; الإيدز: إما الموت أو العفاف | مجلة المجتمع

العنوان الإيدز: إما الموت أو العفاف

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1987

مشاهدات 68

نشر في العدد 809

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 17-مارس-1987

  • «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» حديث شريف
  • حل أمراض العصر الجنسية ليس له طريق جذري سوى حقيقة واحدة هي «الوقاية خير من العلاج».

     هذا القول ليس لأحد من الوعاظ الإسلاميين، وإنما هو صيحة صدرت من الغرب أخيرًا، أظهرتها التجارب والمعاناة جراء ظهور مرض الإيدز الخطير (مرض فقد المناعة المكتسبة) الذي أصبح يهدد الشواذ والمنحرفين، ويلاحقهم في عقر دارهم للقضاء عليهم بصورة مرعبة، تشير الإحصائيات إلى أن «قرابة مائة مليون شخص قد يموتون متأثرين بهذا المرض حتى عام 2000 إذا لم يتم اكتشاف علاج حاسم له، ولذلك كلف البيت الأبيض الأمريكي رئيس الأجهزة الصحية الفيدرالية المستر إفريت كوب بوضع خطة لعلاج هذا المرض، فكانت وصيته بعد أن فقد الأمل في العلاج: «أن تعففوا أو استخدموا العازل»(1)، ولا أظن أن هذه الصيحة وغيرها توقظ الغرب وأتباعه بعد أن انغمسوا في الشهوات واتخذوها إلهًا من دون الله، وأشربت قلوبهم اللذة الحسية المادية التي غدت مبدأهم في الحياة، ولذلك فتطبيق هذه الصيحة تتطلب تغيير النظام الاجتماعي السائد عندهم من اختلاط، وملاهي، وخمور، وكل هذا ليس بشيء يسير، بالإضافة إلى أن هذا المرض الخطير قد سبقته عدة أمراض أخرى ولم يتعظوا بها، مثل: القلق النفسي الذي عم أكثرهم حتى أصبح مراجعة الطبيب النفساني كل شهر من متطلبات الأسرة، ومن مرض الزهري الذي قد يؤدي إلى الشلل والجنون والتشوه، وقد انتشر حتى وصلت النسبة عام 1972 في بريطانيا 10%، بل إن أحد المستشفيات في باريس استقبل في سنةٍ واحدة عشرين ألف حالة(2)، وغير ذلك كمرض السيلان إلى آخر هذه الأمراض وهو الإيدز الذي قد لا يكون الأخير، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾ (سورة المدثر: 31).

     فأين دور مثل هذه الصيحات في مثل هذا العالم المستغرق في الماديات؟ فما مثلها إلا كمثل شرارة تلمع في ليلة ظلماء، ولكنها بلا شك تعتبر إظهارًا لآية من آيات الله -تعالى- الدالة على عظمة ديننا الإسلامي، ودلالة واضحة على فساد التفكير البشري وتراجعاته أمام الحق الإلهي وتعاليمه السمحاء.

      فقد كشف الله -تعالى- عن بعض آياته للناس، ولا يزال يكشف الكثير منها ويريهم من المعجزات حتى يتبين لهم أنه الحق، وأن هذا الدين ما جاء إلا رحمة للعالمين ومنقذًا للبشرية، وأن السعادة الحقيقية في اتباع تعاليمه، فكلنا يعلم أن الغرب عمومًا في بداية نهضتهم الحديثة ارتدوا عن الحق، وكفروا بخالقهم، وحاولوا التخلص من كل ما هو منسوب إلى الدين، وصاغوا حضارتهم على أساس عارية الدين الحق، فنادوا بالإباحية الجنسية، وفسروا الحياة كلها على ضوئها، حتى ادعى فرويد أن مشكلة العالم من قلق واضطراب- تكمن في الكبت الجنسي، فعم  الفساد في الأرض، وشاعت الإباحية، حتى لم يبق أي ضابط ولا حدود لها، ونزل الإنسان إلى أدنى من مستوى الحيوان حتى أجازت بعض الدول رسميًا الشذوذ الجنسي، وباركته الكنيسة، بل أصبحت مأوى للمنحرفين، ولكن الله -تعالى- يشاء أن يثبت للعالم أجمع أن السعادة ليست في كل ذلك، وأن مفتاح الراحة والطمأنينة ليس في مثل هذه اللذات المحرمة، وإنما هو في الإيمان والسير على ضوء الله الذي رسمه للإنسان، فزاد من قلق الإنسان الغربي أكثر مما كان عليه، ومن أمراض وأوبئة ما لا خطر على قلب إنسان، حتى يعترف عقلاؤهم بأن هذه الأمراض الخطيرة من زهري، وسيلان، وإيدز قد ولدت على فراش الانحراف الجنسي، وترعرعت على الشذوذ، وأنه لا علاج إلا بالتعفف، فهل تتصور -أخي المسلم- أكثر من هذا؟ وهل تتوقع أكثر من هذا التراجع في الفكر البشري؟ ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53).

     وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أخبر قبل أربعة عشر قرنًا عن العواقب الوخيمة للبشرية إذا انتشرت فيهم الفواحش، حيث قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشي فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا»(3) وقال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط»(4).

