; (لا تباع أرض الأنبياء) | مجلة المجتمع

العنوان (لا تباع أرض الأنبياء)

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993

مشاهدات 59

نشر في العدد 1069

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 05-أكتوبر-1993

كما جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ومثابة للناس وأمنا، وجعل حرم المدينة خيرا لهم لو كانوا يعلمون، كذلك جعل بيت المقدس مهبط الملائكة ومبعث الأنبياء ومعراج سيد ولد آدم إلى السموات العلا، ولتبيين الرابطة الوثيقة بينها قال تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: ١)، ﴿الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ٧١)، وهي أرض الشام قلبها النابض فلسطين المسلمة. قال صلى الله عليه وسلم: «يا طوبى للشام... تلك ملائكة الله باسطة أجنحتها على الشام تحفها وتحوطها بإنزال البركات ودفع المهالك المؤذيات». وإلى بيت المقدس تشد الرحال، ويضاعف فيه أجر الصلوات وكذا السيئات، ويخرج منه كيوم ولدته أمه، ويستحب الإحرام منه إلى الحج، والمجاورة له.

وفي بيت المقدس وأكنافه يرقد أكثر الأنبياء: إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى «قبره على رمية حجر من بيت المقدس إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» (رواه البخاري ومسلم).

وقد جمعهم الله تعالى مع سائر الأنبياء يصلون خلف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند مسراه في المسجد الأقصى. وهي أرض المحشر التي يساق لها الناس من قبورهم، وهي المكان الآمن لأهل الإسلام عند اشتداد الفتن، وفيه صفوة الله من خلقه آخر الزمان، وأن الله تكفل بالشام وأهله، والمرابط المقيم المحتسب فيه كالمجاهد في سبيل الله. «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قيل يا رسول الله أين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (رواه أحمد في الصحيح). «وأهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتوا إلا هما وغما» (صحيح).

ومن دلائل هذا أن الشام مقبرة الغزاة كالصليبيين والتتار، واليهود آخر الزمان إن شاء الله، وهي كالكير تنفي خبثها ونفاقها، وكأن منافقيها اليوم هم الذين قيل لهم بالأمس: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ (المائدة: ٢١- ٢٢)، فأهلك الله جيل الهزيمة في أرض التيه يتيهون في الأرض أربعين سنة ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسقين﴾ (المائدة: 26)، ونشأ بعدهم جيل العزة والنصر إن شاء الله بعد أربعين سنة من النكسات والهزائم. ولن يدخل بيت المقدس الدجال، وقد فتحه الصحابة بعد جهود عظيمة ودماء عزيزة في مؤتة التي مات فيها قادتها الثلاثة: زيد وجعفر وابن رواحة، واندقت تسعة أسياف في يد خالد بن الوليد، ثم تبوك، ثم جيش أسامة الذي حام حول فلسطين، ثم فتحه أبو عبيدة ومعه سبعة من قادة المسلمين هم: خالد وشرحبيل ويزيد ابن أبي سفيان والمرقال والمسيب وقيس بن هبيرة وعروة بن مهلهل. وتسلم مفاتيحه عمر الذي وجدوا صفته في الإنجيل واشترطوا تسليمه إياه، فوافقهم أبو عبيدة على الصلح وأعطاهم الأمان، فصارت فلسطين دار إسلام إلى يوم القيامة لا يجوز بيعها ولا رهنها ولا التنازل عن شبر منها، ومن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ولا يغير هذا الحكم حدوث عارض لها أو اغتصاب جزء منها لليهود، ولا يرفع عنها أهلها وجوب القتال لاسترداده وإن طال الزمان.

قال الشيخ رشيد رضا: «فعلى هذا الرأي يجب على مسلمي الأرض إزالة سلطان جميع الدول المستعمرة لشيء من الممالك الإسلامية وإرجاع حكم الإسلام إليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وعجزهم الآن لا يسقط عنهم وجوب توطين أنفسهم عليه، وإعداد ما يمكن من النظام والعدة له، وانتظار الفرص للوثوب والعمل» (١٠/ ٣١٦).

ملاحظة: كل النصوص مستند فيها إلى أدلة صحيحة ثابتة في كتب الحديث لم نعزها خشية الإطالة.

الرابط المختصر :