العنوان نحو تصور سليم وتوحيد خالص.. وقضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة
الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1974
مشاهدات 54
نشر في العدد 207
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 02-يوليو-1974
نحو تصور سليم.. وتوحيد خالص
وقضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة
لا بد من جهاد عقائدي يرد هجوم الخصوم
هذه مظاهر ردة.. لا مظاهر معصية
بقلم: الأستاذ عبدالرحمن عبدالخالق
مدخل وتقديم
يواجه الإسلام اليوم كما واجه بالأمس أصنافا وألوانا من الشبهات والافتراءات وأقاويل السوء للتشكيك فيه، وصرف الناس عنه، أو تبديل عقائده وشرائعه ليوافق أهواء الناس كما قال المشركون لرسول الله (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْه)!! وأهل الإيمان منذ ظهوره إلى يومنا هذا ينافحون عنه بالقول تارة وبالسيف تارة، ويعتصمون به، مجادلين أهل الأهواء والزيغ ومجلدين أهل العدوان والكفر.
والفرق بين اليوم والأمس أن أبناء الأمس من المسلمين كانوا أوفر علما، وأكثر تقى، وأكبر مصارعة لأهل الباطل، ولذلك خسأ الكفر وذل وانجحر واستتر، أو نافق، وراوغ وأما اليوم فأبناء الإسلام ومعتنقوه. أقل علما، وأقل تقي وأضعف مصارعة لأهل الباطل، ولذلك أعلن الكفر عن نفسه واستعلن، وبرزقرنه، واستأسدت کلآبه. حتى أصبحت لا تحصى نباحهم من كثرته فليس حكما من أحكام الإسلام إلا وقد رمى بكل شنيعة، ولا عقيدة من عقائده إلا وألقى عليها كل تشكيك. بل ما من سبق وفضل وخير في الإسلام إلا جعل عيبا ونقصا ورجعية. ولم يسلم من هذه الحملات شيء. فالله سبحانه وتعالى قد شكك في وجوده، وقدح في عدالته، وتكلم في حكمته؟!! والرسول صلى الله عليه وسلم لم يبق جزء من حياته إلا وتعرض للنقض والتجريح، والتشويه والتنقيص.
وعقائد الإسلام. الغيب والملائكة والجنة والنار والقضاء والقدر كل ذلك قد تناوشته الشكوك والأقاويل من كل جانب!!
وشرائع الإسلام الصلاة والزكاة والصيام والحج والزواج والطلاق والرق، والعقوبات.
والحدود كل ذلك لم يبق منه شيء إلا وقد وجهت الحملات المسمومة إليه، ونفر الناس منه. وهذه الحملات تسمعها كل يوم، وتقرؤها. وتجد الردود على ذلك ضعيف شوهاء إلا ما شاء الله. وبعض الذين يردون عن الإسلام وينافحون عن عقائده وشرائعه إما أن ينفوا عن الإسلام ما أثبته ظنا منهم أنه نقص ومعرة!! وإما أن يثبتوا عقائده وشرائعه إما أن ينفوا عن الإسلام ما للإسلام ما نفاه ظنا منهم أن الإسلام قرر إلى هذا.
وسبق إلى هذا. وإما أن يوفقوا بين عقائد الإسلام وعقائد الكفر، وشرائع الإسلام وشرائع الكفر ويظنون أنهم بذلك «يريدون إحسانا وتوفيقا»
والإسلام رسالة مميزة وعقيدة مميزة وشريعة مستقلة!!
ولا يعني هذا أن كل الذين ردوا شبهات المبطلين في العصر الحاضر كان منهم ذلك. بل وفق البعض ووقع البعض في تلك الأخطاء.
والمسلمون اليوم بحاجة إلى دفاع عقائدي كبير بل وهجوم عقائدي أكبر فإن الحرب العقائدية قد تناوشتهم من كل جانب. وإذا استمرت على هذا النحو فيوشك أن لا يبقي في الأرض إيمان!!
مظاهر ردة لا مظاهر معصية
وهذه المظاهر التي تراها حولك من مخالفة للشريعة وخروج عليها. أكثرها مظاهر ردة لا مظاهر معصية. فقد ترك كثير من أبناء المسلمين الإسلام وراءهم ظهريا، وإن ناقشت أحدهم في الالتزام بأحكام الإسلام، علمت من أكبرهم أن هذا شيء قد انتهى زمانه، وولى أوانه، وأنهم على أبواب حضارة جديدة ودين جديد!! دين الهوى واللذة والمتعة و (العقلانية)!!
ولذلك فالحرب العقائدية قبل الوعظ العملي. الوعظ بالعمل والتمسك بالإسلام لا يجدي إلا مع مؤمن بالأصول مقر بالتوحيد وأما الشاك في الله المكذب بلقائه يضحك منك إن ذكرته بعذاب القبر، وموقف يوم القيامة!! وأطعمته في الجنة وذكرته بالحور! فكل هذه عنده خيالات أو ضروب من تصورات ليست من الحقيقة في شيء.
دروس في العقيدة
وكنت قد بدأت منذ شهرين تقريبا مع إخواني دروسا في العقيدة ومسائل الإيمان العلمي بالحاجة إلى ذلك في الوقت الحاضر. وقد وفق الله سبحانه وتعالى وأعان على كثير من الخير في هذه الدروس أحببت أن يتوج الله هذا بأن يعين بتدوين هذه الدروس ونشرها لتعم الفائدة، وأحمد الله فهذه هي الحلقة الثامنة من الدروس أرجو أن أوفق إلى نشر ما سلف وما يستجد منها والله سبحانه هو المسؤول بالإعانة والتوفيق.
الحي القيوم
من أسماء الله تبارك وتعالى «الحي القيوم» وقد جاء هذان الاسمان مقترنان في ثلاثة مواضع من كتابه حيث قال تبارك وتعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ..﴾ (البقرة: 255)
وهذا في أعظم آية من كتاب الله وهي آية الكرسي كما ثبت بذلك الحديث الصحيح عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ، وفي قوله تعالى: «الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ - الآية ». وفي قوله تعالى في سورة طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه:111).
والحياة التي يتصف بها الرب جل وعلا تليق بذاته كما أن الحياة التي يتصف المخلوق بها مناسبة لحاله ، فقد وصف الله بعض ما خلق بالحياة قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء:30) وقال ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (يس:70) ومعلوم أن الحياة الثابتة للمخلوقات غير الحياة التي يتصف بها رب العباد سبحانه وتعالى وقد نفى الله تبارك وتعالى عن عن نفسه الموت فقال جل وعلا: - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (الفرقان:58) فحياة الله سبحانه وتعالى ليست كحياة المخلوقين وهي حياة ينتفي فيها الموت بل الغفلة والنسيان كما قال تعالى ا ﴿للَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ (البقرة:255) والسنة هي النوم الخفيف وقد جاء في حديث البخاري الصحيح: «أن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» وجاء قول الله -تبارك وتعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم:64).
وقد نفى الله تبارك وتعالى عن نفسه الطعام أيضا الذي هو لازمة من لوازم الاحياء كما قال جل وعلا ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ (الأنعام:14) أي يطعم غيره بما يرزقه به فهو الرزاق سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (هود:6) ولا يطعمه أحد سبحانه كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات:56-57) فالله الرزاق وهو المطعم لخلقه سبحانه وتعالى وقد قرئت الآية السابقة بقراءة أخرى «وهو يطعم ولا يطعم» بالبناء للفاعل أي ولا يأكل هو سبحانه وتعالى وهذا حق لأن الطعام من صفة المخلوق وليس من صفة الخالق.
ولهذا لما أراد الله سبحانه وتعالى أن ينفي الألوهية والربوبية عن عيسى ومريم التي ادعاها لهما النصارى قال سبحانه وتعالى «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ.. الآية» أي ومعنى هذا أنهما محتاجان فقیران إلى ما يأكلانه فكيف يدعي لهما الربوبية. وهما بهذه المثابة من الفقر والاحتياج والنقص.
والشاهد أن حياة الله تبارك وتعالى حياة ذاتية لا يشبهه فيها أحد خلقه جل وعلا.
وأما «القيوم» و«القيام» و "القيم" فهي صيغ مبالغة القائم. وقد جاء وصف الله -تبارك وتعالى- بكل هذه الأسماء فقد جاء في حديث البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام في صلاته الليل «اللهم لك الحمد أنت قيام السموات والأرض ومن فيهن» وفي لفظ آخر «أنت قيم السموات والأرض » وجاء في القرآن قول الله تبارك وتعالى ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الرعد:33) وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ (ال عمران:18)
فالله هو القائم بالقسط سبحانه وتعالى والقسط هو العدل وهو القائم على كل نفس بما كسبت أي العليم البصير بما تكسب كل نفس في ليلها ونهارها فلا يعزب عن سمعه ولا بصره شيء من أعمال عباده سبحانه وتعالى بل من ذرة في السموات والأرض،
وأما كون الله سبحانه وتعالى قيوم وقيم وقيام للسموات والأرض فلهذا معان عديدة منها:-
أولا: أنه سبحانه وتعالى يمسكها في أفلاكها من التشتت والضياع واصطدام بعض أجرامها ببعض قال جل وعلا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ (فاطر:41).
وجاء في حديث البخاري الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «یا محمد: إن الله يضع السماء على أصبع، والأرض على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر والأنهار على أصبع، وسائر الخلق على أصبع ثم يقول: أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: وما قدروا الله حق قدره» وفي رواية أخرى عند ابن خزيمة وغيره: «فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا له» وهذا الذي ذكره الحبر اليهودي وضحك منه النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا وهو مصداق لما جاء في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر:67) فأول معاني القيوم أنه المقيم سبحانه وتعالى للسماوات والارض على ما هي عليه الآن، والمتصرف فيها سبحانه وتعالى بعد الآن، فليس لله سبحانه وتعالى في الخلق والتصرف معين ولا ظهير كما قال جل وعلا: - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ (سبأ:22)
والظهير هو المعين. فليس لله عز وجل من خلقه معين يعينه في خلق السموات والأرض والقيام بشئونها بل هو القيوم وحده سبحانه وتعالى.
ثانيا: وأما المعنى الثاني فهو القيام الخاص على كل نفس مما خلق فإن من معاني «القوام» في اللغة المدبر كما قال ابن الاعرابي «القيوم والقيام والمدبر واحد » (لسان العرب ١٩٤ جم) ومن هذا المعنى قوله تعالى عن الرجال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء:34) قال في لسان العرب: «إنما هو من قولهم قمت بأمرك فكأنه والله أعلم الرجال متكلفون بأمور النساء ، معنيون لشئونهن»
فالقوامة هنا التعهد والرعاية ، والتدبير والإنفاق والرزق فالرجال مأمورون شرعا بهذا ولهذا أنيط الإنفاق بهم دون النساء: والله سبحانه وتعالى القيوم والقائم على كل نفس -يتدبر شئونها ورزقها كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (هود:6). فالله جل وعلا هو الرزاق العليم المدبر لشئون خلقه سبحانه وتعالى وهذا من معاني القيوم.
ثالثا: ومن معاني القيوم المراقبة والمحاسبة والإحصاء كما قال سبحانه ﴿أفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الرعد:33) أي مراقب لأعمالها محاسب لكل ما تفعله يتضمن علم الله بكل شيء وسمعه لكل شيء وبصره لكل شيء سبحانه وتعالى كما قال جلا وعلا: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام:59)
رابعا: ومن معاني القيوم: القيام بالنفس فالله جل وعلا يقوم بنفسه لا يقوم بغيره بل هو الغني عن كل ما سواه سبحانه وتعالى فلیس بفقير إلى شيء بل هو الغني عن كل ما سواه. بل أفتى علماء السلف بكفر من قال إن الله محتاج إلى شيء مما خلق إنسا أو جنا أو ملائكة أو عرشا أو كرسيا. بل الله عز وجل غني عن ذلك كله وكل شيء إنما يحتاج إلى خالقه وربه سبحانه و تعالی فيما يقوم به ويستمر حياته فالكل محتاج إليه وليس هو سبحانه و تعالى بمحتاج إلى شيء من خلقه بل هو سبحانه القائم بنفسه المقيم لغيره وهذا معنى «ولا حول ولا قوة إلا بالله» فليس لأحد حول ولا قوة ولا قيام إلا بمدد وعون من الله سبحانه وتعالى.
من معاني اجتماع الاسمين
علمنا تفصيليا فيما سبق شيئا من معاني «الحي» و «والقيوم» وقد وجدنا أن الله سبحانه وتعالى قد وصف بهما نفسه سبحانه مجتمعين في ثلاثة أماكن من كتابه فهل تفهم سرا من اجتماع هذين الاسمين وهل يدل هذا على معنى والجواب أن هذين الاسمين يتضمنان صنفين لله تبارك وتعالى هي «الحياة» و «القومية» وهاتان الصفتان متلازمتان فلما كانت حياة الله سبحانه وتعالى لا تشبه حياة المخلوقين أتبع الله وصف الحياة لنفسه بما ينفي المشابهة مع خلقه حتى لا يتوهم أن حياته من جنس حياة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فالمخلوق حي ولكنه يقوم بغيره، والله حي ولكنه يقوم بنفسه سبحانه وتعالى.
والمخلوق حي وحياته يعتريها النقص كالنوم والغفلة والسنة والنسيان ثم الموت كما قال تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران:185)
والله سبحانه وتعالى هو الحي الذي لا يموت والذي لا تأخذه سنة ولا نوم سبحانه وتعالى
وكذلك وصف «القيوم» يتضمن وصف الحي. لأنه لا قيام دون حياة فالله سبحانه وتعالى هو الحي القيوم وهذا من معاني اجتماع الاسمين معا.
اَثار العلم بالصفتين السابقتين
يهم المسلم من معرفة صفات الله تبارك وتعالى أن يعرف ربه فيشهد له بما شهد لنفسه. ويعبده عن علم و بصيرة، فلا يجعل له ندا من خلقه، ولا يجعل شيئا يشبهه في صفة من صفاته جل وعلا فإن من نفى عن الله ما وصف به نفسه فقد ضل، ومن شبه شيئا بصفة من صفاته جل وعلا فقد أشرك وجعل لله أندادا.
وليس هناك علم أفضل ولا أعلى من تعلم صفات الله تبارك وتعالى لأن العلم يشرف بشرف المعلوم، ولا معلوم أفضل من الله وأسمائه وصفاته.
والصفتان السابقتان لله تبارك وتعالى تورث في قلب المؤمن حب الله وخشيته وتعظيمه، حب الله لأنه يقيم الإنسان بما له من أسباب العيش والقيام والحياة وخشيته لأن الله هو القائم على كل نفس بعلمه وسمعه وبصره سبحانه وتعالى وتعظيمه لأن السموات والأرض في كف الرحمن كخردلة في يد أحدنا، وقد جاء الحديث الصحيح بذلك
ثم إن صفة الحي توجه قلب المسلم إلى الاعتماد على ربه والتوكل عليه، والإنابة إليه ودعائه فما دام أن الله حي سبحانه وتعالى ولا يموت فالمؤمن به في عافية وأمن وسلام كما قال جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (الفرقان:58) وعندئذ لا يخاف المسلم أحدا ولا
يخشى إلا ربه سبحانه وتعالى.
فاللهم علمنا صفاتك وارزقنا الإيمان بها كما تحب وترضی وارزقنا دعاءك بها كما قلت في كتابك:-
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:180)
عبد الرحمن عبد الخالق
الرابط المختصر :