أسباب هذا المرض

      ليس هناك شك في أن هذا المرض الفتاك قد ولد على فراش الانحراف الجنسي والبغاء والشذوذ، ومن زنا، ولواطية ونحوهما، وأعلن ممثلو منظمة الصحة العالمية أن عدد حاملي فيروس الإيدز الآن يتراوح عددهم ما بين خمسة وعشرة ملايين شخص(5)، وأن فيروسه سريع الانتشار؛ حيث يتم الانتقال عبر الاتصال الجنسي، والقبلة من الفم، أو عن الوراثة بعد الإصابة، أو نقل الدم، أو استخدام نفس الحقنة في تعاطي المخدرات.

 العلاج

      لا يوجد إلى الآن أي بارقة أمل في الحصول على العلاج لهذا المرض، ولم يتوصل المؤتمر الطبي العالمي الأخير الذي عقد في يوليو الماضي بفرنسا إلى أي شيء مشجع(6)، كما أنه ليس هناك أي أمل في الوصول إلى لقاح للوقاية منه في الوقت الحاضر، وإذا كان الطب الحديث قد أعيي في ذلك فكان الأولي به أن يبحث عن حل جذري حاسم وهو «الوقاية خير من العلاج»، والذي صرح به أخيرًا رئيس الأجهزة الصحية الأميركية، وهو التعفف، وهذا هو ما دعا إليه الإسلام؛ حيث أمر بالزواج، والعفاف، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة؛ -أي القدرة المالية والبدنية- فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» رواه البخاري ومسلم، وقال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النور: 33).

     وشدد الإسلام على من يعوق طريق النكاح سواء كان باسم المال أو الجاه والنسب، فقال -صلى الله عليه وسلم- محذرًا إياهم من العاقبة الوخيمة: «إذا جاءكم من ترضون عنه دينه وخلقه فزوجوه، وإن لم تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد» رواه ابن ماجه. ومن جهة أخرى فالإسلام إذا حرم شيئًا حرم جميع الوسائل الموصلة إليه، ويسد باب الذرائع سدًا محكمًا، فحرم الله -تعالى- الزنا والفواحش، وحرم جميع وسائلها أيضًا من نظر بشهوة، وقبلة، وخلوة ونحوها، أما نقل دم الكافر إلى المسلم فينطبق عليه -في نظري- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (التوبة: 28)، فقد قال علماؤنا الكرام إن المراد بالنجاسة هنا ليست نجاسة العين، وإنما النجاسة تعود إلى عدم احترازهم من النجاسات، والخبائث، والمحرمات، ولذلك ترى أن أكثر المصابين بالإيدز في العالم الإسلامي انتقل إليهم هذا الفيروس عبر نقل الدم، فالكافر مادام لا يخاف الله يرتكب الفواحش، ويأكل الخبائث، ومن هنا تتولد لديه أنواع كثيرة من الجراثيم الخطيرة، ومن هنا فالواجب على الحكومات الإسلامية والمؤسسات الصحية أن تمتنع، وتمنع منعًا باتًا شراء واستيراد الدماء من الدول الكافرة مطلقًا، وتحاول الحصول على دماء إسلامية عبر توعية كاملة، وأن تفسح المجال للدعاة المسلمين ليقوموا بأداء مهمتهم في توعية المجتمع، وتربية الفرد على مبادئ الإسلام، كما نطالب بوضع برنامج دقيق يشترك فيه الجميع، ويتحملون مسؤولياتهم نحو تطهير المجتمع من الرذائل عن طريق تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء التي هي كفيلة بذلك لا غير، كما نطالب بوضع ضوابط وحدود لسياحة الشباب وغيرهم في الدول الكافرة أثناء العطل، حيث تهدر الأموال الطائلة في سبيل لذة يكون ثمنها تحطيم الصحة والعقل، فيذهب الشخص -في الغالب- بصحة وعافية ومال وفير، ويرجع في الغالب صفر اليدين، وقد أصيب بعقله عن طريق المخدرات والمسكرات، وفي بدنه عن طريق الزنا والفواحش، وفي أهله وذريته عن طريق حمل الجراثيم الخبيثة إليهم، وفي ماله عن طريق الإسراف والقمار والبغاء، أعاذنا الله -تعالى- والمجتمع الإسلامي شر هذه المصائب، وهدانا حكومة، وشعبًا، وأفرادًا، وآباء، وأمهات، ومسؤولين للعمل بما هو خير لنا في دنيانا وآخرانا.

_______________

(1) صحيفة الراية القطرية في 21\1\1987

(2) يراجع رسالة الدكتور عبدالملك السعدي: العلاقات الجنسية غير الشرعية، ط. دار البيان العربي بجدة (1\327).

(3)  رواه ابن ماجه وغيره وفي الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به. سنن ابن ماجه، کتاب الفتن، حدیث رقم 4019، وذكره الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2\6). 

(4)  رواه ابن ماجه في سننه، كتاب الحدود، حدیث رقم 2563.

 (6) (5) مجلة الاعتصام، عدد الجمادي سنة 1407هـ.

الرابط المختصر :