العنوان التدين بين الشكل والمضمون
الكاتب محمد ابرهيم شقرة
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1983
مشاهدات 101
نشر في العدد 638
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 27-سبتمبر-1983
الأمة التي لا تعرف قدر نفسها هي التي تجعل من مقوماتها الموروثة حقلًا للتجارب، تعبث بها العقول والأقلام، لينتهي بها الأمر أخيرًا إلى التفريط فيها، إما بتغييرها، وإما بسلخها عن ماضيها حتى أن الناظر إليها ويكاد يظنها -وهي أشياء متناثرة مقطعة- بعضًا من أجزاء الأرض التي لا قيمة لها، تمتد إليها يد الإنسان لإزالتها وإخفائها.
والأمة المسلمة أثرت نفسها في الماضي بولائها لدينها -وهو أعظم مقومات وجودها- والتصاقها بعقيدتها، وإسباغها على نفسها ثوب الإيمان الذي صنعه لها نبيها بوحى من ربه، وألبسها إياه لتكون به أمة متميزة من سواها من الأمم.
ولقد ظلت الأمة المسلمة قوية في نفسها، قادرة على العطاء قرونًا طويلة، رغم ما اعتراها من ضعف في فترات متقطعة من تاريخها، كان دينها يقصي عنها هذا الضعف، وتمضي به إلى غايتها تشيد المجد والعزة لنفسها، والأمن والسعادة لغيرها.
فلما أن خالفت الأمة عن دينها، ونزعت ثوب إيمانها، وأزهقت الميراث الذي آل إليها من السابقين الأولين، لم تعد قادرة -ليس على العطاء- بل على التماسك والثبات في وجه رياح الفكر التي تهب عليها بين الحين والآخر من كل الآفاق والأقطار تنزعها من بقايا مقوماتها التي صارت تشبه الأحلام المختلطة، وتحكي الرؤى الواهمة، حتى إن الأجيال القادمة سوف لا تراها - لا أحلامًا مختلطة، ولا رؤى واهمة بل ستكون في أعينها سرابًا مضطربًا بقيعة، يقطع أنفاسها، ولا تدرك منه ريًا لظمئها.
وتذكيرًا مني لشباب الإسلام وشيوخه، وعلمائه ودعائه، وأوليائه وأعدائه معًا، أود أن أذكرهم بحقيقة من الحقائق الكلية الكبرى التي وضعها لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، ولقد رأينا الكثيرين اليوم يقصي هذه الحقيقة عمدًا أو غفلة وجهلاً، أو أنه لينساها، حتى لكأن قائلها ليس النبي المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، فصارت تحدث أشياء وأشياء، فكانوا بذلك كأهل الكتاب، الذي قال القرآن فيهم:
وما أحدث الناس في زماننا هذا مقولة واسعة الأرجاء. ممتدة الأطراف، ليس لها بداية، ولا تعرف لها نهاية، زينها في أعينهم العجز والجهل والهوى جميعًا، تلكم هي: «على المسلمين اليوم أن يدعوا القشور ويهتموا باللباب» أو بعبارة أخرى: «أن يأخذوا المضمون ويتركوا الشكل» وصارت هذه المقولة شعارًا له أنصار ودعاة وأقلام وصحف ومناهج وعقول.
بالرغم من كل هذا الحشد الذي التف حول هذا الشعار فإننا لم نجد حتى الآن ترجمة واضحة له، أو تحديدًا دقيقًا لمعناه، لذا فإنني أجدني ملجأ أن أناقش هذه المقولة علمية، مطرحًا جانبًا الحماسة العاطفية، والانفعالات الوجدانية، والثورات النفسية، في فقرات متتابعة، أخذ بعضها ببعض.
أولًا: إن القائلين بهذه المقولة الحادثة، رغم تأكيدهم عليها، والإكثار من الحديث عنها، فإنهم لم يضعوا تعريفًا أو حدًا لما سموه قشرًا، أو لما يسمى لبابًا ينتهي إليه الراغب في العمل باللباب وحده دون القشر، ولا أحسبهم واضعين، وهل من الحكمة أن يدعو واحد أو جماعة لشيء ثم لا يكونون على بينة منه؟ ثم كيف يستطيع هؤلاء أن يدعوا غيرهم إلى شيء وهم غير قادرين على تعريفه أو بيان حده؟، أو لنقل: لم يضعوا له تعريفًا ولا حدًا حتى الآن، وقيما قيل: «الحكم على الشيء فرع من تصوره»، وإن دعوتهم إلى هذه المقولة الحادثة لا يمكن أن تصادف قبولًا في عقول الناس إذا كانوا هم أنفسهم غير قادرين على الحكم ما يدعون إليه، هذا إن كانوا قادرين أيضًا على الإحاطة به تصورًا في أنفسهم أولًا، أما وهم غير قادرين على ذلك، فمن الخير والأجدى أن يصمتوا وأن يمسكوا عن مواصلة الحديث في هذه المقولة.
ثانيًا: إذا كان الداعون إلى هذه المقولة لم يضعوا لها تعريفًا ولم يرسموا لها حدًا، فلنضع نحن لها تعريفًا تقريبيًا -كما يقال- ثم لننظر، هل يقوى هذا التعريف على الثبات أمام النظر العملي المحض بما نورده في الفقرات الآتية أو أنه لا يثبت. لنقل: «اللباب في المأمورات الشرعية: هو ما يدخل تحت الحكم الواجب» والقشر: هو «ما جاوز دائرة الحكم الواجب» أما اللباب في النواهي فهو: «ما يدخل تحت الحكم الحرام» والقشر هو: «ما لم يتناوله الحرام الصريح في النواهي» وعلى ذلك فالقشور في المأمورات: كل مندوب أو مباح، وفي النواهي: المكروهات، وبذلك فإنه يجتمع لدينا من القشور ما يزيد على نصف الدين، ويبقى لنا من لبابه أقل من النصف، فهل من الورع في الدين أن ندع لعذر لا يدري مأتاه -الأجهل أو هوى أو غفلة- أكثر من نصف الدين قشورًا، لنأخذ أقل من نصف لبابًا؟!
ثالثًا: نسأل هؤلاء المفرقين في الدين بين القشر وبين اللباب إذا اتفقوا معنا على التعريف الذي أسلفنا، أين يضعون بعض المسائل المختلف عليها بين الواجب والمندوب، أو بين الحرام والمكروه، حسب التعريف الذي وضعناه لكل من اللباب والقشر ففي الأوامر نأخذ مثلًا صلاة الوتر، فهي عند أبي حنيفة رحمه الله واجب يأثم تاركه، وعند غيره من جماهير العلماء ومنهم الشافعي، ومالك، وأحمد رحمهم الله- سنة لا يأثم تاركها ويثاب فاعلها، ففي أيهما نضع صلاة الوتر، أفي القشر أم في اللباب؟
وفي النواهي نأخذ مثلًا، شارب المسكر «من غير العنب»، فإنه لا يجلد عند أبي حنيفة رحمه الله إلا إذا سكر وثمل، وعند الجمهور يجلد لمجرد شربه، وسواء أكان المسكر من عنب أم كان من غير العنب، ففي أيهما أيضًا نضع وجوب الجلد لشاربها أفي القشر أم في اللباب؟
وهناك أمثلة أخرة كثيرة تتعارض فيها آراء الفقهاء تعارضًا يجعل كل رأي من الآراء المتعارضة على طرف نقيض مع الرأي الآخر، بحيث لا يمكن إسقاط هذا التعارض القائم بين هذه الآراء إلا بالوقوف عند الدليل القاطع الصريح من كتاب الله عز وجل، ومن صحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها النجاة كل النجاة لمن أراد النجاة.
رابعًا: الله سبحانه أنزل دينه على نبيه صلى الله عليه وسلم ليبني به الإنسان المسلم، فيكون به سعيدًا في الدنيا والآخرة، ولا يخفي على ذي عقل أن كل أمر ونهي من أوامر هذا الدين ونواهيه، تسهم إسهامًا فعالًا في بناء هذا الإنسان، سواء أكانت من المندوبات أم من المباحات أم من الواجبات، وسواء أكانت من المكروهات أم من المحرمات، لأن جميع هذه الأحكام هي شعب الإيمان التي قال فيها عليه الصلاة و السلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قوله لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» فأيما شعبة نقصت منها كانت نقصًا من الإيمان، وأيما شعبة التزمها المسلم كانت زيادة في إيمانه، لأن الإيمان يزيد وينقص بالقول والعمل. وهو مذهب السواد الأعظم من الأمة.
خامسًا: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» والاستطاعة في إنفاذ الأمر إما أن تكون في الفعل الواحد، كالصلاة مثلًا، فإذا لم يستطع المسلم أن يصليها وهو قائم، وجب عليه أداؤها على الوجه الذي يستطيع في مجموع الأفعال، فقد لا يستطيع المسلم أن يصوم لمرض، في حين يكون قادرًا على أداء الصلاة على كل حال، فوجبت الصلاة في حقه، وسقط عنه الصيام إن كان مرضه مزمنًا وإلا صام حين شفائه. وقد لا يقوى المسلم -لعذر من الأعذار- أن يصلي في المسجد، وهو مأمور بأدائها فيه، فلا يقال ما دام أنه لا يستطيع أن يصليها في المسجد فلا يصليها، بل يقال: يفعل ما يقدر عليه، ويعذر فيما لا يقدر عليه.
أما المنهيات، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تجتنبها كلها، من غير فرق بين واحد وواحد، فكما أنه نهى عن الزنا فأنه نهى عن النظر المحرم إلى المرأة، وكما أنه نهى عن شرب الكثير من الخمر فإنه نهى عن شرب القليل منها، وكما أنه نهى عن سرقة المال الكثير فإنه نهى عن سرقة الدرهم والدرهمين، وكما أنه نهى عن الكذب على الأمة كلها، فإنه نهى عن الكذب على الرجل الواحد، كما أنه نهى عن أن تكشف المرأة عن جميع جسدها فإنه نهى أن تكشف عن صدرها أو عن ساقها أو عن أي جزء من بدنها إلا الوجه والكفين، فلا يقال هنا: يجتنب ما يستطاع اجتنابه، ويعفي عما لا يستطاع اجتنابه بل يجب اجتناب كل ما نهى عنه، ولا يعفى إلا عن الناسي أو المخطئ أو المكره.
سادسًا: يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يحقر أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه، قال: يرى أمرًا لله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى».
هذا الحديث ألم بكل ما يخطر بالبال من قشور ولباب، ولم يفرق الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بين شيء وشيء، فمن رأى أمرًا يخالف فيه حكم الشرع، ويجانب فيه فاعلة الحق سواء أكان قشرًا أم لبابًا فحق عليه أن يأمر بالمعروف أو ينهي عن المنكر، فإن سكت خشية أن يتهمه الناس مثلًا بالتعصب، أو التزمت، أو الاهتمام بالسفاسف من الأشياء، او مخالفة العرف السائد، أو الخروج على مألوف الناس أو تساهلًا وإعراضًا، أو تجنبًا لنقد الناقدين، أو لئلا يقال بأنه لا يعرف حق العصر، أو أنه خارج مألوف الناس، أو غير ذلك من الأعذار التي لا تقبل عند الله سبحانه، فهو آثم يستحق الذم والعقوبة من الله. وهو محقر نفسه كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم.
سابعًا: أسأل المفرقين بين القشر واللباب، هل شيء من القشر لا يدخل في دائرة الأحكام الخمسة؟ ولعلهم لا يخطئون، إذًا فليقولوا قولًا سديدًا: إن اللباب والقشر جميعًا لا يخرج من دائرة الأحكام الخمسة، وإذ ما قالوا صحيح وحق، فإني أذكرهم بمعنى الحكم الشرعي وهو: «خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل التخيير أو الطلب تركًا أو فعلًا» وهو يجوز أن يسمى شيئًا من أحكام الله تعالى قشرًا على سبيل الاصطلاح كما افترضنا، أو على سبيل التهوين والنض مما يسمى قشرًا أو التفريق بين الأحكام الصادرة عن الله سبحانه تفريقًا مجردًا لا لشيء إلا لظن فاسد؟ لا أحسب أحدًا يؤمن بالله واليوم الآخر يجيز مثل هذا، وهو يعلم أن الله قد أتم النعمة على المؤمنين فأكمل لهم الدين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:3) فكانوا بذلك خير أمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران:110).
ثامنًا: لست أقول بأنه لا تكون أولويات في دعوة، فلا يقدم شيء على شيء، فمثلًا إذا رؤي إنسان يعاقر الخمر وهو تارك الصلاة، فإنه يدعى إلى الصلاة أولًا لأمرين اثنين، الأول: أن إثم شرب الخمر لا يبلغ إثم ترك الصلاة، الثاني: أن فعل الصلاة يعين على ترك المنكر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ (العنكبوت:45)
ولكن هذا ليس بمانع الداعية في الوقت نفسه إذا رأى إنسانًا مرتبكًا إثمين، أن يقدم الأصغر على الأكبر منهما إذا كان يرى مرتكبهما أدنى إلى الاقتناع بترك الأصغر قبل الأكبر. فالداعية هو الذي يستطيع أن يحدد الأهم من الأمرين. أو من الأمور جميعًا. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كل واحد منهم شيئًا أو يترك شيئًا. لا يدعه يمر إلا وأمر هذا ونهى هذا، حرصًا منه على أن ينال كل منهم الخير وإن كان قليلًا، وأن يعلم أن يحرص كل من يعلم منهم علمًا أن يبلغه، فيناله فضل إبلاغ الدعوة، الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم «بلغوا عني ولو آية فرب مبلغ أوعى من سامع» ودعا بالرحمة لمن فعله «رحم الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها كما سمعها». ولا يقال هنا: أن مجتمع الصحابة مختلف عن مجتمع المسلمين اليوم، فكل مجتمع في حاجة إلى الدين كله، آدابه، ومعاملاته، وعباداته، وعقائده، وانتقاص أي أمر من هذه هو انتقاص من الدين والإيمان، ولا يزيله إلا الرجوع عنه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون من شأن الأمة مع دينها، ونقضها عراه، فقال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة».
تاسعًا: إن التفريط في الأمر الصغير يؤدي إلى التفريط في الأمر الكبير، لأن استمرار هذا التفريط ينشئ في الإنسان عادة تنتهي به إلى التهاون فيما يفعل، أو يقع عليه حسه من الأحوال والأفعال، والأمة كلها تعلم أن هناك كثيرًا من عرى الدين، وأحكام الإسلام مقصية عن واقعهم، ولا يستطاع الوصول إليها، أو التحدث عنها، وبعض هذه العرى مما يترتب عليه إقامة حكم الله في الأرض وحماية بيضة الإسلام، فهل من الحكمة والإيمان معًا أن يترك الداعية الدعوة إلى ما بقي من عرى الدين، وأحكام الإسلام -وأغلبها مما يدخل في عداد القشور- بعذر أنه لا يقدر على هذه أو تلك منها؟ إنه لقول عجاب.
عاشرًا: ثم إن هذا التفريق لم يعرف في سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فقد كانوا أحرص الناس على الاستجابة لكل أمر فيفعلونه، وعلى كل نهي فيجتنبونه، تحقيقًا في أنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوه منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» فهو أمر حادث، وكانوا أشد الناس نفرة من الحوادث، لأنها بدع، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. بل لقد بلغ من خوفهم من المخالفة عن الدين، وتحريهم في امتثال أحكامه أنهم كانوا يدعون كثيرًا من الحلال خشية الوقوع في باب من أبواب الحرام.
إن هذه المقولة الحادثة لم تنشأ إلا من خضوع العقل المسلم للثقافات الغربية التي أخذت عليه أقطاره، وسدت عليه طرائقه التي وصلت به من قبل إلى الهدى والحق، وأبرمت معه أمرًا نشرت به السعادة في ربوع الأرض.
وخير الهدى ما استقر عليه الأمر في القرون المفضلة الأولى التي عاشت بالإسلام كل عقيدة وشريعة.
حادي عشر: ثم أين يضع هؤلاء الذي جعلوا من الدين قشرًا ولبابًا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصورة التي يجب أن تظل ماثلة في عين كل مسلم صالح ووجانه، وهل يجعلونه قدوة لهم في اللباب وحده، فإن هم فعلوا ذلك فقد خلفوا أنفسهم عن هذه القدوة، وجعلوا بينهم وبينها شأوا بعيدًا، وقعدوا عن السير وراءها. وصنعوا لأنفسهم سلوكًا خاصًا في الاقتداء، يختلف عن سلوك الصحابة وهم أفضل من حملتهم الأرض بعد الأنبياء وكانوا رضوان الله عليهم على تصور كامل لمعنى «أسوة حسنة» حتى إن أحدهم كان بهذا التصور فيما أظن لا يرى فيه مثل نفسه، إلا أن يكون واحد عرف من النبي صلى الله عليه وسلم أو عنه شيئًا لم يعرفه هو نفسه منه أو عنه، فإذا عرفه أسرع إلى أخذ نفسه به فصار مثل أخيه.
وحين نقرأ قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21) نعلم علم اليقين أن الله سبحانه يحضنا في هذه الآية، أن نتمثل الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يفعل ويدع، ويقول ويصمت، فنكون بحق حينئذ متبعين له إتباعًا صادقًا. نرجو به أن نكون معه يوم القيامة. إذًا فليسعنا ما وسع تلك القرون، ولنمض في الطريق الأقوم الذي مضوا فيه، وليكن منهاجنا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ صدق الله العظيم. (التغابن: 16)