العنوان غياب الهدف من حياتنا العلمية والعملية (٢من2)
الكاتب محبة الدين سماء
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997
مشاهدات 80
نشر في العدد 1250
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 20-مايو-1997
ما حجم البحث العلمي –الذي رأينا أنه ضرورة من ضرورات الحياة الإسلامية– في عقل المسلم عمومًا أو المسلمة خصوصًا إن التاريخ الإسلامي لا يبخل علينا بنماذج وشواهد تؤكد على اهتمام أهله بمثل هذا الفهم، فهم يسعون للعلوم حتى الرمق الأخير من حياتهم والشواهد على ذلك كثيرة، فهذا أبو الريحان البيروني العالم الفلكي الذي كان يجود بنفسه وهو على فراش الموت يحتضر، يدخل عليه فقيه فيبادره البيروني بمسألة ويلح عليهويناقشه طالبًا منه الإجابة والفهم فيرد عليه الفقيه أو في هذه الحال؟ فقال: لئن أترك الدنيا وأنا بهذه عالم خير لي من أن أتركها وأنا بها جاهل! أو كما قال - رحمه الله.
فلنوازن بين ذوي الغايات وأضدادهم من طلاب وطالبات جامعاتنا اليوم «يدرسون فيها أربع سنوات وبعضهم يدرسون دراسة ضعيفة فردية لا حضور ولا استماع ولا مناقشة ولا اقتناع ولا تطاعم في الأخلاق ولا تأسي ولا تصحيح لأخطائهم ولا تصويبولا تشذيب لمسالكهم، ويتسقطون المباحث المظنونة السؤال من مقرراتهم المختصرة ثم يسعون إلى تلخيص تلك المقررات ثم يسعون إلى إسقاط البحوث غير المهمة من المقررات بتلطفهم وتعلقهم لبعضالأساتذة فيجدون لدى بعضهم ما يسرهم وإن كان يضرهم وبذلك يفرحون»
ولسان الحال – مقابل ذلك – ينطق بشهادة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى لطائفة تعيش اليوم عصرها الذهبي، وظفت علمها وجهدها لخدمة غاياتها الكبرى، وحسبي أن أورد مثالًا واحدًا لايخفى على الجميع ذكره وهو ما كان من «وايزمان» اليهودي الذي وهب اختراعه لبريطانيا مسخرًا علمه لخدمة أمته مقابل مطلب مصيري واحد وهو إعطاء وعد من بريطانيا بإنشاء وطن قوميلإسرائيل «مجرد وعد» وقد تم له ما أراد.
والسياق يفرض علي طرح سؤال مكرور فنحن هنا نسأل عن دور أبنائنا وأين هم من كذا وكذا وإلى أي مدى يسافرون بعلمهم وعلى أي بعديتوقفون ولأي شيء يقصدون ويتوجهون؟!
وأراني ملزمة أن أسترجع كما أسترجع صاحب کتاب صبر العلماء قائلًا: «إنا لله من طلبة هذا العصر الذين يستعجلون قرع الجرس ليخرجوا من الدرس المؤقت بـ 50 دقيقة ميالين الأوقات راحة وأفضلها نشاطًا وأجمعها ذهنًا فيخرجون من قاعة العلم يرحم بعضهم بعضًا كأنهم يفرون من حريق أو ينطلقون من سجن ظالم قتال».
وأرى أنه من الأولى بي: گفتاة أن أسال... أین هي؟! لن أسجل عن دورها وإنجازاتها اليوم، بل أكتفي بالسؤال عن مدى وعيها بهذه الحقيقة؟ وما موقفها مما ذكر؟ ما حجم هذه الحقيقة من تفكيرها؟ ما مساحتها من اهتماماتها ما طبيعة قناعاتها الفكرية بتحويل ما تؤمن به نظريًا إلى إيمان عملي؟ ما الصورة التي رسمتها في مخيلتها للأدوار التى ستستقلها؟
إن ما تهتم به الفتاة اليوم بعيد جدًا عن مثل هذه الأمور....! هل الخلل يعود إلى فهمها بطبيعة الهدف؟!! أم الخلل يكمن بقوة إيمانها وضعفها بضرورة هدف نحيا لأجله أم لعدم إدراكها أبعاد تلك الفكرة؟ أم لسطحية ثقافتها التي أصبحت شكلًا من الأشكال غير المستهجنة اجتماعيًا أم أنه المجتمع الذي يطالبها بأن تنصرف لاهتمامات ضيقة أم لعدم عناية المناهج الدراسية بهذه الفكرةوالتركيز عليها؟ أم لفقداننا رعاية الفتاة المتعلمة ثقافيًا واجتماعيًا على المستويات الرسمية والمؤسسات التربوية والتثقيفية أم لعدم بناء والديها لها بناء يقوم على تصور صحيح لدورهافي هذا المجتمع؟
إن هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى ما نعاني منه الآن، نعم هناك معاناة نسائية غير مرئية الأسباب نرى أثارها من جراء غياب هذا الوعيعلى أصعدة عدة على صعيد الأمة الإسلامية عمومًا، على صعيد الزوج الطفل محيطها الاجتماعي، وظائفها التعليمية التربوية خصوصًا نعم إنها مسألة محسوبة برياضيات العلمو معادلاته، فإنسان دون غايات كبرى قوية صحيحة الجذور، سليمة التصورات مفهومة الأبعاد يعني ضعفًا أو خمولًا في النشاط العقلي، نتيجة ضمورالهدف العلمي، الأمر الذي يترتب عليه انصراف عن أمور جليلة إلى إهتمامات ضيقة، وبعد أن تصبح المرأة ذات مسؤولية لا نملك إلا أن نعظم لها المسميات ونضخم المصطلحات اللصيقة بطبيعة وظيفتها داخلالبيت، فهي المربية والمعلمة وإن لم نأخذ منهما سوى مسمياتهما، وهي صاحبة الرسالة وصانعة الأجيال والله أعلم بتكوينها ومستوى تركيبها الروحيوالفكري، وإن أصبنا كبد الحقيقة فهي منصرفة بما يشبه الكلية عن خصائص لصيقة بالتربية وشؤون قريبة من التوجيه والبناء، وهذا الحكم لم يتأت منفراغ فمن يطالع ما يقدم للمرأة شكلًا ومضمونًا من آدب وفكر مفهومًا كان أو توجيهًا، يستطيع إصدار حكم واضح عادل ليس بعيدًا عما ذكرت، نعم هناك صور مشرقة من نساء يضعن أولادهن بأعينهن ويحرصن على تعلم ما هو مفيد لجيل غد مسلم، ومع ذلك يظل جانب من حياتها لم تضأ مصابيحه بعد وهو تكون قناعات لديها بضرورة التنشيط العقلي والسعي العلمي وربط هذه الخدمات بغاية عظمى إننا تجمد طاقات مدخرة ونحول طاقات من حالتها الحركية إلى حالتها الكامنة عندما نجعل من هذه الحقيقة الغائبة أمرًا تكميليًا أو ثانويًا بالنسبة للمرأة، فالآذان مازالت تسمع من يقول: «جميل أن تتعلم المرأة لا بأس من تفوق المرأة، أمر حسن أن تحصل المرأة على درجة علمية».
إن من الضرورة بمكان أن تستغل المرأة طاقاتها العقلية وتوظفها بما يخدم نفسها وأمتها حتى تزكي عما وهبت إياه من عقل وفطنة وذكاء، وحتى تحصن مجتمعها من خطر محدق به فيما لو لم تزاول دورها بشكل صحيح.
فأين المرأة المسلمة في عالم الأدب؟! أين هي في عالم الطب والعلوم الطبيعية أين هي وفي... أين هي من مجالات شتى أهلتها إمكاناتها الشرعية والعقلية لارتيادها، وإن إضمار عقل الفتاة الفكري أو العلمي لن يعود على مجتمعاتنا بالخيروالنتائج التي يتمخض عنها هذا الإضمار لا تعد ولا تحصى ويكفي أن أذكر منها:
–اختلال كفتي ميزان المجتمع ثقافيًا وعلميًا «فوارق فكرية كبيرة بين الجنسين المتزوجين».
–خلل البناء الداخلي للأجيال القادمة.
–المرأة ثغرة كبيرة للأداء إذ ما زالت زاوية منزواياها مجوفة.
وأخيرًا فإن صرح – الحضارة الإسلامية الجديد مازال بحاجة إليه وإليها، لكي يقفا على خطالتجنيد ليواجها معًا ويدافعا معًا.
إن هذا الصرح بحاجة إلى السواعد القوية الشابة المتعلمة المتفقهة كيما يعتمد على نفسه في بناء نفسه من جديد.
إنه بحاجة إلى الجيل المتعلم بفرعيه فثمة برامج علمية كثيرة تنتظرهما، وهي في مسيس الحاجة إلى تأزر جهود النوعين حتى يعمرا ويشيدا وعلى نعم ربهم يشكرا وصدق الله العظيم القائل: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78) وهو قائل: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 165).