; العلم فريضة إسلامية | مجلة المجتمع

العنوان العلم فريضة إسلامية

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2013

مشاهدات 74

نشر في العدد 2058

نشر في الصفحة 54

السبت 22-يونيو-2013

 هل آن لأمة الإسلام أن تتقدم ركب العلم كما كان السلف الصالح، حتى يبصر الشاردون المبعدون في تيه الضلال طريق الإيمان؟ هل أن لأمة الإسلام أن تسترد مجدها التليد وتحتل مكانتها اللائقة بين الأمم؟ إننا نعيش في عالم يشهد تقدماً علمياً وتكنولوجياً مذهلاً، وسبحان الله عَلَم الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (العلق)، وباتت مكانة الأمم تقاس بمقدار ما تسهم من العلم والتقدم، وأصبح تراجع أي أمة وتخلفها عن ركب الحضارة مؤشرا على انحطاطها العلمي وتفريطها في الأخذ بأسباب التقدم. وفي هذا السبيل برع الإسلام، وأعلى من شأن العلم، وأكد مكانته منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي على المصطفى ، قال تعالى: اقرأ باسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَى اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَمَ بِالْقَلَمِ عَلَمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمُ (العلق).

ومن هذا المنطلق تؤكد الآيات الكريمة أن العلم مفتاح الإيمان، ودليل العمل وطريق فهم الدين وأسراره، وماهية الدنيا وحقيقة الآخرة، ويقول القرآن الكريم في صراحة: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزمر: ۹) ، حتى قيل: إنه لا يعتد بإيمان المقلد، ولا بعبادة الجاهل، وفرق بين الجاهل والعالم وبين الجهل والعلم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (1) ولا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ) (فاطر). وبالقدر ذاته رفع الإسلام من مكانة العلماء، وبوأهم بخشيتهم لله في موضع شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابَ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (فاطر). وواضح أن العلماء هنا هم الذين يتدبرون هذه الآيات التي أودعها الحق جل شأنه فيما أشار إليه القرآن في عوالم الأرض، وفي الثمرات، وفي الجبال، وفي الناس، وفي الدواب والأنعام.. في كلمات قلائل، تجمع بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعاً، وتدع القلب مأخوذاً بعظمة قدرة الخالق، وتشد الإنسان شداً إلى أن يتدبر آيات الله في الكون؛ ومن ثم يدرك أن الآيات القرآنية الكثيرة الواردة في الحض على العلم، آيات الله في الكون، وتعرف أسرار الخالق، هي في الواقع توجيه للعقل إلى مجالات العلم الطبيعي وفق لغة العصر.

ولا تكاد تخلو آيات القرآن الكريم في عشرات المواضع من الحض على العلم والتدبر والتفكر والتأمل في أسرار السماوات والأرض وقصة نشأة الخلق ومراميها، وآلاء الله: قل انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (يونس: ۱۰۱)، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ (العنكبوت: ۲۰)، ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (الأنعام)، ومن آياته خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إن في ذلك لآيات للعالمين ) (الروم). ومن هنا تقدم سلفنا الصالح ركب العلم، وأنار الحياة للبشرية في كل المجالات، وقدم طريق البحث وروحه التي هي في صميمها التجرد للحق والصدق فيه، والاستمساك به والتعاون عليه، وبين في جلاء ووضوح أن العلم في الإسلام يشمل كل ميادين الحياة، وصدق الله العظيم: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (فصلت: ٥٣).

إنه وعد الله لعباده، ولقد صدق وعده فكشف عن أشياء من خفايا هذا الكون ومن خفايا الأنفس على السواء، في خلال أربعة عشر قرنا ، تلت هذا الوعد، وما يزال يكشف، وهناك أفواج وأفواج تتجمع من بعيد هذا الطريق، على الرغم من موجة الإلحاد الطاغية. ويروي ابن عبد البر بسند حسن عن أنس أن رسول الله قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم، ويروي الترمذي وغيره بسند حسن عن قيس بن كثير، قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك يا أخي؟ فقال: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ، فقال: أما جئت لحاجة؟ قال: لا، قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا، قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: فإني سمعت رسول الله يقول: «من سلك طريقا يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر». وختاماً؛ إن الإسلام دين يكرم العقل ويدعو إلى العلم، ويرفع من مكانة العلماء وكان لذلك كله كما يقول الطبيب المجد والباحث المتمكن د. راغب السرجاني: «أثر بعيد المدى في الدولة الإسلامية بعد ذلك حيث ولد نشاطاً علمياً واسعاً في مختلف ميادين العلم والمعرفة نشاطاً لم يعهد له التاريخ مثيلاً، مما جعله يحقق ازدهاراً حضاريا عظيما على أيدي علماء المسلمين ويمد التراث الإنساني بذخيرة علمية رائعة يظل العالم بأسره مديناً لها »، والله نسأل أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزدنا علماً وعملاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه .

الرابط المختصر :