقاية تكمن في اتباع هذه الخطوات:
١- أن تقوم الأسرة بواجبها في اجتناب الغدر: بأن يتحلى أفرادها لا سيما الكبار منهم بالوفاء بالعهود والمواثيق ويعتذروا عما بدر منهم من غدر في حق الله، وفي حق الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وفي حق الآدميين، وأن يعملوا في الوقت نفسه - لا سيما الأم - على تقوية خلق الانضباط عند الأولاد منذ نعومة أظفارهم وأن يقبحوا لهم القدر، ويحسنوا الوفاء، وأن يواظبوا على ذلك، فإن هذا الجهد لو صح من الأسرة فإن له دورًا كبيرًا في القضاء على الغدر، وتعليم الوفاء واحترامه، والحرص عليه مهما تكن التضحيات.
٢- أن ينقطع المرء عن أصدقاء السوء: ذلك أن المرء إذا انقطع عن أصدقاء السوء, ولزم أهل التقوى والصلاح فإن ذلك يساعده على التخلي عن الغدر، ويعينه على التحلي بالوفاء بعهوده، ومواثيقه، ولا سيما إذا وعى هؤلاء الأصدقاء دورهم في الإصلاح، وأنجح السبل، وأفضل الوسائل التي عليهم أن يستخدموها في أداء هذا الدور، ثم حققوا ذلك على أرض الواقع، وطبقوا منهاج المحاسبة الدقيقة لتقويم عملهم أولًا بأول.
٣- أن يقوم المرء بمجاهدة نفسه ذلك أن مجاهدة النفس تكون سببًا في التخلص من آفة الغدر والتحلي بالوفاء، ولا شك أن المجاهدة لا تنشأ من فراغ وإنما لابد لها من زاد، وأعظم الزاد: مراقبة الله واستحضار المساءلة غدًا عن كل شيء لا سيما العهود والمواثيق. لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:34).
٤- أن يضع المرء الدنيا في موضعها الصحيح ذلك أن على المرء أن يضع الدنيا في موضعها الصحيح، بأن ينظر إليها على أنها وسيلة لا غاية، وأنه لا ثبات لها، وأن متاعها مهما عظم قليل، وحقير، وأنه سيسأل عن كل شيء فيها من النقير والفتيل، والقطمير، إذا صنع المرء ذلك فإنه يستوي عنده إقبالها, وإدبارها، والأحسن له الوفاء بعهوده، ومواثيقه لا النكت والغدر.
٥- أن يحمل المرء من المسؤوليات ما يتناسب مع طاقاته وإمكاناته ذلك أن على المرء أن يكون بصيرًا بطاقاته، وإمكاناته والظروف المحيطة به، ولا يحمل نفسه من المسؤوليات والتبعات فوق ما تطيق، كي يستطيع مواصلة المسيرة إلى نهايتها، من الوفاء، وعدم الغدر والنكث.
٦ - أن يتدرج المرء مع نفسه في حمل المسؤوليات: إذا أراد المرء أن يحمل تبعات التكاليف التي كلف بها من ربه وأن يفي بها كاملة دون غدر أو نكث فليتدرج معها على نحو ما كان يصنع النبي -صلي الله عليه وسلم- مع أصحابه.
إذ كان يبايع على ترك المعصية أولًا، لأن التخلية مقدمة على التحلية فيقول: «بايعوني على إلا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه[2] ثم يعود ويبايع على فعل الطاعات، والدعوة إلى الله.
فيقول جرير - رضي الله عنه-: بايعت رسول الله -صلي الله عليه وسلم- على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.. ثم يبايع على الإيواء، والنصرة كما كان ليلة العقبة، ثم يبايع على الجهاد، والموت في سبيل الله، كما كان في الحديبية.
وهكذا إذا أردنا أن يفي كل ذي عهد بعهده، وألا يغدر أو ينكث، فليكن التدرج شيئًا فشيئًا حتى تكون البراءة والوقاية.
٧- التحرر من موالاة الكافرين: ذلك أن التحرر من موالاة الكافرين، فلا محبة، ولا طاعة وإن كان لهم حق التعامل اليومي أو الحياتي ما لم يكونوا محاربين، إن هذا التحرر يخلص النفس من الضغط، والإكراه من أجل حملها على الغدر أو النكث، ويفسح لها المجال أن تتحلى بالحفاظ على العهود والمواثيق والوفاء، وإن لحقها من التبعات ما لحقها.
٨- قيام المجتمع بواجبه نحو المعروفين بالغدر: بأن يبدأ المجتمع بالنصح والإرشاد فإذا لم ينجح فلتكن الدعوة بالخطاب المباشر وإذا لم يجد ذلك فليكن إنكار المنكر بكل الأساليب والوسائل الممكنة، وأدنى ذاك الإنكار القلبي المتمثل في الحصار والمقاطعة، وتعطيل مصالح هذا الغادر، بحيث يحمله ذلك حملًا على التحرر من الغدر والنكث في عهوده ومواثيقه، والحرص على الوفاء، مهما تكن التبعات، والتضحيات.
٩- أن يقوم ولي الأمر بواجبه: أي يبدأ في الأمر بترك الغدر والنكث في العهود والمواثيق، ثم يبين لهم عواقب ذلك على العاملين وعلى العمل الإسلامي، وكذلك عواقب هذا في الآخرة، فإذا لم ينفع ذلك فلتكن القوة المتناسبة مع حجم الآثار المترتبة على الغدر ولن يعدم ولي الأمر طريقًا يحمل أهل الغدر والنكث على أن يقلعوا عن هذه الآفة، وأن يتحلوا بما يقابلها من الوفاء.
١٠- استحضار الآثار المترتبة على هذا الغدر، قدمنا أن للغدر آثارًا سيئة، وعواقب خطيرة على العاملين والعمل الإسلامي، بل عواقب أخروية أشد وأنكى، ويوم يستحضر المرء هذه العواقب باستمرار، فإنه يتولد لديه إحساس قوي، وشعور أكيد، بالندم على ما بدر منه من الغدر والنكث ويعمل جاهدًا على التخلص من ذلك، والتحلي بالوفاء، جبرًا للخلل الذي اقترفه فيما مضى من حياته، وهكذا يمكن أن يؤدي استحضار الآثار والعواقب المترتبة على الغدر إلى التخلص منه، بل الحذر من أن يقتحم النفس مرة أخرى.
[1] أخرجه ابن ماجه في: السنن، من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا بهذا اللفظ، وأورده البوصيري في: مصباح الزجاجة
[2] أخرجه البخاري في الصحيح
من أسرار سورة المائدة (٤من ٤) دلالات علمية ولمحات إيمانية
د.زغلول راغب محمد النجار
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة:60).
أولًا، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ (المائدة:60) جاءت الإشارة إلى مسخ العصاة من بني إسرائيل إلى القردة والخنازير في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم (البقرة: ٦٥، المائدة: ١٦٠, الأعراف: ١٦٦) والقردة من الثدييات المشيمية التي تنسب إلى رتبة «الرئيسيات» (Orrer Primates) وتعيش متسلقة على الأشجار، وإن كان بعضها يحيا على اليابسة، وتتميز بكبر حجم الجمجمة وتميز الوجه وبأقدامها ذات الأصابع الطويلة وبالقدرة على التسلق بالتشبث بالأطراف، وبزوج من الأعين القوية الإبصار والموجودة في مقدمة الرأس. وأبسط «الرئيسيات» تركيبات وجدت بقاياها في صخور عهد الياليوسين أي منذ حوالي ستين مليون سنة مضت، وتعرف باسم البروسيمات (Prosimit) وهي حيوانات صغيرة الحجم تشبه القردة إلا في استطالة وجهها، وتبعتها فصيلة الكوبلديات (Tarsiers) في عهد الأيوسين «أي منذ حوالي خمسين مليون سنة مضت»، ثم فصيلة الليموريات (Lemurs, (Lemuridae) Family) ثم فصيلة زبابات الشجر (Tree Shrews, Family Tupaiiae ) ثم فصيلة القردة بسترخية الذئب ( (New World Monkeys; Family Cebidae وفصيلة السعادين (old world Monkeys; Family Cercopithecidae) وفصيلة القردة الكبيرة الحجم Apes: Famliy Pongidae) ) ومنها الجبون Gibbon)) والشمبانزي (Chimpanzee) والغوريللا Orilla)) والأورانج أوتان (Orangutan).
والقردة تسير عادة على أربع أرجل، ولكن بعضها يستطيع أحيانا السير بشكل شبه معتدل على رجلين فقط، مما يعطي الطرفين الأماميين شيئًا من الحرية في الحركة مثل التسلق على الأشجار والتقاط الطعام وتناوله.
والقرود من «الرئيسيات» آكلة الأعشاب واللحوم (omnivorous)، وتحيا غالبًا فوق الأشجار في المناطق الاستوائية، وشبه الاستوائية.. وهي حيوانات تتمتع بقدر من الذكاء، وبقدرة على التعلم، ولكن القرد حيوان حاد المزاج، ويتسم بالأنانية الشديدة، وبالخيانة وبالغدر، والميل إلى الاستغلال وحب التملق وعدم الوفاء وحب الرشوة، ولذلك كان المسخ من مرحلة الإنسانية إلى مرحلة القردة يعتبر امتهانًا وإذلالًا وعقابًا من الله (تعالى) للعصاة من بني إسرائيل، كما روى ذلك عن ابن عباس (رضي الله عنهما ) الذي ذكر أنه لم يعش مسخ من الخلق فوق ثلاثة أيام أبدًا ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقال مجاهد (يرحمه الله) إن مسخهم كان مسخًا معنويًا لا صوريًا، ولكن استنادًا إلى حديث رسول الله -صلي الله عليه وسلم- السابق ذكره فإن المسخ كان معنويًا وصوريًا في آن واحد والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.
ثانياً: في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وصف القرآن الكريم الخنزير بأنه رجس وحرم أكله، في أكثر من مقام (البقرة: ۱۷۳، المائدة: ٦٠، الأنعام: ١٤٥، النحل: ١١٥) كما جاءت الإشارة إلى مسخ عصاة اليهود إلى القردة في ثلاث آيات (البقرة: ٦٥، المائدة: ٦٠، والأعراف: ١٦٦) وإلى القردة والخنازير في آية واحدة (المائدة: ٦0)، وهي الآية الكريمة التي نحن بصددها.
● لفظة رجس
ولفظة (رجس) هي لفظة جامعة لكل معاني القذارة والقبح والنجاسة والإثم، وذلك لأن الخنزير حيوان قوي الأنياب له جلد سميك يغطى بشعر خشن ضخم الجثة، كتلي الشكل كريه المنظر، مكتز اللحم والشحم قصير الأرجل طويل البؤز قذر جشع، كسول، رمام، يأكل النبات والحيوان والقمامة، والجيف كما يأكل فضلاته وفضلات غيره من الحيوانات، وهذا من أسباب قيامه بدور كبير في نقل العديد من الأمراض الخطيرة للإنسان.
والخنزير من الحيوانات الثديية السرية Mammals) Placental) التي تلد وترضع صغارها ولها حافر مشقوق يحمل عددًا زوجيًا من الأصابع ( أربعة أصابع)، ولذلك يضم في مجموعة من الثدييات المشيمية التي تعرف باسم الحافريات زوجية الأصابع (Artiodactyla: Even-toed ungulates) وقد عمرت الأرض خلال الخمسين مليون سنة الماضية «من بدايات عهد الأيوسين أو فجر الحياة الحديثة إلى اليوم»، والخنازير تفصل هذه المجموعة من الحيوانات لكونها رمامة وغير مجترة.
وتضم الخنازير عددًا من الأنواع البرية والمستأنسة، التي تجمع كلها في فصيلة واحدة تعرف باسم فصيلة الخنازير Family Suidae) ) ويسمى الذكر منها باسم «العفر» (Boar) وتسمى الأنثى باسم الخنزيرة (Sow) وهي من النوع الولود, والخنزير المخصي يعرف باسم «الحلوف» (Hog) ويستعار اللفظ لوصف كل قذر، شره، أناني من البشر؛ وتستخدم لفظة (Swine) في الإنجليزية للتعبير عن الخنزير بصفة عامة سواء كان ذكرًا أو أنثى، مخصيًا أو غير مخصي مستأنسًا أو غير مستأنس، وتستعار هذه الكلمة كذلك لوصف كل فرد من بني البشر حقير النفس، بخيل اليد، قذر المظهر والملبس، متصف بالخيانة، والجبن والغدر وبغير ذلك من أحقر الصفات، فإذا أطلقت على الأنثى كان لها من هذه الحقارة حظ وافر، بالإضافة إلى وصفها بالمرأة الساقطة المجردة من كل فضيلة، لذلك كان مسخ العصاة من بني إسرائيل من مستوى الأدمية المكرمة إلى مستوى الخنازير القذرة المهانة عقابًا من الله (تعالى) لهم استحقوه على فجورهم ومبارزتهم الله (تعالى) بالمعاصي وحربهم للإنسانية بالمؤمرات والخيانات والغدر.
● عبد الطاغوت
ثالثًا، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (المائدة:60) والمقصود بالتعبير القرآني «عبد الطاغوت» أي عبيده وخدامه، والطاغوت لغة هو كل مجاوز للحد في العصيان لله (تعالى) بعبادة الشيطان أو الكاهن أو كل رأس في الضلال مفردًا كان أو جمعًا، وإن كانت الكلمة تجمع على «طواغيت»، وكل معبود من دون الله طاغوت، وكل سلطان لا يستمد من سلطان الله طاغوت، وكل حكم لا ينبني على أساس من شريعة الله طاغوت وكل عدوان يتجاوز الحق طاغوت، سواء كان ذلك في حق الله (تعالى) بإنكار ألوهيته أو حاكميته أو وحدانيته، أو في حق العباد بالتآمر عليهم أو الغدر بهم أو خيانة أماناتهم، الاعتداء على دمائهم، أو أموالهم، أو ممتلكاتهم أو مقدساتهم أو أراضيهم.
ويهود اليوم والمتهودون فيه يمثلون ركازة الكفر وعبادة الطاغوت في أقبح صورها لأن اليهود ما كانوا يتبعون أحد أنبيائهم لفترة من الفترات حتى يكفروا به ويعودوا إلى الشرك بالله، وإلى عبادة الطاغوت، ولذلك حاربوا كل نبي بعث إليهم وحرفوا الرسالة التي أنزلت عليهم، ولذلك لعنهم القرآن الكريم كما لعنهم من قبل كل من داود وعيسى ابن مريم، وحتى التوراة المحرفة التي يتداولونها بينهم اليوم، والتي اخترقوا بها كنائس الغرب والشرق تلعنهم، وأسفار ما يسمى بالعهد القديم تلعنهم وتصفهم بالغطرسة الفارغة، والاستعلاء الكاذب، ومحاربة كل صورة من صور الحق، ونبيهم موسى يلعنهم في كتبهم المزورة وأسفار ما يسمى بالعهد الجديد تلعنهم، كما جاء القرآن الكريم بلعنهم وتحقيرهم، وذلك لأن اليهود كفروا بالله (تعالى) على زمن نبيهم موسى فعبدوا العجل، وكفروا بالله من بعد موسى فحرفوا التوراة وباعوها قراطيس للناس واشتروا بها ثمنًا قليلًا وكفروا بالله على زمن أنبيائهم العديدين فقاتلوهم وقتلوهم عدوًا بغير علم، وكفروا بالله على عهد نبي الله المسيح عيسى ابن مريم، فأنكروا نبوته، وشوهوا سمعته، وخاضوا في عرض أمه شرفها الله بكل اختلاق مشين وأعلنوا عليه حروب الشياطين تأمروا عليه، وأغروا الرومان بصلبه لولا أن الله (تعالى) نجاه من بين أيديهم، ثم اندسوا بين حوارييه وأتباعه من أجل تحريف رسالته، وكفروا بالله على عهد خاتم الأنبياء والمرسلين فنقضوا كل العهود والمواثيق التي أبرموها معه، وألبوا القبائل ضده، وتأمروا مع الكفار والمشركين عليه، وحاولوا قتله وسمه ولكن الله (تعالى) نجاه من كل مؤامراتهم الخسيسة، وأغرقوا في الدس عليه بالإسرائيليات الكاذبة، ولكن الله تعالى تعهد بحفظ دينه الخاتم فحفظ. وركازة الكفر هذه اتخذت من محاربه قضية الإيمان بالله غاية لها في الحياة، ومن تحريف رسالتي موسى وعيسى (عليهما سلام الله) وسيلة من وسائل الاستعلاء في الأرض، ومن التخطيط الشيطاني تحت الأرض ومن كل من الجريمة والرذيلة وسوء الاستغلال حرفًا احترفوها عبر التاريخ، فكرهتهم كل المجتمعات الإنسانية وأبغضتهم ونبذتهم، واضطهدتهم واعتبرتهم جنود الشيطان في الأرض وعبدة الطاغوت.
● يهود اليوم
ولكن ركازة الكفر المتمثلة في يهود اليوم استطاعت بمؤامراتها الدنيئة اختراق الكنيسة في الغرب، وإقناع أتباعها الجهلة أن المسيح (عليه السلام) لن يعود عودته الثانية حتى تقام لليهود دولة في أرض فلسطين، وفي غيبة تامة من وعي العرب والمسلمين رتبت الحكومة البريطانية فرض الوصاية على فلسطين لتقديمها لقمة سائغة لعصابات من حثالات الأمم ونفايات الشعوب ليقيموا دولة لهم على أرض الفلسطينيين دون أدنى حق ديني، أو عرقي، أو تاريخي، أو لغوي، مخالفين بذلك كل القوانين الدولية، والأعراف، والأخلاق، والقيم. ثم تولت الولايات المتحدة الأمريكية حماية هذه العصابات المجرمة بدعمها عسكريًا، واقتصاديًا، وإعلاميًا، وفي كل المحافل الدولية حتى ابتلعت غالبية أرض فلسطين، وأذاقت شعبها الأعزل ويلات الظلم والقهر والاضطهاد والتغريب والتعذيب والتشريد، وأغرقت هذه الأرض المباركة في بحار من الدمار والخراب والدماء والأشلاء، قتلت الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، واعتقلت عشرات الآلاف منهم في سجون للتعذيب الوحشي اللا إنساني، وهدمت المساجد والمدارس والمستشفيات والجامعات، وجرفت الأراضي الزراعية، واقتلعت الأشجار من جذورها وسطت على ممتلكات الناس، والعالم من حولهم يتفرج وكأن الأمر لا يعنيه وأمريكا تدعم هذا الظلم الفادح بلا حدود.
وصدق الله العظيم الذي وصف هؤلاء الشياطين من قبل ألف وأربعمائة سنة بقوله الحق ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيل﴾ (المائدة:60).
ولو لم ينزل في القرآن من حقائق الكون غير هذه الآية الكريمة لكانت كافية للشهادة له بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه بكل ما فيه من حق وصدق ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل