العنوان الرهان على الانسحاب السوري من لبنان
الكاتب رامز الطنبور
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 95
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 11-يوليو-2000
راهن الإسرائيليون في عملية انسحابهم من لبنان على جملة أمور منها ما هو داخلي خاص بلبنان كالفتنة الطائفية، وتجريد سلاح المقاومة، مما يضعف الوضع اللبناني إلى أبعد حدود ويعيد الذاكرة إلى ما قبل أحداث 1975م التي عصفت بكل لبنان، وخاصة أن أهالي الجنوب والبقاع الغربي لم يستوعبوا بعد الصدمة الإيجابية التي أزاحت عنهم عبء الاحتلال على مر ربع قرن من الزمن تقريبًا.
أما الشأن الاستراتيجي الذي تتطلع إليه (إسرائيل) من وراء انسحابها من لبنان فهو تحقيق الانسحاب السوري التام في أسرع وقت ممكن، وتسخر لأجل ذلك طاقاتها الدبلوماسية وعلاقاتها الخارجية وتأثيرها على بعض الفئات اللبنانية التي من الممكن أن تحمل لواء هذا المطلب وتنشره في المحافل الدولية والإقليمية نحو مزيد من الضغط على سوريا إبان كلام أكيد حول العودة القريبة لاستئناف المفاوضات السورية- الإسرائيلية التي لم تتوقف بل بقيت في مستوياتها الدنيا.
المحاولات الإسرائيلية لإضعاف الموقف رامز الطنبور السوري في المفاوضات تدفع بقوة نحو إبراز الوجود السوري في لبنان وكأنه كان رديفًا للاحتلال الإسرائيلي، وبهذا المنطق فإن سوريا تفقد مبرر وجودها على الأراضي اللبنانية بعد الانسحاب الإسرائيلي، مما يعني أن الورقة اللبنانية المهمة استراتيجيًا وأمنيًا وتفاوضيًا سوف تسقط من يد السوريين، وهذا ما يسعى إليه الصهاينة بالتناغم مع الولايات المتحدة وبعض القوى في الداخل اللبناني، ومن هنا بدأت اللهجة الأمريكية الإسرائيلية تظهر الوجود السوري وكأنه المشكلة الأبرز في لبنان وذلك بإعادة الاعتبار لقرار مجلس الأمن 520 الصادر عام 1982م الذي يتحدث عن انسحاب الجيوش الأجنبية من لبنان، وهو ما أكدته من جديد وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت رغم أن المجتمع الدولي الممثل بالأمم المتحدة لم يحرك هذا الموضوع لأنه لا يزال يبحث في مصداقية الانسحاب الإسرائيلي وحقيقة حجمه.
وبنفس الخندق تتحرك بعض المجموعات اللبنانية في الداخل والخارج مطالبة بإنهاء الاحتلال السوري، ويضيف بعض اللبنانيين الذين سبق لهم أن تعاملوا مع العدو الإسرائيلي المطالبة بانسحاب كامل الجيوش الأخرى من فلسطينية وإيرانية؟!
أمام تلك المواقف يتضح الموقف الرسمي للدولة اللبنانية الذي أكده مؤخرًا رئيس الوزراء اللبناني الدكتور سليم الحص بقوله: «إن الوجود العسكري السوري في لبنان هو وجود شرعي ومؤقت في آن»، وذكر بظروف دخول القوات السورية إلى لبنان حين قال: لقد جاء الإخوة السوريون إلى لبنان بطلب من رئيس أسبق للجمهورية «ويعني به الرئيس سليمان فرنجية»، وتكرس ذلك في مؤتمر قمة عقد في القاهرة، وليس هناك أي مشكلة بين البلدين الشقيقين حول هذا الوجود كما يحاول البعض أن يتصور، وهذا ما أكده كلام الرئيس اللبناني أميل لحود بأن «لبنان وسوريا كحكومتين تجتمعان وتتفقان على كيفية وتوقيت انسحاب سوريا من لبنان وتفعلان ذلك بما يؤمن مصلحة لبنان وليس (إسرائيل)».
إن إثارة موضوع انسحاب القوات السورية من لبنان في هذه الآونة توقيت إسرائيلي بلا شك تنظر الحكومة الإسرائيلية من ورائه إلى تحقيق أكبر عائد سياسي ودبلوماسي لها ينعكس إيجابًا على مفاوضاتها إن مع السوريين أو مع الفلسطينيين.
فهل انتهى الدور السوري في لبنان؟ وهل سيرفع عنه الغطاء العربي والدولي؟
مهما اختلفت الآراء حول الدخول السوري إلى لبنان فإنه جاء نتيجة مباشرة لزيارة الرئيس اللبناني الأسبق سليمان فرنجية وزعماء لبنانيين معه ومطالبتهم بدخول سوريا مخافة تمكن القوات الفلسطينية من السيطرة على عمق المناطق النصرانية، فكان دخول القوات السورية عام 1976م، ثم كرس هذا الوجود عربيًا إثر قرار جامعة الدول العربية في القاهرة عام 1978م بإدخال قوات الردع العربية إلى لبنان ورافق ذلك موافقة ضمنية من الولايات المتحدة فتأمن بذلك الغطاء المحلي والإقليمي والدولي.
دخلت سوريا إلى لبنان في أتون الحرب الأهداف استراتيجية أبرزها: الحفاظ على التوازن الداخلي اللبناني كنموذج للتعايش بجانب دولة عنصرية في فلسطين المحتلة، الحد من الامتداد العسكري الفلسطيني على الساحة اللبنانية، الحفاظ على النصارى في لبنان أمام انتصارات القوات الفلسطينية واليسارية مخافة أن يتخذ ذلك مبررًا لدخول (إسرائيل) أو دول غربية معينة إلى لبنان بحجة حماية النصارى، ورغم بعض الإشكالات والثغرات في التنفيذ إلا أن الخبير بالشأن اللبناني يستطيع القول إن الوجود السوري قد حقق بالفعل تلك الأهداف التي كان يرمي إليها، والسوريون اليوم مستعدون لإعادة الانتشار والانسحاب الكامل وذلك رهنًا بما تراه الدولة اللبنانية وبما يتفق مع اتفاق الطائف عام 1989م الذي يقوم عليه لبنان الجديد، حيث أشار الاتفاق إلى إعادة انتشار الجيش السوري تمهيدًا للانسحاب الكامل بالاتفاق بين الدولتين.