العنوان مظاهرات اليوم العالمي لدارفور.. والنفاق الغربي المفضوح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1770
نشر في الصفحة 5
السبت 22-سبتمبر-2007
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة:120-121).
التظاهرات التي شهدتها عدة دول أوروبية وأمريكية، يوم السادس عشر من أكتوبر الجاري، بمناسبة ما سمي بـ«اليوم العالمي من أجل دارفور»، كشفت إلى أي حد وصل التلاعب الاستعماري بالقضايا الإنسانية للتخديم على مخططاته، ومشاريعه الرامية لابتلاع الدول، ونهب ثرواتها، واستعباد شعوبها.
فقد بدا مشهد تلك المظاهرات إنسانيًّا تمامًا.. تنظيمًا وشعارات وخطبًا، حيث أشرف على تنظيمها ثلاثون منظمة إنسانية وحقوقية، أما الشعارات، فقد كانت تطالب بسرعة إرسال قوات دولية إلى دارفور لحماية أهلها من القتل والإبادة -وفق الشعارات المرفوعة- وقد وصلت الخطب التي ألقيت في تلك التظاهرات -محدودة العدد رغم تنظيمها في عدة دول- حدًّا من البجاحة والكذب، حيث شبه رئيس الجالية اليهودية في بريطانيا ما يجري في دارفور من إبادة -وفق قوله- بما جرى لليهود خلال المحارق النازية!!
هكذا بدا مشهد تلك المظاهرات كفعالية سياسية في الظاهر بينما تحركه من خلف ستار الدوائر الصهيونية والاستعمارية، تحت شعارات إنسانية، وباستخدام منظمات حقوقية.
ومن هنا فإن تلك التظاهرات جاءت كحلقة من حلقات الضغوط السياسية والإعلامية المتتالية، والتي تعمل منذ سنوات على تشويه الدولة السودانية وتصويرها كمنتهك لحقوق الإنسان... وما الحملات التي اتهمت السودان زورًا بتجارة الرقيق.. والإبادة الجماعية في جنوب السودان وفي دارفور منا ببعيد.
وإن تلك الحملات الإعلامية، والضغوط السياسية، تتواكب دائمًا مع المساعي الأمريكية والغربية لفرض عقوبات دولية على السودان، عبر الأمم المتحدة لإجباره على قبول إدخال قوات أجنبية إلى أراضيه، لتقوم فيما بعد بمهمة قوات الغزو الأمريكية للعراق نفسها.
ومن ناحية أخرى فإننا نلفت الانتباه إلى إن المشاعر والقيم لا تتجزأ.. فلا ينبغي-إن كانت هناك مصداقية- أن تشتعل تلك المشاعر حمية وحماسة مع قضية دارفور التي تدين أي انتهاك فيها لحقوق الإنسان، وتتبلد المشاعر نفسها، ويموت معها الضمير الإنساني، وتصاب الآلة الإعلامية والسياسية بالخرس والصمم مع قضايا وأوضاع أشد بأسًا.
ففي العراق مثلًا، يتعرض الشعب لإبادة حقيقية وتتعرض الدولة بكاملها للتفتيت والتدمير والخراب، وقد نقلت وكالات الأنباء عن صحيفة الجارديان البريطانية يوم الأحد 16/9 الجاري، أن ضحايا الغزو الأمريكي للعراق بلغ مليونًا و200 ألف مدني منذ بداية الغزو في مارس ۲۰۰۳م، إضافة إلى ٤ ملايين لاجئ وفق وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتفيد منظمة أوكسفام البريطانية، أن هناك ٨ ملايين عراقي في حاجة ماسة إلى مساعدات طارئة!
وليس الوضع في فلسطين بأحسن حالًا من العراق، فالشعب الفلسطيني يتعرض منذ ما يقرب من قرن من الزمان إلى حملة إبادة وتشريد ممنهجة ومنظمة بأيدي الصهاينة، وبالعتاد والسلاح الغربي.
كما أن ما يجري في أفغانستان، والصومال، والشيشان، من حروب إبادة على أيدي الآلة الحربية الغربية، وسط صمت الساسة والإعلام الغربي يفوق ما يجري في دارفور بأضعاف مضاعفة، ومع ذلك فإن الصمت المريب يصيب الساسة والإعلام والحكومات حيالها!!
بل إن تقارير دولية غربية اتهمت الغرب صراحة بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، فقد أعلن الاتحاد الدولي لمعاهدة «هلسنكي» في تقريره السنوي لعام ٢٠٠٦م أن «الخطر المطلق للتعذيب وسوء المعاملة، جرى تجاهلهما بشكل واضح من قبل غالبية الدول الأعضاء في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بالإضافة إلى الأنظمة التي لديها باع طويل في التجربة الديمقراطية».
أيهما أولى إذا بالتحرك والاحتجاج؟.. مأساة دارفور-التي ما زال الوضع فيها ينحصر في خلاف، أو صراع داخلي بين أبناء الوطن الواحد- أم فلسطين، والعراق، وأفغانستان، والصومال، والشيشان، التي تتعرض شعوبها لإبادة حقيقية على أيدي الذين يتباكون اليوم على دارفور... إنه النفاق بعينه، واستغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق الأطماع الاستعمارية، وإن تاريخ الاستعمار الأسود يثبت ذلك بالوقائع. فقبل ألفي عام كان شعار الحروب الإغريقية والرومانية هو إلغاء الهمجية، ولكن الدولتين ارتكبتا همجية أشد، وفي القرن السادس عشر أدان الأوروبيون جرائم الإسبان ضد الإنسانية، مع الهنود الأمريكيين، لكنهم –الأوروبيين- ارتكبوا جرائم أشنع عند هجومهم على الإسبان وضد الهنود الأمريكيين، وفي القرن التاسع عشر انتقد البريطانيون الحرب التي ارتكبها الروس والنمساويين، بينما كانوا يمارسون جرائم أشد ضد الإيرلنديين... وهكذا.
إنه النفاق... والتجارة الرخيصة في الأزمات الإنسانية؛ تحقيقًا للأطماع الاستعمارية.