العنوان القوقاز.. بين تراجع روسيا وأطماع أمريكا وأوروبا (٥ من ٥) مظاهر دينية.. ودعوات طائفية
الكاتب شاميل سلطانوف
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 99
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 25
السبت 13-سبتمبر-2008
- بعض عادات وتقاليد أهل الجبال تتفق تمامًا مع الشريعة الإسلامية وتتشابك معها بشكل عضوي.
- الخلاف بين التيار الصوفي التقليدي وأنصار التشدد الإسلامي اتخذ شكل الصراع الحاد والمواجهة المسلحة.
- كثير من العمليات الإرهابية، يقف وراءها مسؤولون محليون لابتزاز موسكو، والضغط عليها!
منطقة القوقاز هي الحد والفاصل الجغرافي بين أوروبا ومنطقتي الشرق الأوسط والأدنى، وهي إحدى أهم المناطق الغنية بمصادر الطاقة الطبيعية «النفط والغاز» في العالم، ما يجعلها هدفًا ومطمعًا لكثير من الدول الكبرى.. وفي هذه الدراسة التي تنشرها المجتمع، على حلقات ما يكفي للدلالة على أهميتها الفائقة.
القوقاز منطقة متعددة الديانات والطوائف؛ حيث ينتشر الإسلام والنصرانية واليهودية بين الشعوب والمجموعات الإثنية التي تقطن المنطقة، وهو ما يترك بصماته الواضحة على الوضع السياسي الداخلي في شمال القوقاز.. ويلاحظ وجود اشتباك وتداخل كبير وعميق بين العقائد الدينية؛ حيث يعتنق السكان الروس القوزاق المذهب المسيحي «النصراني» الأرثوذكسي، وكذلك حال قسم من الأوسيتيين القربادين، في منطقة «موزدوك» وعدد قليل من «القاراتشيفيين»....
وهناك مجموعة صغيرة من القوزاق تعتنق المسيحية «النصرانية» من المذهب القديم، وعدد قليل من الروس يعتنقون المذهب البروتستانتي، بالإضافة إلى بعض الإنجيليين.. ويتبع الأرمن في شمال القوقاز. وبشكل تقليدي كنيستهم الجريجورية... وهناك العبرانيون والشات الذين يعتنقون الديانة اليهودية، ولكن الأغلبية السائدة في شمال القوقاز هم من المسلمين السُّنة.
عادات سائدة: واللافت أن الكثير من عادات وتقاليد أهل الجبال تتفق تمامًا مع الشريعة الإسلامية وتعاليم الدين وتتشابك معها بشكل عضوي، وهو ما كون تصورات إسلامية خاصة في القوقاز، وأشيع هذه العادات بفكر ومحتوى إسلاميين، ولهذا السبب بالذات أصبح الإسلام أقرب كثيرًا إلى قلوب المؤمنين البسطاء ومفهومًا أكثر بالنسبة إليهم.
وهناك الكثير من العادات السائدة التي يعدونها إسلامية بحتة، رغم عدم ورود أصل لها في القرآن ولا في السنة النبوية.. على سبيل المثال تقديس الشيوخ والعلماء وقصد المزارات والتقرب منهم والتوسل بهم، وغير ذلك الكثير، وهذه العادات بالذات تخضع في السنوات الأخيرة لانتقادات حادة من قِبَل الجماعات الأصولية المتشددة.
والأمر المريع أن الخلاف بين التيار الصوفي التقليدي في منطقة القوقاز وأنصار التشدد الإسلامي اتخذ شكل الصراع والمواجهة المسلحة، وذروة هذا العنف وقعت في شهري يوليو وأغسطس من عام ۱۹۹۹م، وانتهت بهجوم من جانب المسلحين الشيشان على الأراضي الداغستانية، بهدف فصل جمهورية داغستان عن روسيا الاتحادية.
وشهدت جمهورية قاراتشاي تشيركسيا موجة من محاولات لاغتيال موجهة ضد الشخصيات الرسمية ورجال الدولة، وتم اغتيال نائب رئيس الحكومة هناك والعديد من الوزراء ورؤساء السلطات المحلية. وتدهورت الأوضاع، واشتدت الاشتباكات والمواجهات بين المتشددين الإسلاميين والهيئات الأمنية، وبسبب ضعف هذه الأخيرة. اضطرت موسكو إلى التدخل بشكل مباشر للسيطرة على الوضع، وذلك عن طريق زيادة تواجد الجيش وقوات الأمن هناك.
ولكن العديد من الباحثين والخبراء السياسيين الروس يشكون في الأمر.. ويعتقدون أن الكثير من حالات النشاط الإرهابي في مناطق عدة من شمال القوقاز يقف وراءها مسؤولون محليون، ويستغلونها بعد ذلك لابتزاز موسكو والضغط عليها لخدمة مصالحهم، وهو ما يسمى الإرهاب الموجَّه...
السلفية في داغستان
ويظل الوضع الأكثر تعقيدًا في جمهورية داغستان؛ حيث يقوم السلام الاجتماعي النسبي والهش على منظومة معقدة ومتشابكة لتوزيع وتقاسم السلطات السياسية والثروات المادية بين المجموعات القومية والإثنية الرئيسة، وهي الأفارين، والدارغيين والكوميكيين، واللاكتسيين.
وقد شهدت داغستان في السنوات الأخيرة أكبر سلسلة من الأعمال الإرهابية؛ حيث تم اغتيال أكثر من ٥٠ شخصية سياسية محلية كبيرة بواسطة ما يسمى به الأعمال الإرهابية، الحقيقية منها والمزيفة «الموجهة»... وفي داغستان - كما في الجمهوريات الأخرى.
يرتبط قادة الأجهزة الأمنية وما يعرف بمؤسسات القوة بالمجموعات المحلية القومية والإثنية المتنافسة على السلطة، ولذلك تراهم سرعان ما يتهمون المنظمات الإسلامية المتطرفة، بارتكاب جرائم الاغتيالات السياسية المحلية.
وداغستان كانت المنطقة الأولى في روسيا، التي وصل إليها الإسلام وانتشر فيها ومنها، وفي الوقت الراهن ينبعث الدين الحنيف هناك بوتيرة متسارعة وقفزات كبيرة، وانفتح المجال لأتباع السلفية في القرى الجبلية النائية، وانتشرت هناك السلوكيات والمظاهر المتوافقة مع قواعد الشريعة الإسلامية.
وهناك أعداد كبيرة من السكان تنتقل باستمرار إلى السلفية الإسلامية، وتصبح من أنصارها، ويستغل الدعاة الأصوليون - وبمهارة فائقة المزاج الاحتجاجي السائد في المجتمع.. ويتزايد يومًا بعد يوم عدد الشباب في صفوف الجماعات المتشددة، ويدفعهم إلى ذلك الوضع المادي والاجتماعي الصعب والبطالة وتفشي الفساد في كافة أرجاء المجتمع، والفقر المتزايد، وعدم إمكانية مواصلة التعليم.
ورغم ذلك، فإن أغلبية سكان القوقاز لا تفضل الاتجاه السلفي، ولا تؤيد الانفصال عن روسيا، ويحاول رجال الدين التقليديون «المفتون والمشايخ» - بالتعاون مع السلطات الإقليمية وعن طريق كافة الوسائل والطرق بما في ذلك الوسائل والطرق العقدية - يحاولون التصدي والحد من انتشار التأثير السلفي على الناس..
ففي داغستان مثلًا، يتعاون مجلس المفتين مع هيئات السلطة؛ حيث يقوم المجلس بإرسال ممثليه «الشيوخ والملالي» إلى البلدات والقرى الجبلية النائية للدعوة إلى الإسلام التقليدي.. ونفس هذه الطريقة الدعوية موجودة في قاراتشاي، تشيركسيا التي يحاول البعض منذ عدة سنوات دفعها نحو طريق الحرب الدينية.
ولكن شيوخ الإسلام التقليديين سرعان ما يتوجهون إلى المدن والقرى على أثر الدعاة السلفيين، ويحاولون شرح وتفسير الدين وقواعده للناس البسطاء، وقلما يوجد بين هؤلاء الدعاة «الشيوخ والملالي الكبار في السن» من يعرف الدين وقواعده بشكل صحيح وهم غالبًا ما يكونون على قدر ضئيل من العلم والثقافة الدينية لدرجة يصعب عليهم معها التصدي لدعاية التيارات الدينية المتشددة.
مراقبة المساجد والمدارس
وليس من الصعب التكهن بأن الإثارة المستمرة على المستوى الإقليمي لموضوع الخطر الإسلامي، ووجود منظمات إسلامية سرية، تعطي السلطات المحلية وعلى الدوام إمكانية ابتزاز موسكو والسلطات الاتحادية ومطالبتها بمعونات مادية أكثر فأكثر، وكذلك لوضع العراقيل ومنع السلطات الفيدرالية من التحقيق والتقصي والبحث في وقائع الفساد الضخمة في الأجهزة المحلية والإقليمية.
وأصبحت أحداث مدرسة بيسلان المأساوية، في أوسيتيا الشمالية، عام ٢٠٠٤م سببًا جديدًا لتعقد وتوتر الأوضاع من جديد بين السكان النصارى الأرثوذكس والمسلمين في المنطقة، ورغم ضبط النفس النسبي الذي تميز به موقف الكنيسة الرسمية الأرثوذكسية. فقد أصر بعض القساوسة ورجال الدين على الإشارة إلى الجذور الإسلامية للإرهاب هناك، وطالبوا بإخضاع الخطب في المساجد والدروس في المدارس الدينية الإسلامية لمراقبة خاصة.. وبهذه المزاعم يجري في القوقاز - وبشكل واسع - اللعب بورقة الإسلام كوسيلة لزعزعة الاستقرار في الوضع السياسي الداخلي في روسيا، وتقويض الوفاق والسلام الاجتماعي بين مختلف القوميات داخل البلاد.
جماعات متشددة
هناك ثلاث مجموعات من الإسلاميين المتشددين في شمال القوقاز:
- الجماعات المقاتلة: وهي التي تشكل نواة الجماعات المسلحة غير الشرعية، وتهدف من خلال مقاومتها وصراعها المسلح مع الأجهزة الأمنية الفيدرالية والمحلية أن تستعرض أمام الجهات ذات الشأن خارج الحدود طرق تنفيذ وتحقيق البديهيات الأساسية في التشدد الديني، ومنها الجهاد الكبير ضد الكفار، والتكفير؛ أي معاقبة المرتدين من المسلمين، وبعض الشعارات التي يطلقونها، مثل النضال ضد فساد المسؤولين في أجهزة الدولة تجد صدى لها بين السكان...
ويسود جيل الشباب على التركيبة الديموجرافية للجماعات المقاتلة، وأغلبية عناصرها من الذين ولدوا بعد عام ١٩٨٠م، ولم يجدوا لأنفسهم مكانًا في حياة يسودها الفقر والبطالة، ويسيطر المحتالون والمجرمون ورجال الدولة الفاسدون على أهم المجالات المربحة فيها.
- رجال الدين ذوو المزاج المتشدد: الذين يدعون إلى الإسلام النقي الصافي، ويعتمد هذا المزاج في أساسه الأيديولوجي على البحث العلمي لبعض المسلمين ذوي الثقافة الدينية الذين تلقوا دراساتهم العليا في بعض الدول العربية والإسلامية.. وهؤلاء المثقفون غالبًا ما يكونون غير راضين عن سياسة موسكو والسلطات الفيدرالية في شمال القوقاز، وكذلك عن نشاط وعمل هيئات السلطة الإقليمية، ويزيد من سخطهم نظرتهم وعلاقتهم الشديدة السلبية نحو رجال الدين التقليديين المسلمين ونشاطهم الديني، وعادة ما يشكل أعضاء هذه المجموعات رافدًا لإمداد جماعات المسلحين بأفراد جدد.
- الحركات المعارضة في وسط الاتحادات الإسلامية الكبيرة في المنطقة: ويعود سبب ظهور هذه الحركات إلى التنافس بين مجموعات مختلفة من المؤمنين الملتفين حول القادة والزعماء الدينيين الذين يمتلكون موارد مادية وبشرية كبيرة وذلك في سبيل التأثير على النخبة السياسية في المنطقة...
وهذه الخلافات - التي غالبًا ما تحمل طابعًا قوميًّا وإثنيًّا، تدفع الزعماء الدينيين إلى الاتصال وإقامة علاقات مع الإسلاميين الأصوليين المعتدلين، ويتسم هذا النوع من الخلاف في داغستان بطابع واضح من الاستمرار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل