العنوان المشروع الإسلامي (٢ من6): الخصائص
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002
مشاهدات 85
نشر في العدد 1529
نشر في الصفحة 66
السبت 30-نوفمبر-2002
بعد أن عرضنا للنظرية التي يقوم عليها المشروع الإسلامي نعرض هنا لخصائص ذلك المشروع.
ينفرد المشروع الإسلامي بخصائص لا شبيه لها ولا مثيل بين سائر المشاريع الأخرى.. وسر هذه العظمة في المشروع الإسلامي أنه أحد تجليات الإسلام -ذلك الدين القيم- الذي ارتضاه الله تعالى للناس كافة وللبشرية جمعاء على اختلاف الأزمنة والأمكنة، فهو الملائم لاحتياجات الفطرة ومتطلبات الخلقة التي فطر الله الناس عليها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14). إن خصائص المشروع الإسلامي تجعله دائم التجدد والتألق، لا يعتريه القدم، ولا تنال منه الفتن والمِحن، بل إن التحديات تزيده قوة ومضاء. وحسبي في هذه العجالة أن استعرض بعض هذه الخصائص التي تؤهله لقيادة ركب البشرية، وزعامة نظام عالمي تسوده العدالة والمساواة والحرية.
ربانية المشروع
فالمشروع الإسلامي مشروع رباني لم يخالطه إسفاف بشري أو إنحراف وضعي.. وما الشقاء الذي تعيشه البشرية اليوم، والتخبط الذي تعاني منه المجتمعات والدول والأمم على امتداد العالم، إلا نتيجة قوامة المشاريع والنظم والقوانين الوضعية، القاصرة عن تحقيق السعادة والاستقرار والأمان للإنسان، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124).
أي من أعرض عن منهج الله الذي أرتضى لعباده فلن ينعم بالهناء بل ستكون حياته شقاء في شقاء؟
عالميته
والمشروع الإسلامي مشروع عالمي مع استيعابه للاعتبارات والخصوصيات القُطرية والإقليمية، وقدرته على تقديم الحلول المناسبة لها، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ 28). فإذا كان الإسلام قد كرّس عالمية الدعوة والخطاب والتشريع يوم لم تكن
في العالم وسائل اتصال وأدوات انتقال، فكيف بهذا العصر الذي يشهد ثورة غير محدودة في عالم الإنترنت والفضائيات حيث باتت المعلومة تعم الدنيا كلها بلمح البصر؟
وإذا كانت العولمة تعتمد تطويع العالم وتطبيعه قسرًا، فإن من حق المسلمين أن يلتقوا على مشروع عالمي لا إكراه فيه لأحد على اعتناقه اعتماده لأنه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
إنسانيته
والمشروع الإسلامي مشروع إنساني لا مكان فيه لتعصب وعصبية، فإنسانيته فوق كل الاعتبارات الطائفية والمذهبية والقبلية والقومية، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: «أيها الناس.. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء، كلكم لأدم وادم من تراب»، وفي موضع آخر يقول: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية.. دعوها فإنها منتنة».
بل إن إنسانية المشروع الإسلامي بلغت شأوًا لا يُرقي إليه حين ساوت في العطاء الرعائي بين عموم الناس، على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وإثنياتهم، من خلال قوله ﷺ: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى». وحين سجل الخطاب القرآني سبقًا في الانفتاح على الآخر، تعارفًا وحوارًا وتعاونًا، فقال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)
مرونته
ومرونة المشروع الإسلامي تمنحه القدرة على استيعاب مشكلات الحياة المتجددة والمتنوعة، فهي فتحت باب الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية فيما لا نص فيه، وفق قواعد القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها. إنه بسبب هذه المرونة في التشريع الإسلامي، شكلت حركة الفقه والفتوى -على مدار التاريخ- مخزونًا غير مسبوق، وتراثًا قل نظيره في العالم؟ حيث بات لكل قضية كبيرة ومفردة صغيرة دراسات مؤصلة ومفصلة.
شموليته
وإذا كانت مشاريع الآخرين -ليبرالية كانت أم راديكالية- قد استهلكها النظر والاهتمام في جانب أو جانبين من جوانب حياة الإنسان، كالجانب الاقتصادي على سبيل المثال، فإن المشروع الإسلامي يقوم على سد متطلبات الحياة الإنسانية كلها وبدون استثناء، ولكن وفق السُنن المعتبرة والفقهيات المقدرة، كفقه الواقع، وفقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه المصالح، وغيرها من الضوابط التي لا تستقيم الحياة وترشُد بدونها ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
104