العنوان نقوش على جدار الدعوة .. الحركة الإسلامية .. والحاجة إلى التخطيط
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1249
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 13-مايو-1997
التخطيط الصهيوني: حين عقد مؤتمر بال بسويسرا سنة ۱۸۹۷م أعلن كبير الحركة الصهيونية «هرتزل» أن دولة إسرائيل ستقوم بعد خمسين سنة، وبعد مائة سنة ستقوم دولة إسرائيل الكبرى الممتدة- بحسب زعمهم- من النيل إلى الفرات، وبالفعل بعد خمسين سنة من هذا التاريخ قامت الدولة الإسرائيلية على اغتصاب أرض فلسطين من أيدي المسلمين وهي الآن تدعي أنها- في المنطقة على الأقل- دولة كبرى تحمي ثمارها، وتعلن بطشها وإرهابها، بعد أن فتحت أبواب كثير من العواصم العربية أمامها، فامتد نفوذها في كثير من البلاد المحيطة بها وصنعت أحزمة حول البلاد العربية تمتد من إسرائيل إلى إرتريا والحبشة، ومن إسرائيل إلى تركيا، ومن إسرائيل إلى البلاد الإسلامية التي كانت خاضعة للسيادة الروسية من قبل، ومن إسرائيل إلى جنوب شرقي آسيا وكأنها بذلك تقول إن لم تقم دولة إسرائيل الكبرى على الأرض كما خطط لها من قبل، فإنها بالفعل قائمة بالتأثير السياسي والضغط الدبلوماسي ومد الأيدي في عناق مع كل القوى المؤثرة في الأرض مستغلة ذلك لصالحها، وتحقيق مكاسبها على حساب العرب أجمعين.
هدف ووسيلة: وقد ساعد إسرائيل على تحقيق ذلك أمران: الأول تحديد استراتيجية ثابتة يؤمن بها ويدعمها ويعمل من أجلها كل من ينضم إلى الدولة العبرية في فلسطين المغتصبة، فيكون أحد أعضائها، أو كل من يناصرها من الخارج فيكون أحد الداعمين النشيطين لها، الثاني انتهاز كل فرصة متاحة واستغلال كل قوة تظهر وعقد تحالف معها بشكل علني أو سري من أجل تقوية ودعم إسرائيل المغتصبة والوقوف صراحة في وجه العرب المسلمين الذين اغتصبت بلادهم، ونهبت حقوقهم، وقد فعلت ذلك بريطانيا يوم أن كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، حيث ساعدت اليهود مساعدات عديدة غلفتها بغلاف من دبلوماسيتها المعروفة، تلك التي تقيد الإنسان وهو يظن أنها تطلقه، وتسلبه ما يملك وهو يظن أنها تعطيه مما أدى إلى قيام الدولة العبرية في حينها المحدد، وتفعله اليوم أمريكا بسياستها العلنية الجهيرة التي تقف في مجلس الأمن ترفع «الفيتو» مرتين متتابعتين في أسابيع محددة في وجه البلاد العربية لتقول بوضوح تام إنها المدافعة عن الرغبة الإسرائيلية والداعمة لموقفها، وإن سخط من سخط أو رضي من رضي.
نجاح هناك وإخفاق هنا: ومعنى هذين الأمرين أن التخطيط الدائم الآخذ في حسبانه تغير الرياح من قارة إلى أخرى وتغير النظم في كثير من البلاد العربية من ملكية إلى ثورية، وتغير ميزان القوى من نظام ثنائي يشتغل بالحرب الباردة إلى النظام الموحد الذي يفرض ما يشاء على من يشاء مع استمرار العمل على الوصول إلى الاستراتيجية الإسرائيلية المعروفة، رغم تغير الحكومات واختلاف الأحزاب حول الوسائل لا الغايات كان ذلك وراء النجاحات الإسرائيلية التي حققتها على الأرض المغتصبة، فإذا ما قلبنا تلك الصفحة إلى الصفحة المقابلة لها في الجانب الإسلامي، وجدنا غياب التخطيط الواعي المدرك لمتطلبات العصر وغياب العمل الجاد المانع من أن تحقق الصهيونية غرضها، وقد صدق من قال إن قوة إسرائيل هي نتيجة ضعف العرب ولو كانوا أقوياء ما تخطت إسرائيل طورها، وما عدَتْ قدرها، بل ربما لم تقم لها قائمة في بلادنا.
أما لماذا غاب التخطيط الواعي عن الدول العربية وغاب معه العمل الجاد كذلك؟ فلأن كثيرًا من الأنظمة التي ادعت الثورية نظرت لمصالحها الشخصية في الاستئثار بالحكم، وعملت ما استطاعت في سبيل تثبيت نفسها دون أن تنظر بالمثل لمصلحة شعوبها وأوطانها مخططة بالفعل لبقائها وخططت بالقول لبناء بلادها ورفاهية شعوبها، وبالطبع فالجائعون لا تشبعهم الكلمات والأوطان لا تبنى بالحروف والأصوات.
ومن أجل تحقيق هدف هذه الانظمة الأول- بل الأوحد- قدم أهل الثقة وإن كانوا يجهلون، وأبعد أهل الخبرة وإن كانوا يعلمون، ورد كل قول غير مناصر، وسفه كل رأي لصالح الجماهير، فغاب التخطيط وغاب العمل الجاد الذي له استراتيجية يسعى الناس نحوها، وتعاقبت الحكومات وكل حكومة تهدم ما أقامته الحكومة السابقة لتبني كما تزعم على أساس جديد فلا هي بنت، ولا هي تركت القديم على قدمه فأي تخطيط يرجى في هذا الجو الأثيم والواقع الأليم؟
التخطيط عند أصحاب المشروع الإسلامي: فإذا تركنا الأنظمة إلى الجماعات الإسلامية رأينا أحيانًا غياب التخطيط أيضًا أو قصوره لأسباب عديدة قد يكون بعضها مقبولًا في بعض الأحيان وقد يكون بعضها مرفوضًا، وترى أن على أصحاب المشروع الإسلامي أن يتخلصوا من معوقات التخطيط، وأن يأخذوا بالمعطيات الحديثة في التخطيط وما يتبعه من دراسات على غرار ما يفعل الاقتصاديون فيمايسمونه دراسة الجدوى.
ومن السنن الجارية في الكون من حولنا أن النتائج مترتبة علىالمقدمات وأن الأسباب قائمة على المسببات وأن لكل غاية شريفة وسيلة نظيفة تؤدي إليها، وما لم نعرف الوسيلة، ونحدد الغاية ونوضح الطريق بينهما فلن نصل إلى نتيجة صحيحة، لأن غياب التخطيط يؤدي إلى التخبط في العمل أو التناقض فيه، وقد يؤدي ذلك إلى أن نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.
إن الأخذ بالوسائل العلمية العصرية في مجال الدراسة والتخطيط للأعمال واجب شرعًا، ويجب ألّا يغيب عنا أن الصواب في الأعمال أصل قبولها في الآخرة وشرط نجاحها في الدنيا، وأن صواب الأعمال لا يتحقق إلا أن تكون أعمالنا وفق شروط الزمان والمكان، فالقيام بالأعمال خارج وقتها غير مقبول، كما أن إتيان النوافل بترك الواجبات من ضعف الفقه.
(انظر مقال المنطق التبريري، البيان العدد ٩١).
أهداف مرحلية محددة الزمان: ومع إيماننا بأن الحركات الإسلامية ملتزمة بالوسائل الشريفة التي لا يلتزم بها غير المسلمين والتي لا تجد الآن مناصرًا في عالم يسوده المكر الخفي والمصلحة وحدها، بل إن هذه الوسائل الشريفة تشن عليها الحروب مبطنة ومستترة والحركة الصهيونية لم تعرف، ولن تعرف الوسائل الشريفة لأن غايتهم قائمة على النهب والاغتصاب إلا أن هذا لا يمنع أصحاب المشروع الإسلامي من تحديد أهداف مرحلية على الأقل والسعي نحو تحقيقها في أزمنة معلومة مع أخذ حركة المتغيرات الدائمة في الاعتبار، بحيث يمكن تجاوز العقبات والسعي بخطى ثابتة نحو الغايات المحددة سلفًا بناءً على دراسة المختصين المخلصين.