العنوان المجتمع التربوي (العدد 1235)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1997
مشاهدات 92
نشر في العدد 1235
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 21-يناير-1997
وقفة تربوية
حقيقة العزلة
يخطئ بعض الدعاة عند قراءتهم لبعض الأحاديث التي أشار فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعزلة عند الفتن، كحديث حذيفة بن اليمان وغيره، أو عند قراءتهم لبعض الكتب الإيمانية غير المنقحة، والتي يحث فيها بعض الصالحين على العزلة لصيانة دينهم، مما يجعلهم يقررون عزلة المجتمع، والتقوقع في المنازل والتخلي عن الكثير من الواجبات.
بينما يقول الرسول فيما معناه: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ويتحدث الإمام ابن الجوزي عن نفسه وتزيينها العزلة له فيقول في صيد الخاطر ص ٤١». «ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس الوعظ وتوبة التائبين ورؤية الزاهدين، إلى الزهد والانقطاع عن الخلق، والانفراد بالآخرة، فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان، فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون يبكون ويندمون على ذنوبهم، ويقوم في الغالب جماعة يتوبون ويقطعون شهور الصبا، وربما اتفق خمسون ومائة، ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة، فكأن الشيطان لبعد غوره في الشر رآني أجتذب إلى من أجتذب منه فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه ليخلو هو بمن اجتذبهم من يده».
وحتى عند الفتن الكبرى التي يخاف فيها المرء على دينه، يجب ألا تفهم نصوص العزلة بالانقطاع عن الخير، بل يجب أن تفهم بالانقطاع عن الشر، هكذا بينها ابن الجوزي في موضع آخر من صيد الخاطر، ص ٤٢؛ حيث يقول: «وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير، والعزلة عن الشر واجبة على كل حال، وأما تعليم الطالبين وهداية المريدين، فإنه عبادة العالم وإن من الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة والصوم عن تصنيف كتاب، أو تعليم علم ينفع لأن ذلك بذر يكثر ربعه ويمتد زمان نفعه.
أبو خلاد
الفجوة بين رمضان الماضي ورمضان الحاضر كيف نسدها؟
- الوحدة الإسلامية عنصر مشترك بين الانتصارات الرمضانية، والتمكين للإسلام لن يتحقق بدون هذه الوحدة.
القاهرة: نور الهدى سعد
مرت على أمتنا الإسلامية «رمضانات» كثيرة تحقق لها فيها التمكين وترسخت مكانتها الريادية وتفردها الحضاري عبر معارك فاصلة انتصر فيها المسلمون ليرتبط هذا الشهر الكريم في ذاكرة الأمة الإسلامية بالانتصارات، ويظل ذكره مرهونًا رغم أن الأمة تمر حاليًا بحالة استلاب حضاري، وتراجع سياسي، وتبعية اقتصادية، واغتراب قيمي واجتماعي، وغزو ثقافي وسفه إعلامي.
فالفجوة عميقة جِدًّا بين الرمضانين رمضان الماضي المجيد؛ حيث الصعود الحضاري للأمة الإسلامية ورمضان الحاضر حيث السقوط في مستنقعات الشراكة والسلام المزعومين.
هذه الفجوة، لماذا حدثت وكيف نسدها ليتعانق الرمضانان، ويصبح ارتباط رمضان بالنصر والتمكين الإسلامي تعبيرًا عن واقع وليس استدعاءً مشوبًا بالندم لماضٍ بعيد تزيده أوضاع المسلمين بعدًا؟
الإجابة تحمل بعض ملامحها السطور التالية:
تربية الإرادة:
يحلل د. أبو اليزيد العجمي - أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة- أسباب الفجوة بقوله: لقد فهم المسلمون من رمضان في الماضي معناه الحقيقي كتربية للإرادة وتجديد للإيمان ونفض لغبار الضعف البشري والأعراف المعوقة للتقدم وتدعيم لقدرة المسلم على أن يقول لا، لا للطعام والشراب والضروريات في نهار رمضان، ولا لأي تهديد يواجه أمته وعقيدته.
ويؤكد أن المسلم الذي يربي رمضان إرادته قادر على اتخاذ أي قرار سياسي لإنقاذ أمته وهو أجرأ مجاهد يقول نعم بملء فيه، لأي عمل يرفع من شأن عقيدته وعالمه الإسلامي، كما أن إرادة المسلم هي خلق مختبر في حضن عبادة الصوم التي تعينه على مقاومة أي تراجع حياتي، وهذا المفهوم يتجدد كل عام، والمؤمن في حالة يقظة كاملة؛ لأنه يصوم بنية والنية نوع من التيقظ والوعي، وحين يحاكي المسلم الأخلاق القرآنية، ويعايشها عبر السنة ودروسها يدخل معركة التحدي الحضاري قويًا متمكنًا.
ويستطرد د. العجمي مؤكدًا أن الأمة الإسلامية فقدت أو كادت أن تفقد روح الإرادة القوية، وصار المسلمون يمارسون عباداتهم بشكل حركي شكلي مفتقد للأبعاد الروحية والخلقية، وكأنهم يفعلون شيئًا اعتادوا عليه وألفوه دون أن يتغير منهم ما يجب تغييره، ويستدعي مقولة الشيخ جمال الدين الأفغاني: «الدين يمنحنا بعض الخصال منها الإباء»، مؤكدًا أن توظيف هذا الإباء أمر بالغ الأهمية، فالمسلم الأبي لا يقبل الذل ولا التبعية.
ثلاث حقائق:
وقد حدثت الفجوة، كما يقول أستاذ الفلسفة الإسلامية، عندما غاب عن الأمة الإسلامية، فهم دورها الحضاري، وفقدت رغبتها في الريادة، وقدرتها عليها أيضًا فحدث لها انهزام داخلي وتراجعات مطردة ولن تتلاشى تلك الفجوة إلا إذا عاد المسلمون إلى نقطة البدء ووعوا عدة حقائق:
أولها: أن الإسلام الذي صنع رجالًا مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وخالد ابن الوليد وغيرهم مازال قادرًا على صنع الرجال شريطة أن تترجم هذه الحقيقة إلى مناهج تربوية وخطط إعلامية وقرارات سياسية واقتصادية.
وثانيها: أن التاريخ – انتصارًا وانتكاسًا، محکوم بسنن ولن تجد لسنة الله تبديلًا فسنة الأخذ بالأسباب ضرورية لتحقيق النصر مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60)، والنكوص والهزيمة محكومان بقوله تعالى:﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ (الفتح: 10) فالأخذ بالأسباب والسنن الكونية ضروري جدًا لاسترداد المكانة الحضارية للمسلمين.
أما ثالث هذه الحقائق فهو الوعي التاريخي وإدراك الحضارات وتلك الأيام نداولها بين الناس، فقد حاول القرآن الكريم أن يغرس في الناس الوعي بالتاريخ، وبالزمن ماضيه وحاضره ومستقبله، وهذا رافد مهم من روافد المعرفة ووسيلة أساسية لاستخلاص العبر والدروس وتصحيح المسارات.
المدخل الحقيقي:
وللداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- رأي خلاصته أنه لا نصر إلا تحت راية الإسلام، ويستحضر معركة رمضانية تؤكد -وغيرها- هذه الحقيقة، هي معركة عين جالوت التي اندحر فيها الإعصار المغولي، وانتصر المسلمون بقيادة سلطان فارسي هو «سيف الدين قطز»، الذي صاح صيحته الشهيرة «وا إسلاماه» عندما كادت صفوف المسلمين تتمزق بسيوف التتار، فقد اعتز قطر بالإسلام فأعزه الله وذكر الناس بدينهم بعد نسيان، فأكرمهم الله بعد هوان فاستنباط القيم الإسلامية وتنزيلها على الواقع هو المدخل الحقيقي للنصر.
ويرصد د. محيي الدين الصافي -عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر- بعض انتصارات المسلمين التي حدثت في شهر رمضان بدءًا من غزوة بدر الكبرى مرورًا بفتح مكة، ثم عين جالوت وانتهاء بحرب رمضان ١٣٩٣هـ، مؤكدًا أن العنصر المشترك بين هذه الانتصارات هو الوحدة الإسلامية، وفهم سنة النصر، وهما بعدان غائبان اليوم، ولكي تعود للأمة الإسلامية مكانتها، ويتحقق لها التمكين لا بُدَّ من الاتحاد تحت راية الإسلام، والاعتصام بحبل الله لا الأحبال الدنيوية التي يتشبث بها المسلمون اليوم فينكصون على أعقابهم ويزيدون تراجعًا وترديًا يومًا بعد يوم.
أما د. يحيى إسماعيل الأمين العام لجبهة علماء الأزهر- فيرى أن الأمة الإسلامية ليست بحاجة إلى الأخلاق الرمضانية لتسترد مكانتها، بل إلى الأخلاق الإسلامية برمتها من رضا بقضاء الله، وإيثار وتوكل وإيمان بالغيب ومجاهدة للنفس، تلك الأخلاق وغيرها غابت بفعل مؤامرات طويلة استغرقت أجيالًا واستهدفت إبعاد الأمة عن مصدر قوتها وهو قرآنها الذي قال الله تعالى فيه لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم، فقد بعد المسلمون عن هذا الذكر وخدعوا وصدقوا أن ذكرهم وشرفهم في التبعية والمهانة والتعلق بأذيال القوى الاستعمارية وتابعيها في الدول الإسلامية ذاتها.
مزاحمة صور الانحراف:
ويضيف أن رمضان الذي من المفروض أن يكون مولدًا أخلاقيًا يشحن المسلم بالتقوى والإرادة والمراقبة طوال العام، صار شهر تسالٍ وملاهٍ ومناسبةٍ ترفيه وعبث واقتحام ضار للشهوات وامتثال مهين للحضارة المادية الشرسة.
ويضيف أمين عام جبهة علماء الأزهر أن المكانة الريادية للأمة الإسلامية لم تضع بين يوم وليلة، ولن تعود بين يوم وليلة، وصدق الرسول الله : «يولد الجور شيئًا فشيئًا فكلما ولد من الجور شيء غاب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف سواه، ويولد العدل شيئًا فشيئًا فكلما ولد من العدل شيء غاب من الجور مثله حتى يولد في العدل من لا يعرف سواه»، فإذا كان التراجع والميل قد حدث تدريجيًا، فالاستقامة والتقدم سيحدثان بالتدريج أيضًا من خلال غرس روح المواجهة والمجاهدة لكل صور الانحراف، بدءًا من الفرد وحتى الأمة، وتزكية السلوكيات الطيبة لتزاحم صور الانحراف، فاسترداد الهوية الحضارية ليس أمرًا تحققه الحروب العسكرية فقط، بل حروب أخرى في ميادين الأخلاق والسلوك اللذين يولدان صغيرين في قلوب العباد ويكبران شيئًا فشيئًا ليتسبدا ويحلا محل الانهيار القيمي والسلوكي.
وبعد فإن سد الفجوة الهائلة ليست مسؤولية جمعية فحسب، إنها تبدأ بالفرد المسلم والمجاهد الذي يعرف لرمضان قدره ويدرك دلالة الصوم وحكمته، ويعرف أنه مسؤول وغيره أمام الله عن إقالة أمته من عثرتها قدر جهده وأن الانتصارات الرمضانية تحققت بـ«الإنسان الرباني المسلم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل