العنوان حرية صحافة لبنان.. مدلولها وممارساتها في الداخل والخارج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1981
مشاهدات 59
نشر في العدد 536
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 14-يوليو-1981
- الدفع
والقبض من خلال كتاب إسكندر.
- من
المسؤول عن هدر الأموال فيما لا نفع فيه ولا غناء؟
الحديث عن حرية الصحافة في البلدان العربية حديث طويل وذو شجون،
فالأصل في الصحافة منذ عرفها الإنسان واستخدمها في حياته أن تكون حرة، وأن تكون
معبرة عن أفكار ومشاعر ومصالح الذين يمارسونها أو يصدرونها لخدمة أفكار ومشاعر
ومصالح مجتمعهم وشعوبهم.
وقبل أن تتحول الصحافة إلى مشروعات تجارية صناعية تستثمر فيها رؤوس
الأموال وتراعى من خلال ممارساتها أرقام الأرباح والخسائر، فإن تطلعات الرأي العام
نحو الصحافة تحكمها الرغبة في أن تكون مشاعل تنير للمجتمع الطريق، وتسلط الأضواء
على السلبيات والإيجابيات، وترفع صوت من يفضل في الأعم أن يظل من الأغلبية الصامتة.
لكن الصحافة في البلدان العربية نشأت في أجواء لا يمكن اعتبارها صحية،
فهي واكبت دخول المطبعة إلى الحياة العربية مع حملة نابليون بونابرت الذي دخل مصر
في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ليدشن الاستعمار الفرنسي على أنقاض حكم
العثمانيين والمماليك. وقد صدرت أول صحيفة تنطق بالعربية في ظل الاحتلال
النابوليوني. في حين صدرت صحف مماثلة في بغداد ودمشق وبيروت في ظل الحكم العثماني
لتكون معبرة عن رأي السلطة، وفي أعقاب انتفاضة ما عرف بالمشروطية في تركيا، حيث
عزل السلطان عبدالحميد في عام ۱۹۰۷، صدرت
صحف متحررة نوعًا ما، لا تستخدم العربية حروفًا ولغة فقط، وإنما تعبر عنها مشاعر
وطموحات وآمال.
ثم جاءت موجة اقتسام البلدان العربية بين الدول الاستعمارية (بريطانيا
وفرنسا وإيطاليا)، قبل وخلال الحرب العالمية الأولى، فصدرت صحف واكبت تلك الموجة،
إما تأييدًا لها وتواطؤًا مع أغراضها، أو تعبيرًا عن رفض الشعب العربي للاحتلال
والانتداب وكل واجهات وتدابير الاستعمار.
ولم
يكن طبيعيًا أن تستمر الصحافة الحرة في كفاحها، بل كان الطبيعي أن يطاردها
المستعمرون وأذنابهم فيكون التعطيل من نصيب الصحف، ويكون السجن والتشريد عقوبة
أصحابها وكُتابها.
ومن المؤسف أن تحرر البلدان العربية من ظواهرها الاحتلال والنفوذ
الاستعماري، لم يرافق تحرر الصحافة من القيود التي كانت تعيش في ظلها.. بل حدث ما
هو أفدح وأشد نكرًا عندما ألغيت حرية الصحافة تمامًا في ظل الأنظمة الوطنية أو
الثورية بخاصة التي ورثت السلطان من الاستعماريين وأذنابهم.
وليس
من شأننا أن ننكأ الجراح لنتحدث عما يجري في أقطار عربية كثيرة نتيجة انعدام
الحريات السياسية وحتى الإنسانية، ومن ضمنها طبعًا حرية الصحافة.. وهناك من
الشواهد والأدلة على ما لقيته الصحافة ولقيه الصحافيون ما يندى له جبين الإنسانية
في إرهاب وتعسف وانتهاك.
وكما هربت رؤوس الأموال العربية منذ الأربعينيات من أقطارها باتجاه
لبنان بحثًا عن ملجأ للأمان -قبل أن تذهب إلى أوروبا وأمريكا فيما بعد- فقد انساب
رجال السياسة والفكر نحو بيروت عسى أن يجدوا فيها لحياتهم الملاذ والاطمئنان.
وكان لبنان حتى ذلك الوقت لم يدخل دوامة الصراعات العربية الداخلية،
بحيث ظلت الصحافة فيه تنعم قانونيًا بحرية ليس عليها من قيود أو حدود.
وكما استقبلت السوق التجارية والاقتصادية رؤوس الأموال العربية، فقد
تحولت صحافة لبنان إلى سوق تتعامل مع التيارات ووجهات النظر والمواقف السياسية
لأية دولة أو نظام أو حزب عربي من خارج لبنان.
وبرزت «الدكاكين» الصحفية.. وقد كشف الستار عن طبيعة تلك الدكاكين
صحفي لبناني مشهور اسمه «إسكندر رياشي» كان يصدر صحيفة باسم «الصحافي التائه» وقد
نشر كتابًا بعنوان «قبل وبعد» تضمن ما يعتبر في أي مقياس -غير المقياس الصحفي في
لبنان- فضائح بالغة الخطورة والبشاعة؛ لأنها تدين أشخاصًا وجهات صحفية وسياسية
بالتعامل بأي شيء، والتفريط بأي مقدس مادام الأمر أولًا وآخرًا خاضعًا للدفع
والقبض. وقد بدأ إسكندر رياشي بنفسه عندما كان يجند رجال السياسة والصحافة والرأي
لحساب دار المندوب السامي الفرنسي، لقاء المال أو الجنس، وقد قال في كتابه عن نفسه:
إنه كان يقاسم من يجندهم من أولئك الرجال ما يتلقونه من أموال. ويقاسم الموظفين
الفرنسيين الكبار مضاجعة من يجيء بهن إليهم من بائعات اللذة أيضا. وقد كان إسكندر
ریاشي بتلك الصفة نافذ الكلمة، وعلى صلة بأكبر وأشهر الشخصيات الصحفية والسياسية
في لبنان.
وكما تحدث «الصحافي التائه» فإن صحافة لبنان قد تحولت -وياللأسف- إلى
مجموعة دكاكين تتعامل بالحلال والحرام على حد سواء، مستغلة أجواء الحرية التي
أساءت بالتالي إلى البلد، فأشعلت فيه النيران على نحو ما يجري على الأرض اللبنانية
من أكثر من ستة أعوام، حتى بات الصحافيون -كبارًا أو صغارًا- من وقود تلك النيران،
إذ لم ينجُ من التصفيات الجسدية والاغتيالات وهدر الدماء، كما حدث لنقيب الصحافة
رياض طه، ولصاحب مجلة الحوادث سليم اللوزي، وسواهما من الصحفيين.
ولأن
الأمن قد انتهى أمره في لبنان، فلم يعد بإمكان أحد أن يضمن حياته من أن تتعرض
للأخطار، فضلاً عن حريته في قول وكتابة ما يؤمن به أو يريد قوله لحساب أية جهة..
فقد كان طبيعيًا أن تنتقل دكاكين صحفية من لبنان إلى أماكن بعيدة يتوافر فيها
الأمان النسبي، وتستطيع منها أداء مهامها بحرية لم تعد تتوافر في لبنان.
وهكذا انفتحت الدكاكين في لندن وباريس، واشتد إقبال الصحف -وخاصة
المجلات والدوريات- على أن تصدر من بريطانيا أو فرنسا.. ونجح بعضها نجاحًا حقق فيه
تقدمًا تكنولوجيًا وماديًا كبيرًا، حيث باتت توزع نسخها بعشرات الآلاف، وتنفق على
إصدارها مبالغ، وتحقق أرباحًا تصل أرقامها إلى الملايين.. بينما لم يستطع البعض
الآخر حتى متابعة الصدور لأسباب كثيرة، ليس من بينها العفة ولا النزاهة ولا الحرص
على إبداء الرأي الحر.
ولا نذيع سرًا حين نقول: إن الدكاكين الصحفية اللبنانية المفتوحة في
لندن وباريس إنما تتعامل مع الدول والأنظمة وأجهزة المخابرات العربية والأجنبية
بمقدار ما تحقق لها من مكاسب ودعم مالي.. يصل أحيانا إلى حد صدور صحف ومجلات
بأموال دول وأنظمة تغدق عليها وتسهم في انتشارها عن طريق شراء آلاف النسخ بقصد
توزيعها في أقطارها، أو مجرد «تنفيع» الصحيفة أو المجلة حتى ولو قامت بإتلاف تلك
النسخ.
وكما يحدث بالنسبة «للأوكازيونات» التي تقيمها المخازن ودكاكين السلع
في موسم التنزيلات المشهور، فإن صحفًا ومجلات كثيرة لم تتأخر عن إقامة أوكازيونات
في عرض خدماتها على الدول والأنظمة وأجهزة المخابرات، سواء كانت خدمات دائمة أو
مؤقتة، وسواء كانت خدمات جملة أم مفرد.. حتى رأينا صحفًا تنتقل من معسكر إلى
معسكر، وتتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وتؤيد هذا الحاكم اليوم لتلعنه غدًا، أو
تبدي وجهات نظر متطرفة لتعود بعد ذلك إلى الاعتدال.
ومع أن المرء قادر على تسمية الأشياء بأسمائها ووضع النقاط على
الحروف.. إلا أننا نتعفف عن ذلك إيمانًا منا بأن المسؤول عن هذا الوضع المشين ليست
الصحافة ذاتها، بمقدار مسؤولية الدول والأنظمة، وأجهزة المخابرات تعرف جيدًا أنها
تهدر بما تنفق على تلك الصحف والمجلات أموالاً في غير وجوه إنفاقها الشرعي، ومن
أجل أغراض لا تمت للمصلحة القومية أو الإعلامية العربية والإسلامية بشيء.
أما
مردود الوجود الصحفي اللبناني في الدول الأوروبية، فهو ليس أكثر من نقل لواقع
الأمة العربية المر بخصوماته وصراعاته وسلبياته، من نطاق الوطن العربي إلى خارجه،
دون أن ينعكس هذا النقل على تحقيق أي مكسب إعلامي عربي أو إسلامي.
وإذا كان لابد لنا من أن ذكر ثمة ملاحظة خاصة بشأن تعميم أحكامنا على
اتجاهات الصحافة اللبنانية في لبنان أو في أوربا فإنها ملاحظة أن تلك الأحكام التي
تؤكد أن أية صحيفة أو مجلة لا تستنكف من تطبيق المثل السيئ الذي أرسى قواعده
إسكندر رياشي منذ العشرينيات هذا القرن، باستثناء صحف معدودة ومعروفة، قد لا ترتبط
ارتباطًا مباشرًا بالدول والأنظمة وأجهزة المخابرات، لكنها مرتبطة بأوامر ووشائج
والتزامات منها الولاء الطائفي أو الحزبي أو العائلي.. وبذلك يكون من الظلم أن نصف
صحف لبنان بأنها حرة، وأنها تمارس حريتها من منطلق الإيمان بحرية العقيدة والتعبير
عن الرأي، لتكون طليعة ومنار الفكر العربي، والإشعاع المزعوم الذي ادعوا طويلًا -وباطلًا-
أنه كان ينطلق من لبنان.
أمثلة
من الصحف المهاجرة
قد يكون من المفيد أن نستشهد بواقع عدد من الصحف والمجلات اللبنانية
المهاجرة وتأرجح ولائها نحو الأنظمة والتيارات العربية بفضل معادلة «الدفع»
و«القبض» المعروفة:
- فهناك
مجلة تحمل اسم «الدستور» اشترى اعتبارها صحافي لبناني اسمه «على بلوط»، ودفع
ثمن شرائها من خزانة نظام عربي، وانتقل بها إلى لندن ليقيم لها المكاتب
الفاخرة وينفق من خلالها مئات الألوف، حتى قيل إن النظام ضاق ذرعًا بما دفعه
للمجلة التي بلغ ما تسلمه على بلوط أكثر من مليون دينار، في حين أن "الدستور"
لم تكن بالمستوى الذي يستحق أن يهدر من أجله مثل هذا المبلغ. وعندما كف
النظام يده عن الدفع باع على بلوط «الدستور» لتصدرها جوقة جديدة لحساب
المعارضة السودانية يقودها الشريف الهندي.
- وهناك
مجلة "الوطن العربي" التي صدرت في باريس تعويضًا عن تعطل جريدة
«المحرر» في لبنان، وقد بدأت المجلة وكأنها محايدة، ثم لم تلبث أن أصبحت
تجاهر بولائها لمجموعة من الأنظمة على حساب مراعاتها مع الأنظمة الأخرى،
ويستطيع القارئ أن يتلمس التناقضات التي تقع فيها المجلة وهي تشتم الآن
نظامًا كانت تمتدحه حتى الأمس القريب.. لمجرد أنه اشترك في خصومة مع نظام
يدفع أكثر.
- أما مجلة "المستقبل"
الذي ذكر في صفحاتها أن رأسمالها هو سبعة عشر مليون فرنك فرنسي، أي ما يزيد
على مليون دينار كويتي -ولا يُدرى من أين لها هذا- فإنها تحاول أن تقبض على
«بيضة القبان» في الموازنة بين اقترابها من الأنظمة وابتعادها عنها بادعاء
الحياد.. وإن كان «أقرب إلى حياد إذاعة مونت كارلو التبشيرية». ومن الغريب أن
كتاب المجلة هم المراسلون الذين يعملون في إذاعة مونت كارلو وأن الطابع
التبشيري هو الغالب على كتاب المجلة والعاملين فيها.
- وبالنسبة
لمجلة "الحوادث" فقد بهت لونها ولم يعد لها ما يميزها عن الصحف
الأخرى بعد مقتل صاحبها، وهي التي لم تجرؤ على الإشارة بإصبع الاتهام إلى
الذين قتلوه.. وقد انتقل هذا الخوف إلى معالجاتها وكتاباتها فلم تعد ذات قيمة،
أو معبرة عن هدف أو موحية باتجاه ورأي معینین.
- واستكمالاً
لدور جريدة "النهار" البيروتية الصليبي في بيروت. صدرت جريدة "النهار
العربي" الدولي في باريس حاملة لواء التبشير السياسي والتبشير النصراني
بدعوى الحرص على «اللبنانية» و«وجود لبناني».