الثلاثاء 04-مايو-1976
شكا أحد الزعماء العرب من تدخل زوجته في الأمور السياسية واتخاذ القرارات الجمهورية وكان بادي التذمر والضيق وهو يروى هذا الخبر للتلفزيون الذي استضافه وقدمه.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها ضيقه وتذمره، فهو قد ذاق الأمرين من ضغوطها عليه.. ولكنه ظل خاضعًا لها لا يستطيع أن يتصرف حيالها بتصرف ينقذه.. فهو أضعف وأجبن من أن يقوم بهذا العمل.
وهذا الأمر لا يبدو غريبًا إذا عرف أن هؤلاء الزعماء.. إذا نجوا من تسلط زوجاتهم فهم لن ينجوا من تسلط غير الزوجات.. فهناك عدة جهات تمارس عليهم مجموعة من الضغوط.. والتلويح الوحيد الذي يلوحون لهم به هو المنصب فإما أن تتخاذل وتدفع وطنك فريسة لهم.. وإما أن تجد نفسك في هاوية.. إما إلى سجن أو منفي.. أو إقامة جبرية وهذا هو حال هذا العالم العربي منذ أمد ليس بقصير وشعوب هذه المنطقة سكتوا حتى عصروا.. ورأوا كيف يكون الظلم شنيعًا؛ فمنهم من حمى وطيس رأسه فصرخ، ومنهم من آثر الذل فاستكان.. ورأى أن العافية الممزوجة بالذل.. حرية ما بعدها حرية... والذين استطاعوا أن يتحرروا من الاستعمار الخارجي لم يستطيعوا التحرر من الاستعمار الداخلي الذي جاء باسم حرية الشعوب وباسم الجماهير والوطنية.. ومارس ما يحلو له أن يمارس فإذا حياة الشعب جحيم لا يطاق.. بعد أن ظن أن الخير قد نزل.. وأن الحق قد جاء.
ولكن مهما طال الليل فإن الصبح قريب، وتقوم ثورات هنا وهناك وتتحرك القلوب لتعمل.. فإذا الأمر قد خرج من نطاق الهمس إلى الجهر وإذا الهدوء عاصفة مروعة تطيح بالعروش وتهلك المهزومين والخائفين.
وفي مصر أحداث:
وفي مصر أمثلة كثيرة- فهذا البلد الكبير الذي ضرب أمثلة رائعة في التاريخ الإسلامي وسطر سطورًا مجيدة تسلط على حكمة حفنة من الطغاة، ولكن من نوع غريب.. فالذين حكى عنهم القرآن نموذج رهيب.. عندما أخضع رقاب العباد سجودًا وخفضًا وعندما أهاب القلوب بالتخويف والإعدام.. فكان أن عاش الناس في هلع مميت حتى جاء أمر الله وجاء نبيه.. فأبطل كيد الساحر.. ولا يفلح الساحر حيث أتى.. وكان فرعون يقول للناس: أنا ربكم الأعلى.
وقتل فرعون أطفال بني إسرائيل..
وأقلق مضاجع الآمنين، ولكن مصر دخلت في الإسلام ونسيت.. أو كادت أن تنسى تاريخ الفراعين.. وظنت أنها قد انتهت من الجور والظلم.. ولكن الاستبداد السياسي.. والعقول المدمرة ما كان لها أن توقف الشعب عند هذه الأماني... فأفرغت في روعه أن الحق لن يزول من على ترابها وأن كل ما يأتيها أحسن من سابقه.. ومضى دهر عليها وجاء الملوك إليها.. وعاثوا بها فسادًا.. ووقف الشعب المسلم ينصر دينه ويدفع عن معتقده ويدافع عن وطنه..
وفي ليلة ليلاء.. كان مصيره قد قرر.. وصحا على حركة العسكر ليجد نفسه قد انتهى من الملك وجاءت إليه عصبة تزعم أنها حامية له من فساد الملك وحاشيته.. وابتهل الشعب.. ولكن الأمور لا تسير على ما يشتهي الناس.. فقد حدث الخلل وزاغ العقل والفكر.. فإذا الأحرار على أعواد المشانق.. وإذا الأيدي الملوثة تمتد لتصافح من وراء الستار وتجدد العهد على الانتقام من الشعب.. وبدأت الهزائم تتلو والشعب لا يدري سوى ما يقال له أن الانتصارات تنثال انثيالًا وهو يصفق ويعيش في الأحلام.. وكلما مر عام أحس ثقله.. وأحس ثقل العام القادم.. لأن الوطأة شديدة ثقيلة.. وعاش على أمل.
تتبع المجرمون أصحاب الحق.. وترصدوا للشعب.. فإذا كل بيت قد نقص عدد أفراده فردًا أو أكثر.. وإذا في كل بيت ثأر وحمية وعاشت مصر جسدًا مخدرًا فلما انجلى الكابوس.. وأحس الجسم أنه بدأ يستعيد بعض وعيه نظر إلى الدنيا فوجد أن الدنيا هي الدنيا وأن الجو هو الجو غير أن اسمًا قد اختفى وآخر قد لمع ولكنه سمع من يقول إن الحرية ترفع لها أعلامًا.. فصدق.. وقام مترنحًا، ولكن المترنح لم يسلم من السقط أو يسلم من الركل ليسقط.. أو يدمر إذا لزم الأمر والأمر لازم..
والخطباء يخطبون..
بشر الخطباء- عندما رأوا الجو قد زالت بعض غيومه- بشارات الأمل ولكن الباطل خاف هذه البشرى فأعلن رفضه وفي ظلام الليل لفق التهمة وأبعد الخطباء... وجاء بمن يريد.
وثارت الأعصاب فإذا بالتهديد يعود من جديد.. وإذا الذي كان يحدث في الماضي يحدث أكثره في الحاضر..
ومن الأزهر يخرجون..
وجاء قانون الأحوال الشخصية نقطة استثارة للمسلمين.. فالتعديل قد رؤي أنه أصلح وأن شريعة الله قد بليت وأن البشر يعرفون ما لهم وما عليهم.. فقامت جمعية وجمعت فيها نساء لهن ثارات وترات واجتمعن بالزعيمة.. فإذا بالقانون يفرض فرضًا وإذا بمجمع البحوث يقره بعد أن رحل منه عملاقه.. الذي كان يعرف كيف يكبح جماحهم؛ أعني به المرحوم فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة.. وثار شيوخ الأزهر واعتلوا المنبر وردوا دفاعًا عن شريعة الله.. ولكن الأمر نزل بهم..
فترصد لهم وتربص بهم.. فإذا هم في بيوتهم مقعدون.. ثم إلى خارج الوطن يبحثون عن لقمة العيش.
وشعب ينادي..
وسارت مسيرات كثيرة إلى مجلس الشعب تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية فالبلد بلد مسلم ودستوره يباعد بينه وبين دينه. فلا بد من عودة إلى العزة الإسلامية والهيمنة التامة لدين الله.. وسارت المظاهرات أكثر من مرة إلى مجلس الشعب وحودث أعضاء المجلس. ولا تزال الأحاديث دائرة.. والذين يبحثون عن النور لن يضلوا مهما تعنت الطغاة.. وسوف تبقى الحقيقة وينقشع الزيف.. فالزيف عمره قصير.. أما ما ينفع الناس فيمكث الأرض.. تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.. ولن تجد لسنة الله تحويلًا. والخمر.. أم الخبائث.
من أجلها قامت ثوره.. نعم ثورة... فالذين طالبوا بتجديد تراخيص محلاتهم.. قدمت شكواهم إلى المحاكم ومن المحاكم من قضى مستشاروها بتجديد التراخيص..
وخاصة ما أوردته جريدة الأخبار القاهرية بتاريخ ٢٥- ٤- ١٩٧٦ من أن مجلس مدينة طنطا قرر رفض منح التراخيص لمحلات بيع الخمور، ولكن المحكمة الإدارية جددت رخصة- الخمارة- وكان دليلها أن منع التجديد قد صدر من مجلس المدينة وهي هيئة غير مختصة.. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد فقد اجتمع المجلس ثانية وقال- إن طنطا التي تقوم شهرتها على السياحة الدينية يجب أن تكون أول من تطبق المبادئ الإسلامية، وأجمعوا على أن قرار مجلس المدينة الذي رفض تجديد رخصة بيع الخمور هو إعمال للشريعة الإسلامية التي هي دين ودولة؛ نعم، فهذا الذي حدث تم في مدينة طنطا.. ولكن من قبل طنطا من رفض ذلك أيضًا مؤكدًا أن روح الإسلام لم تخمد في هذا الشعب وأنه وإن عاش عمرًا طويلًا في ظلال الطغاة... إلا أنه لن يستكين وسوف يرفض هذه الأساليب.. ليعود إلى المنبع الأصيل.
والشيخ الباقوري.. يهزل.
ومن عجيب أن الذين يحبون اللعب على الحبال يتدخلون في الموضوع.. فبعد أن بهتت صورته أراد تلميعها.. ليعرفه الناس وقد سئم الناس نفاقه فتزلفًا للنصارى واليهود يتحدث عن الموضوع.. كأنه هو القيم على أمور المسلمين.. ويدعو إلى نبذ التعصب.. وأن نترك الأمر.. فلن يجدي نفعًا أن تمنع تجديد ترخيص محل بيع الخمور.. ويجد له من فلسفته الباردة ما يعلل به سقم منطقه.
ونقول.. كف لسانك.. فقد شبع الناس من أذاك.. واختر لنفسك حياة تنفعك.. فمآلك إلى التراب وسوف تقف بين يدي الله تسأل؛ فماذا أنت قائل؟ أيها.. الشيخ..
وبعد
فليس هذا هو كل شيء.. ولكنه بعض ما يجري.. بداخل مصر ولله ما عانت مصر وتعاني.. ولله هذا الشعب.. الذي ينشد العزة في دينه فيبتلى من قبل المصفدين.. ليجد نفسه مساقًا حسب أهوائهم. ألا فليعلم كل غافل أن منطق التاريخ لا يتغير وأن سنة الله سائرة وأن المد لن يتوقف ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء:227).
ولله في خلقه شئون
عيدي أمين يهتم جدًّا في أحاديث الناس عنه ولا يهمه بعد ذلك ماذا يقولون: الحاج عيدي، البطل، المغامر، الداعية إلى الخلافة الإسلامية.. عدو اليهود، صديق اليهود... المهم عنده أن يكون موضوع الساعة، وشغل الناس الشاغل، وعهدنا به أنه صديق للمسلمين، عدو لليهود، طاف على عدد من الدول العربية أعقاب حرب رمضان وعرض عليهم خطة لاسترداد الأرض العربية المغتصبة، وتطوع أن يكون محاربًا في سبيل وصول العرب إلى حقهم، بل هدد بالوصول إلى تل أبيب.
غير أنه منذ أيام أدلى بتصريح إلى مجلة «وي» الأمريكية قال فيه: «أنا أعشق اليهود، والجنرال موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفضل أصدقائي.
وكنا نسعى إلى اصطياد الفتيات في تل أبيب... وأؤكد لكم أن عددًا كبيرًا من اليهود في تل أبيب والقدس وحيفا ويافا والولايات المتحدة وفي العالم أجمع من أصدقائي بيد أنني ضد هؤلاء الذين ينتهجون سياسة صهيونية تقوم على التوسع الإقليمي».
من غير المفيد أن نقول لعيدي أمين لا فرق بين الصهيونية واليهود.. فهذه المغالطة يقع فيها من هو أوعى وأعقل من عيدي أمين، ويداهن بها ناس من الزعماء العرب. بيد أنا كنا نريد للحاج عيدي أمين!! أن لا يفتخر ويعتز بآثامه ومعاصيه والمجاهرة بالمعصية ليس من خلق المسلمين...
وغريب لرئيس دولة مسلم كان خطيب العيد الماضي في المسجد الجامع ببلده أن يقول أنه كان وموشي ديان يطاردان الفتيات في تل أبيب.
ثم ما الداعي إلى ادعاء صداقته الواسعة مع اليهود في كل من تل أبيب والقدس وحيفا ويافا والولايات المتحدة وفي العالم أجمع... وأخيرًا إذا كان لا بد من تعليق فهذه الشعوب الإسلامية تستحق أمثال هؤلاء الحكام الذين يصدق فيهم وبشعوبهم قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف:54).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل