العنوان رمضان شهر بلا فقر
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2013
مشاهدات 65
نشر في العدد 2062
نشر في الصفحة 29
السبت 20-يوليو-2013
أستعير هذا العنوان من محاضرة للدكتور رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، كان قد وضعه الدراسة عن الأموال التي يتراحم بها المصريون تكافلاً وزكاة وتبرعا وصدقة، ومع حلول رمضان شهر البذل والعطاء والتكافل يتطلع ملايين الفقراء إلى حقوقهم في أموال الأغنياء والمحسنين، خاصة أن أهل الخير يقبلون على إخراج زكواتهم في الشهر الفضيل طمعاً في مضاعفة الأجر والثواب.
إن الهدف من الزكاة كرافد أساس من روافد التكافل والتراحم ليس إعطاء الفقير ديناراً أو دينارين، وإنما الهدف تحقيق مستوى لائق للمعيشة، لائق به بوصفه إنسانا كرمه الله واستخلفه في الأرض، ولائق به بوصفه مسلما ينتسب إلى دين العدل والإحسان، وينتمي إلى خير امة أخرجت للناس، وأدنى ما يتحقق به هذا المستوى أن يتهيأ له ولعائلته طعام وشراب ملائم، وكسوة للشتاء والصيف، ومسكن يليق بحاله ، وهذا ما ذكره ابن حزم والنووي، وكثير من العلماء.
قال النووي: «في تحديد الكفاية التي تعمل الزكاة على تحقيقها، بل إتمامها لذوي الحاجة، قال أصحابنا المعتبر المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لابد منه على ما يليق بحاله بغير إسراف ولا إقتار النفس الشخص ولمن هو في نفقته».
ومما لابد منه في عصرنا أن يتعلم أولاد الفقير من أحكام دينهم، وثقافة عصرهم، ما يزيل عنهم ظلمات الجهل وييسر لهم سبيل الحياة الكريمة، ويعينهم على أداء واجباتهم الدينية والدنيوية.
ومما لابد منه - أيضا - في عصرنا أن ييسر له سبيل العلاج إذا مرض هو أو أحد افراد عائلته، ولا يترك للمرض يفترسه ويفتك به، فهذا قتل للنفس، والقاء باليد إلى التهلكة، وفي الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن جابر عن رسول الله أنه قال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل» ...
وإذا ترك المسلم أخاه أو ترك المجتمع المسلم فرداً منه، فريسة للمرض دون أن يعالجه، فقد أسلمه وخذ له بلا شك.
وقد روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله – قال: « المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة».
وإذا عرفنا هدف الإسلام من الزكاةبالنظر للفقير والمسكين الذي لا يحسن حرفة ولا يقدر على عمل - وهو كفالة مستوى معيشي ملائم له ولعائلته، وأنه يعطي تمام كفايته لمدة سنة كاملة، لا لشهر أو شهرين..فلنضف إلى ذلك أن الزكاة بالنسبة لهذا الصنف من المستحقين معونة دائمة منتظمة، حتى يزول الفقر بالغنى، ويزول العجز بالقدرة، أو تزول البطالة بالكسب، وهكذا.
وإليك هذه القصة التي حكاها لنا أبو عبيد بسنده، قال: بينا عمر نصف النهار قائل في ظل شجرة، وإذا أعرابية، فتوسمت الناس فجاءته فقالت: إني امرأة مسكينة، ولي بنون وإن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب كان بعث محمد ابن مسلمة ساعيا - تعني جابيا وموزعاً للصدقة - فلم يعطنا ، فلعلك - يرحمك الله - أن تشفع لنا إليه ، قال : فصاح بـ يرفأ . - خادمة أن ادعي لي محمد ابن مسلمة، فقالت إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه، فقال: إنه سيفعل، إن شاء الله، فجاءه ، يرفا، فقال: أجب.. فجاء.. فقال السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فاستحيت المرأة، فقال عمر:
والله ما ألو أن أختار خياركم، كيف أنت قائل إذا سألك الله عز وجل عن هذه ؟! فدمعت عينا محمد.. ثم قال عمره إن الله بعث إلينا نبيه فصدقناه واتبعناه فعمل بما أمره الله به، فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى قبضه الله على ذلك، ثم استخلف الله أبا بكر، فعمل بسنته حتى قبضه الله، ثم استخلفني فلم آل أن أختار خياركم، إن بعثتك فاذ إليها صدقة العام، وعام أول، وما أدري لعلي لا أبعثك، ثم دعا لها يجمل فأعطاها دقيقا وزيتا، وقال خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر»، فإنا نريدها، فأتته به خيبر»، فدعا لها بجملين آخرين، وقال: خذي هذا، فإن فيه بلاغا حتى يأتيكم محمد ابن مسلمة، فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام، وعام أول.
قال الدكتور القرضاوي: علام تدل هذه القصة بأحداثها وحوارها ؟ إنها تدل على مبادئ ومعان كثيرة وسامية حقا : تدل على مدى شعور الحاكم المسلم بمسؤوليته عن كل فرد يعيش في ظل حكم الإسلام وتدل على مدى شعور الأفراد أنفسهم بحقهم في عيشة لائقة، تهينها لهم الدولة المسلمة، وتدل على أن الزكاة كانت الدعامة الأولى لبناء التكافل المعيشي في المجتمع المسلم، وتدل على أنها كانت معونة منتظمة مستمرة، إذا لم تصل لصاحبها ، فإن من حقه أن يتظلم ويشكو.
وتدل على أن السياسة العمرية الراشدة هي إعطاء ما يكفي ويغني، فقد أعطى المرأة أولا جملا محملا بالدقيق والزيت ثم ألحقه بجملين آخرين، وجعل هذا كله عطاء مؤقتاً، حتى يعطيها محمد ابن مسلمة حقها عن العامين الماضي والحاضر وتدل بعد ذلك كله على أن عمر رضى الله عنه لم يكن في ذلك مبتدعا، بل كان متبعاً لسنة رسول الله ، ولخليفته أبي بكر رضي الله عنه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل