; ولنا في تجربة ابن نصير.. عبرة | مجلة المجتمع

العنوان ولنا في تجربة ابن نصير.. عبرة

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2006

مشاهدات 65

نشر في العدد 1695

نشر في الصفحة 60

السبت 01-أبريل-2006

لقد أدرك العقلاء والحكماء وصناع الحياة عبر التاريخ. سواء كانوا مسلمين أو غيرهم. أهمية القيم والمبادئ في التأثير على الناس وفي قيادتهم. لذا رفعوا الشعارات وتغنوا بالقيم وحملوا الناس عليها، فتضاعف الأتباع، وكثر المؤيدون وتنوع الأنصار، ونتج عن ذلك تغيير كبير في نفوس البشر وتأثير عظيم في واقع الناس، وإليك بعض المشاهد التي أرجو أن تزيدك اطمئنانًا لما أقول:

 لقد ارتد البربر في إفريقيا في القرن الأول الهجري اثنتي عشرة مرة، وكثر فسادهم، وعمت فتنهم، وأصبحوا خطرًا على المسلمين وفتوحاتهم في المغرب، فأرسل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سنة ١٨ هـ موسى بن نصير والياً على إفريقيا، فاستقر ابن نصير في القيروان.

 قام موسى بن نصير بدراسة الواقع، فتوصل إلى أنه لن يستطيع التأثير في البربر وإخماد ثوراتهم وفتنهم والقضاء على ارتدادهم وانتفاضاتهم إلا بأمرين:

 أما الأمر الأول فهو: إنشاء أسطول بحري إسلامي للتصدي للسيطرة البحرية البيزنطية.

 وأما الأمر الثاني فهو: تعليم البربر الإسلام والقرآن وزرع قيمهما في نفوسهم.

لذا أرسل موسى بن نصير الوفود والعلماء والدعاة إلى البربر، وبذل جهدًا كبيرًا حتى استطاع أن يغرس عقيدة الإسلام ومبادئه وقيمه وشرائعه في نفوسهم. ولما فعل ذلك دان له البربر، وأصبحوا من كبار المجاهدين، وخرج منهم القادة والأبطال كطارق بن زياد الذي فتح الأندلس مع موسى بن نصير.

 ولما انطلقت الثورة الفرنسية رفعت مجموعة من المبادئ، ودعت الناس إلى ثلاث قيم رئيسة وهي: الحرية والمساواة والإخاء، فبلغت الأفاق، وأثرت على أوروبا كلها ، وثار الناس على الظلم، وصنعت حياة أخرى في واقع الأوروبيين، وتركت بصماتها في التاريخ، ولا يزال الناس حتى يومنا هذا يتكلمون عنها وعن دورها في الحياة.

 وكذلك فعل الشيوعيون، فقد نادوا بالعدالة الاجتماعية والمساواة، وأغروا العمال والمضطهدين بوعود وردية ذهبية براقة. (لكنها كانت زائفة). دعوا إلى قيم جاذبة للناس فآمن بها خلق كثير، وأيدوا قادتها، وانتشرت الشيوعية والاشتراكية انتشار النار في الهشيم في بلدان كثيرة، حتى إنه في فترة من الفترات وصل الحال في بعض البلاد العربية والإسلامية إلى اعتبار كل من لا يؤمن بالاشتراكية متخلفاً ورجعيًا ومتطرفًا ولا يعيش واقعه ولا يفهم الحياة، بل ومازال بعض الدولة العربية والإسلامية يؤمن بالاشتراكية رغم سقوطها وتخلي مؤسسيها عنها.

 وانظر كذلك إلى قيمة الإنسان عند اليابانيين، حيث يروي صاحب شركة ( مسافي) الإماراتية أنه قبل التعاقد على توريد مياه «مسافي»، لليابان طلب الوكيل الياباني زيارة المصنع في إمارة رأس الخيمة بدولة الإمارات العربية المتحدة. هذه الزيارة لم تكن زيارة عادية، إذ لم تكن لمعرفة مراحل الإنتاج والتقنيات المستخدمة في التعبئة والتغليف، وإنما كانت لتفقد أحوال العمال، ونظافتهم في مكان العمل وفي أماكن إقامتهم ولرؤية غرف نومهم ونوعية طعامهم، بل ونوعية الأغطية والمفارش التي ينامون عليها.

 لقد علم الناس، بل تيقنوا أنه لا يصلح حالهم ولا تستقيم أوضاعهم إلا عندما يتحلون بالقيم الكريمة والمبادئ السامية، وأنهم كلما تخلوا عنها ذاقوا الويلات، وعاشوا في التيه والضياع، وأصبحت حياتهم جحيمًا لا يطاق وهمًا لا ينقضي وغمًا لا يزول وبلاء لا ينقطع.

 انظر على سبيل المثال لا الحصر إلى هدر قيمة العفة كيف أودت بحياة عشرات الملايين من البشر نتيجة الانفلات الأخلاقي والممارسات الجنسية غير المنضبطة، إذ ظهرت الأمراض التي لم تكن معروفة من قبل، وعلى رأس قائمة الأمراض الجنسية الفتاكة: الزهري والإيدز.

 استمر مرض الزهري لمدة تربو على أربعمائة عام وهو يفتك بالزناة والشاذين المنحرفين يشوه أجسادهم ويزهق أرواحهم، قبل أن يتمكن العلماء من معرفة الجرثومة التي تسببه اللولبية الشاحبة وقبل أن يتمكن العالم، فلمنغ، من اكتشاف عقار البنسلين ( ۱۹۲۸ م) القادر على قتل جرثومته!

واليوم.. نجد أن داء جنسيًا آخر قد ظهر ليعيد إلى الأذهان قصة الزهري ولكن على وتيرة مختلفة، ففي عام ( ۱۹۸۱ م) ظهر فجأة الداء الجنسي المعروف باسم الإيدز ( داء نقصان المناعة المكتسبة) الذي انتشر كالوباء انتشارًا مفزعًا في أوساط الشاذين جنسيًا بصورة خاصة وأوساط المدمنين على المخدرات، ولا سيما تلك التي تؤخذ عن طريق الحقن وكما كان الانحلال الأخلاقي هو العامل الأول في انتشار الزهري، كذلك كان الانحلال الأخلاقي وراء ظهور الإيدز وانتشاره وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: ١٢٤)

الرابط المختصر :