العنوان العلاقات الصهيونية - الأفريقية والمصالح الفلسطينية
الكاتب محمود صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 932
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 12-سبتمبر-1989
«على نفسها
جنت براقش» هذا المثل العربي هو أول ما يتبادر للذهن، عند سماع إعادة تحسن
العلاقات بين الكيان الصهيوني والدول التي كانت قد قطعت العلاقات معه بعد حربي
1967، و1973م؛ حيث إن تحسن بعض العلاقات العربية- الإسرائيلية هو السبب الأول في
ذلك، وإذا كان من الممكن أن نملأ الأرض شجبًا وتنديدًا بمثل هذه الهجمات
الدبلوماسية للعدو الصهيوني قبل سنوات، فإننا الآن لا نملك سوى الصمت المطبق؛
لأننا سبب عودة هذه العلاقات، ومن كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة! ورغم
أن هجمات- السلام الفلسطينية- كما يتصورها البعض- قد أحرجت الكيان الصهيوني، غير
أنها قدمت له ما سال له لعاب مؤسسي الصهيونية العالمية سنين، وذلك من خلال
الاعتراف الفلسطيني بكيان دولة «إسرائيل»، فانطلقت وزارة خارجية العدو تحسن
علاقاتها مع دول العالم الثالث وخصوصًا أفريقيا بحجة أن أصحاب الأرض قد اعترفوا
بها، فما بال هؤلاء الأغراب في أفريقيا يصرون على مناطحة الصخر!
ما
أهمية أفريقيا؟!
يتصور البعض أن
الدول الأفريقية، وكافة دول العالم الثالث، دول معدومة التأثير في الأحداث
الدولية، فهي دول تعيش على هامش الأحداث، ولا دور لها في هذا العالم سوى متابعة
أحداثه بالاستماع فقط، وإذا كان هذا جزء من الحقيقة، فإن المثير في الأمر هو
مبررات الحرص الصهيوني لتوطيد العلاقات مع دول أفريقيا، وإذا كان هناك ثمة مبررات؛
فلا شك إنه يندرج ضمنها ما يلي:
الدول الأفريقية
عمومًا، كجزء من العالم الثالث، يوجد بها تخلف علمي، ولا تكاد تلمس طريق التطور
الصناعي والحضاري، وبالتالي فهي مجرد أسواق استهلاكية ومتجه لأنظار التجار والصناع
في العالم، من أجل تسويق منتجاتهم وبضاعتهم، وهذا المبرر لا بأس به، ويمثل أهمية
بالغة للكيان الصهيوني الذي يعاني من أزمات داخلية كثيرة.
موقع الكيان
الصهيوني في وسط قلب العالم العربي، يجعله يجد صعوبة كبرى في تسويق بضائعه
ومنتوجاته، ولعبت المقاطعة العربية دورًا- لا بأس به- في تضييق الخناق على اقتصاد
العدو؛ مما جعله يفتش عن مناطق أخرى لتسويق بضائعه، ولا شك أن أفريقيا تمتاز
بقربها للكيان الصهيوني.
تعيش بعض الدول الأفريقية
أجواء مشحونة بالخلافات الداخلية والخارجية، مما يجعلها بحاجة لمن يساعدها في
الحفاظ على أمنها الداخلي والخارجي، وقد قام العدو الصهيوني بإرسال الخبراء لبعض
الدول الأفريقية؛ لمساعدتها في المجال الأمني والعسكري، ناهيك عن بيع الأسلحة لهذه
الدول، وتدريب جيوشها على كيفية استخدام هذه الأسلحة.
كما أن دولة
العدو تريد دائمًا أن تكون قريبة من مواطن الثروات الطبيعية الخام التي تستطيع أن
تحصل عليها بأسعار منافسة من خلال الاتفاقيات الاقتصادية التي تقدمها للدول الأفريقية،
ناهيك عن بعض المعادن الضرورية المتوفرة في القارة السوداء، والتي يحتاجها الكيان
الصهيوني لتطوير أسلحته الذرية والنووية والكيماوية؛ مما يبعدها عن وسائل الضغط
العالمية، من خلال حصولها مباشرة وبشكل ذاتي على هذه المعادن الضرورية.
يوجد في بعض هذه
الدول جاليات يهودية، مازال الكيان الصهيوني يفكر في كيفية تهجيرها إلى فلسطين
المحتلة؛ ليزيد بذلك تعداد السكان اليهود مقابل الزيادة الفلسطينية الكبيرة في
تعداد السكان، ولا أدل على ذلك من هجرة «الفلاشا» للكيان الصهيوني من إثيوبيا عبر
السودان في ظل الحكم العسكري الماوي السابق.
ويحرص الكيان
الصهيوني على الخروج من العزلة الدولية التي يعاني منها، بسبب تشريده للشعب
الفلسطيني واحتلال أرضه بالقوة، ويحرص كذلك على توسيع دائرة نشاطه الدولي، فيزداد
اقتناع الناس بأهدافه، وبالمقابل معاداتهم للدول العربية وعدم تقبل مبرراتهم
ومسوغاتهم لمقاطعة الكيان الصهيوني، وهذا يقضي بدعم هذه الدول وتأييدها لدولة
العدو في المحافل الدولية، وبالتالي تواجه الدول العربية صعوبة لا بأس بها في
إقناع الرأي العام العالمي بوجهات نظرها، وهذه قضية تحرص عليها جميع الدول في عالم
اليوم.
وبناءً على ما
تقدم فقد استطاعت «إسرائيل» أن تغتنم الفرصة، وتستغل مبادرة السلام الفلسطينية،
واعتراف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف) بدولة الكيان الصهيوني، فأعادت
علاقاتها الديبلوماسية مع زائير، وليبيريا، وساحل العاج والكاميرون وتوغو وكينيا،
وطورت بعض علاقاتها مع دول أفريقيا من خلال بعض الاتفاقيات الخاصة، فقد ذكرت جريدة
القبس في 12/ 7/ 1988م أن متحدثًا باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أن «إسرائيل»
وزائير اتفقنا على دفع العلاقات بينهما في ميادين التعاون العسكري والاقتصادي
والزراعي والتجاري، وأنها سترفع حجم استثماراتها في زائير، وستساهم في تطوير
البنية التحتية لقطاعي البناء والزراعة، وأن زائير ستفتح غرفة تجارة ومكتبًا
سياحيًّا في تل أبيب، وفي نيروبي ذكرت صحيفة الأنباء في 26/ 8/ 1989م أن الكيان
الصهيوني وقع مع كينيا اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتقني تساعد «إسرائيل»
بمقتضاها كينيا في استصلاح مساحات واسعة من الأراضي.
المصالح
الأفريقية!
ويتساءل البعض
عن سبب سقوط الأوراق الأفريقية من أيدي العرب واحدة تلو الأخرى دون أن يكون لهم
موقف إيجابي يذكر، وحتى لا يكون الجواب مخالفًا للواقع نترك الدول الأفريقية نفسها
تجيب عنه ممثلة بالرئيس الكيني دانييل أراب موي الذي هاجم دولًا عربية لانتقادها
قرار كينيا استئناف العلاقات الديبلوماسية مع «إسرائيل» قائلًا: «إن هذه الخطوة
أعقبت اعتراف «م. ت. ف» بحق «إسرائيل» في الوجود (السياسة 2/ 1989م).
ثم جاء الجنرال
جوزيف جاربا، وزير الخارجية السابق وسفير نيجيريا لدى الأمم في كتابه «النضال
الدبلوماسي»؛ ليضع النقاط على الحروف، ويكشف أن الدول العربية تعهدت بمجموعة ضخمة
من برامج المساعدات لأفريقيا، ولكنها عادت ونكصت عن تعهداتها، واستثنى من ذلك
الجزائر وليبيا رغم أنهما قدما غنائم حرب قديمة وبعض البنادق غير الصالحة
للاستعمال. واستطرد قائلًا: «إن حكومات إفريقية تدرك بوضوح قيمة المساعدات، وخاصة
الفنية منها التي تلقتها هذه الحكومات عندما كانت تقيم علاقات مع «إسرائيل»، وكما
كتبت جريدة القبس في 17/ 2/ 1989م يذهب إلى القول بأنه لا يمكن أن تظل علاقاتنا
الثنائية مع «إسرائيل» مرتبطة إلى أجل غير مسمى بموقف عربي بحت!
أين
المصالح العربية؟!
من خلال ما سبق
اتضح لنا أن كلًّا من «إسرائيل» ودول أفريقيا كانت دائمًا تبحث عن مصالحها وتحقيق
أهدافها القومية، فأين موقع المصالح العربية عمومًا، والفلسطينية على وجه الخصوص؟
هل كانت سياسة «م. ت. ف» تنظر إلى المصلحة الكبرى، عندما راهنت على الموقف
الأوروبي والأميركي؟!
وبغض النظر عن
نتيجة الحوار الأميركي- الفلسطيني السلبية والموقف الأوروبي المقيد بالموقف
الأميركي، فإن مما لا مجال للشك فيه أن نتيجة هجمة السلام الفلسطينية مازالت تصب
حتى الآن في جيب الكيان الصهيوني الغاشم، فإلى متى يبقى الوضع على ما هو عليه أخي
القارئ؟
وهل تعتبر «م.
ت. ف» بهذه الإرهاصات الأولية، فتسلك طريق الشعب الفلسطيني، وتنسى هجوم السلام
الفلسطيني، لا شك أن هذا يحتاج لمواقف جريئة وشجاعة، وحتى ذلك الحين سيستمر الشعب
الفلسطيني في إسقاط إستراتيجية السلام الفلسطينية من خلال الانتفاضة المباركة
وتصعيد فعالياتها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل