العنوان زوجي هو ربة البيت.. فهل معاناتي مبررة؟!
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر السبت 01-يناير-2022
مشاهدات 90
نشر في عدد 2163
نشر في الصفحة 60
السبت 01-يناير-2022
استشارات أسرية
مكوث زوجي بالمنزل وقيامه بدور ربّة البيت انعكس على علاقتنا كلها
الأنثى منذ طفولتها تحتاج إلى الحنان والرعاية واللجوء إلى مأوى نفسي تأمن به
الصور الذهنية عن الذات تؤثر وتتأثر بالحالة النفسية للإنسان والدور الذي يقوم به في الحياة
أستاذي الفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا سيدة في نهاية الثلاثينيات، متزوجة من زميل لي بعد تخرجنا في الجامعة، وقد استطاع والده توفير فرصة عمل له بالخارج، طلبت من زوجي أن أعمل فوافق بشرط ألا يكون ذلك على حساب البيت أو إجهاد نفسي.
فعلاً وجدت فرصة عمل ممتازة، واستطعت أن أوفق بين البيت والعمل، لم يسألني زوجي عن دخلي، ولكنني عن طيب نفس كنت أصرفه كله تقريباً، ووجدت منه استحساناً لما فعلت، وكانت المدخرات في حساب مشترك بيننا.
زوجي يتمتع بخلق طيب، وتقريباً ليس لي عليه أي ملاحظة، غير أنه لا يطور من ذاته، حتى على المستوى المهني؛ ما أدى إلى أن جهة العمل أنهت عقده منذ حوالي 3 سنوات.
أما أنا فكنت طالبة متفوقة، وحريصة على أن أطور من نفسي في كافة المجالات، حتى بعد ما رزقنا الله تعالى بالأولاد كان هو يقضي وقته بعد عودته من العمل في اللعب معهم، وبعد نومهم يتابع دوريات الكرة أو الأفلام، لم أشغل نفسي بإهمال زوجي في تطوير نفسه، بل حرصت على تطوري مهنياً، من خلال الدراسة عن بُعد حصلت على الماجستير، بالإضافة إلى أحدث الدورات في مجال تخصصي، وبفضل الله حصلت على عدة ترقيات، وكان راتبي قبل إنهاء عقده أكثر من ضعف راتبه.
لم يمثل إنهاء عقده مشكلة مالية لنا؛ فراتبي كان يغطي -بفضل الله تعالى- كل متطلبات الحياة، بالإضافة إلى المدخرات، أما هو فقد جدّ في البحث عن عمل آخر، لكن لضعف قدراته المهنية لم يوفق، وبدأت طاقته في البحث تقل، حتى تلاشت عنده حتى مجرد الرغبة في البحث! لكنه بدأ يساعد في عمل البيت أكثر ويشاركني بنصيب أكبر في رعاية الأولاد والبيت، ثم فُوجئت أنه أعفى الخادمة من مهامها، وكان تعليله أنه لا يجوز شرعاً أن يكونا منفردين معاً في الفترة الصباحية، وقال لي: «لا تحملي همّاً».
حقيقة، في البداية كنت سعيدة جداً به لأنه كان يقوم بكل المهام المنزلية، حتى الأولاد تحسنت صحتهم ومستواهم العلمي؛ لدرجة أنهم كثيراً ما يشيدون بطبخه وأنه أفضل مني، حتى في علاقته بي، يهش ويبش لعودتي ويسرع لأخذ أي أشياء أكون قد اشتريتها ويساعدني في تغيير ملابسي، لأجد السفرة معدة لنا بمفردنا بعد ما يكون قد أشرف على تناول الأولاد لوجبة الغذاء وكل منهم في حجرته يدرس.
هذه الحال مستمرة منذ حوالي ثلاث سنوات، وهو مستكين! حتى عندما نخرج لشراء احتياجات المنزل أجده خلفي وأنا التي أساوم البائع وهو ينتظر لحمل الأغراض، حتى إنني وجدت نفسي بدون أن أشعر أو أتعمد أتقدم عليه عند دخول أي مكان، أو أصبح هو الذي يتراجع، لا أعلم!
قد تتساءل حضرتك: ماذا ينقصك؟ لقد سألت نفسي هذا السؤال، وكانت إجابتي: ينقصني..!
لا أعلم كيف أصف شعوري؟ كل ما يمكن أن تحلم به أي زوجة، يتصف به زوجي، ولكنني غير سعيدة، بل وفترت علاقتي به.
لقد انعكس مكوثه بالمنزل وقيامه بدوره -معذرة- كربّة بيت على علاقتنا كلها، حتى في العلاقة الخاصة، أشعر أنه يتحرج أن يبادر، ويبدو عليه الخجل، وكأنه ليس من حقه أن يطلب مني ذلك! كانت علاقتنا الحميمية ممتازة، وكنت في اشتياق له، وسرعان ما كنت أتجاوب معه، حتى لو نظر إليَّ بشوق، أما الآن فأتمنى أن يطلبني ويصر، يحاول وأتمنع.. لا بل يترك القرار لي، وإن قبلت ذلك في كل أمور حياتنا على مضض، فلا أستطيع التعايش معه في علاقتي الحميمية به، ليظل زوجي تحت الطلب إن أردته لبى.
هل أنا سيدة متبطرة لا تحمد الله على نعمائه، أم أن معاناتي حقيقية ومبررة؟ مع التأكيد أن معاناتي ليس لها علاقة بتكفُّلي بالإنفاق على البيت، أو من سوء خلقه، ولكنها من (...) بصراحة لا أعلم!
التحليل:
سبحان الله الذي خلق فسوى، خلق آدم وخلق منه حواء ليسكن إليها، وكان ابتلاء الشجرة، ليهبطا إلى الأرض، ويُبتلى آدم وكل الأزواج من بعده بالقوامة، ويكد الرجل في الأرض ويشقى؛ (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (طه: 117).
إن القوامة -كما أوضحنا في سلسلة المودة والرحمة الحلقة الثالثة على الموقع الإلكتروني لمجلة «المجتمع»- هي قيام الزوج بكل أمور زوجته بأن يوفر لها متطلبات الحياة الكريمة معنوياً ومادياً، والاختلافات النفسية والوظيفية في تكوين كل من الرجل والمرأة تؤهل كل منهما للقيام بدوره في الحياة؛ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14).
ولعل التكوين النفسي للأنثى هو الذي يعنينا الآن، خاصة أن الكثير يغفلونه؛ فالأنثى منذ طفولتها تحتاج إلى الحب والحنان والرعاية واللجوء إلى مأوى نفسي تركن وتأمن به، ورغم ما قد تبذله الأم، فإن الابنة مع نموها بفطرتها تلوذ بوالدها عند الخطر، ويكون الوالد هو الحصن والأمان النفسي لها، مهما حصلت على شهادات أو تبوأت من مناصب، وبعد الزواج يقوم الزوج بهذا الدور النفسي.
في المقابل، يهيئ التكوين النفسي للذكر منذ طفولته على الإقدام وتحمل المسؤولية، والتحليل النفسي لألعاب الأطفال ومتابعتهم يوضح دورهم في الحياة؛ فنجد البنات عادة ما يبنين بيتاً ويجلسن فيه ويمارسن ما يتعلق به من نشاط، في حين نجد للأولاد ألعاباً مرتبطة بالقوة وحب السيطرة؛ لذا فدور الزوج بالقوامة على زوجته أو بالولاية على أخته وابنته أو حتى أمه، ليس لقدرته البدنية في الحماية والعمل للإنفاق على أهله فقط، ولكن -وهو الأهم- هو تكوينه النفسي لقدرته لأداء الأمانة فيما ابتلاه الله به من قوامة وولاية.
إن الصور الذهنية عن الذات تؤثر وتتأثر بالحالة النفسية للإنسان، ومن ثم النشاط أو الدور الذي يقوم به في الحياة، والتحليل النفسي لهذا الزوج يبين أن مناعته النفسية ضعيفة، وأنه انسحابي وغير مبادر؛ فبعد فشله في الحصول على عمل، بدأ يبحث عن دور له، وساعدته زوجته على ذلك! كان لإتقانه دور ربة البيت أثر ظاهري في إسعاده بأنه يرد جميل زوجته المتولية الإنفاق، لكن هذا كان له أثر مدمر على نفسيته؛ فتكوينه النفسي كزوج غير مهيأ للقيام بهذا الدور -رغم إتقانه له- مما أدى إلى اضطراب في رؤيته الذهنية عن ذاته، أدت إلى تدنٍّ في تقدير الذات، أما عن الزوجة التي استحسنت في البداية «خنوع» زوجها، ثم عانت من اضطراب بسبب تكوينها النفسي كزوجة تهنأ وتطمئن تحت قوامة زوجها، فإذا بها تجد ربة بيت وزوجاً يخجل حتى من طلب زوجته، بل وينتظر مبادرتها!
إن اختلال الأدوار في الحياة الزوجية بما يتعارض مع التكوين النفسي، والدور الذي حدده الشارع الحكيم لكل من الزوج والزوجة، يؤدي إلى اضطراب في الصورة الذهنية عن الذات، وقد يحدث أن ينكفئ الإنسان على ذاته، وقد يصاب بانفصام الشخصية؛ فلا يعلم هل هو الدور الذي يقوم به أم الصورة الذهنية التي فطره الله تعالى عليها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أجمِلوا في طلبِ الدُّنيا فإنَّ كلًّا مُيسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ» (صحيح ابن ماجة: 1755).
الحل:
لقد ساهمت في مشكلتك أنت وزوجك؛ فقد كان عليك حثه ومتابعته حتى يتطور مهنياً، كما أنك ساعدته على الاستكانة والتفرغ للبيت.
فلا بد من وقفة مع زوجك، تبينين له فيها أن الهدف ليس فقط أنك أنت التي تنفقين على البيت، وأن هذا دوره، ولكن أيضاً لا بد من أن يعمل أي عمل، كما أنه عليك أن تساعديه في إعادة تأهيل نفسه من خلال دورات تخصصية.
وأود التركيز أنه ليس من المهم أن يشغل الوظيفة المناسبة، لكن المهم أن يعمل، وعليك بتشجيعه على استعادة خبرته وتطوير ذاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل