العنوان السلطان عبد الحميد ضحية العدوان الثلاثي الصليبي الماسوني اليهودي
الكاتب الشيخ طه الوالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
مشاهدات 102
نشر في العدد 368
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-سبتمبر-1977
خسر السلطان وجاهة الصولجان..
وربح الكرامة ومجد الإيمان..
بقلم: الشيخ طه الولي
أمين المكتبة العامة بوزارة الأوقاف
والشؤون الإسلامية
في عدد سابق من مجلة «المجتمع» الزاهرة، قدمنا نصًّا لمذكرات اثنين من أعداء العروبة والإسلام أحدهما نصراني من بريطانيا والآخر يهودي من ألمانيا، وقد تضمنت هذه المذكرات فشل جميع المحاولات التي بذلها زعماء الصهيونية العالمية للوصول إلى السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله من أجل استغلال المتاعب السياسية والمالية والعسكرية التي كانت تعاني منها الدولة العثمانية في أواخر القرن الماضي وإقناع السلطان بقبول العروض المادية للتغلب على تلك المتاعب بمقابل السماح لليهود بالتسرب إلى فلسطين والإقامة فيها، وأن هذا الموقف المشرف للسلطان عبد الحميد رحمه الله كلّفه غاليًا بالنسبة لوجوده على رأس الإمامة العظمى للمسلمين، أما بالنسبة لشرفه ودينه وضميره فإن هذا الموقف نفسه كان شهادة لا يمحوها الدهر مهما طال على إيمان هذا العامل العثماني الكبير بمسئوليته التاريخية عن واجبه الإسلامي بالحفاظ على تراب الوطن وتراث الأمة ولو كلفته هذه المسئولية التاج والحكم والصولجان وهو ما حصل بالفعل؛ إذ إنه رحمه الله خسر وجاهة الصولجان ولكنه ربح الكرامة ومجد الإيمان.
ثم إننا الآن، نحب أن ننتهز هذه المناسبة لنقول بأن هرتسل لم يكن وحيدًا فيما بذله اليهود لمقابلة السلطان عبد الحميد الثاني في سبيل استدراج الدولة العثمانية لتحقيق مآربهم العدوانية في فلسطين، فلقد تكررت محاولات الصهيونيين في هذا الصدد أكثر من مرة وكانوا دائمًا يصطدمون بإصرار هذا الخليفة العثماني الصامد على ردهم ومقاومة أساليبهم الاحتيالية مما جعله في النهاية يدفع عرشه ثمنًا لموقفه البطولي بالحفاظ على البلاد المقدسة وحمايتها من أطماع الصهيونية الغادرة.
شهادة إسلامية يعتز بها تاريخ السلطان المفترى عليه..
ففي يوم الإثنين الواقع في 7 جمادي الثانية من سنة 1378 هجرية «11 أيلول 1967 ميلادية» زرت الشيخ علي شيخ العرب في بيته بطرابلس الشام برفقة أخي فؤاد الولي رحمه الله أستاذ التاريخ بكلية التربية والتعليم في المدينة المذكورة. وفي أثناء الحديث الذي تبادلناه التفت إليّ الشيخ المذكور وقال:
«كأني بك تريد مني التحدث فيما انتهت إليه الحال بالإسلام والمسلمين بعد الذي أصابهم من الذل والهوان بفلسطين، وعن مقدمات ما صرنا إليه من نتائج يندى لها جبين التاريخ العربي خجلًا وعارًا».
قلت أجل يا فضيلة الشيخ، فإن أبناء جيلنا، الذين كُتب عليهم أن يعيشوا هذا الذل والهوان، قد غشيت أفكارهم معلومات كاذبة، شحنها الغرب بالأضاليل، تمهيدًا لما أوقعنا به من أحابيل لا سيما فيما يتصل بموقف السلطان عبد الحميد الثاني، الذي كان آخر الحصون التي دافع بها الإسلام عن وجوده العالمي، وبعد انهياره تحت مؤامرات الغرب وربيبته الصهيونية، اضطرب الوجود، وأخذ العرش الذي رفع سادنوه راية محمد صلى الله عليه وسلم 600 سنة، أخذ يترنح تحت الجالسين عليه، ابتداء من السلطان محمد رشاد حتى سقط مقضيًّا عليه هو والسلطان محمد وحيد الدين، ثم زال نهائيًّا مع آخر سلاطين بني عثمان السلطان عبد المجيد خان سنة 1923 ميلادية، حين ألغى مصطفى كمال باشا «أتاتورك» السلطنة ثم الخلافة ليتمكن من إبعاد شرور أوروبا عن البلاد التركية يوم ذاك.
ثم قال الشيخ، شيخ العرب،
«.... كان ذلك سنة 1902 ميلادية، ونحن في إسطنبول، عاصمة الخلافة الإسلامية، وفي قلب قصر يلدز، قصر خليفة المسلمين بالذات، العبد الفقير، وإلى جانبي الشيخ محمود الجيزاوي إمام جامع العرب في دار السعادة، وإذا بثلاثة من اليهود يطلبون مقابلة مولانا أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد الثاني، ولما كانت مثل هذه المقابلة تخضع لأصول التشريفات المتبعة في القصر السلطاني، فقد استقبلهم بادئ ذي بدء، تحسين باشا، رئيس كتاب السلطان مستوضحًا منهم غرضهم من هذه المقابلة، وكان هؤلاء اليهود الثلاثة:
1- مزراحي قراصو، مدير أحد البنوك.
2- جاك، لم أعد أذكر باقي اسمه.
3- ليون، لم أعد أذكر باقي اسمه.
وعلى الرغم من إصرار هؤلاء الأشخاص على الانفراد بمولانا السلطان، إلا أن تحسين باشا أقنعهم باستحالة مثل هذا التصرف الشاذ، وأن باستطاعتهم البوح بما يريدون إليه شخصيًّا، وهو ينقله بالحرف الواحد إلى صاحب الجلالة الخليفة الأعظم.
فلم يجد اليهود الثلاثة بُدًّا من قبول الأمر عند رغبة تحسين باشا الذي استمع إليهم يقولون:
إن اليهود مستعدون أن يقوموا:
أولاً: بوفاء جميع الديون المستحقة على الدولة العثمانية.
ثانيًا: بناء أسطول لحماية الإمبراطورية العثمانية.
ثالثًا: تقديم قرض بخمسة وثلاثين مليون ليرة ذهبية دون فائدة، لإنعاش مالية الدولة وإنماء مواردها المالية.
وذلك مقابل:
أولاً: إباحة دخول اليهود إلى فلسطين في أي يوم من أيام السنة للزيارة.
ثانيًا: السماح لليهود بإنشاء مستعمرة ينزل بها أبناء جلدتهم إلى قرب القدس الشريف أثناء وجودهم في فلسطين للزيارة.
ونقل رئيس الكتاب تحسين باشا إلى سيد القصر ما سمعه من اليهود الثلاثة، وما لبث أن سمع من الجالس على عرش الخلافة الإسلامية الجواب التالي:
- تحسين، قل لهؤلاء اليهود الوقحين ما يلي:
أولًا: إن ديون الدولة ليست عارًا عليها؛ لأن غيرها من الدول، مثل فرنسا، هي الأخرى مدينة وذلك لا يضيرها.
ثانيًا: إن بيت المقدس الشريف، قد افتتحه للإسلام أول مرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولست مستعدًّا لأن أتحمل في التاريخ وصمة بيع الأراضي المقدسة لليهود، وخيانة الأمانة التي كلفني المسلمون بالحفاظ عليها.
ثالثًا: ليحتفظ اليهود بأموالهم؛ فالدولة العلية لا يمكن أن تحتمي وراء حصون بنيت بأموال أعداء الإسلام.
وأخيرًا، مرهم، فليخرج هؤلاء من عندي، وأن لا يحاولوا بعدها مقابلتي أو الدخول إلى هذا المكان.
وتابع الشيخ علي شيخ العرب كلامه معي، وقد أخذته الحمية الدينية وتملكته رغبة عميقة لتصحيح الوقائع التي أريد بها تشويه سمعة السلطان عبد الحميد الثاني، تابع كلامه قائلاً:
ثم إني علمت بعد ذلك أن السلطان أرسل إلى ناظر الداخلية في عهده، ممدوح باشا بأن يطلب بالشيفرة إلى رؤوف باشا متصرف القدس الشريف ليقوم فورًا بالتحري عن اليهود في فلسطين ولا سيما في القدس الشريف، ولا يبقى في الأرض المقدسة أيًّا من الطائفة اليهودية غير الذين قدموا إليها بقصد الزيارة العابرة، وألا يسمح لهؤلاء بالمكوث فيها إلا بمقدار الزمن المحدد لهذه الزيارة.
ثم تابع شيخ العرب حديثه المتهدج برنة مثقلة الجرس بآلام الذكريات.
وفي سنة 1908م نجح اليهود بإخراج جمعية الاتحاد والترقي الي ملعب أهوائهم السياسية، وقد كانت هذه الجمعية القناع الخارجي الذي تقنعت به جماعة الدونما المتظاهرين بالإسلام من يهود إسبانيا الذين اتخذوا من مدينة سلانيك مقامًا لهم بعد فرارهم من محاكم التفتيش التي شكّلها ملوك تلك البلاد للتنكيل بمن يخالفهم في العقيدة الدينية سواء من المسلمين أو من اليهود، ونزل السلطان عبد الحميد الثاني عند رغبة طالبي الحريات الدستورية وأعلن ما سُمّي يومئذ بـ المشروطية- أي الدستور.
بيد أن غاية اليهود، في حينها، لم تكن المشروطية بما فيها من نص على إباحة الحريات العامة، وإنما كانت غايتهم في الواقع، إزاحة عبد الحميد من طريقهم للوصول إلى فلسطين، بعد أن تبين لهم أن هذا السلطان سيبقى وجوده حائلاً دون تحقيق أغراضهم العدوانية على الأرض المقدسة، ولهذا فإنهم تمكنوا من رشوة بعض رجال الدين، وأوعزوا إليهم بالخروج في الشوارع والمناداة بتطبيق الشريعة المحمدية وهو ما سُمّي يؤمئذ بحركة الارتجاع -أي الحركة الرجعية بلغة اليوم- قاصدين من وراء ذلك إحراج السلطان ودفع الاتحاديين إلى الثورة المسلحة عليه، للتخلص نهائيًّا منه، تمهيدًا للتخلص من الإسلام نفسه.
وقد أتت هذه الحركة -الارتجاعية- أكلها الشهية بالنسبة لليهود مع الأسف وتم لأعداء الإسلام ما أرادوا، فقام الجيش بحركته الحاسمة متقدمًا نحو يلدز، مقر السلطان، بخيله ورجله طالبًا إزاحة العرش من تحت سيده الذي رفض النزول عند مغريات اليهود وتهديداتهم، لتحقيق مطامعهم في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وفي 7 آذار مارس سنة 1909م تقدم إلى رحاب القصر المنيف، يلدز، ثلاثة من أعيان الدولة العثمانية، وهم:
1- عارف حكمت- باور وفريق بالبحرية.
2- مزراحي أفندي قراصوه - يهودي – عضو أعيان.
3- أرستيدي باشا - يوناني - وزير النافعة سابقًا.
ثلاثة أعيان، مسلم مأجور، ويهودي حقود، ويوناني موتور.
دخل هؤلاء على السلطان الذي استقبلهم بما عرف عنه من هيبة ورجولة وإباء وكانت وقفتهم بين يدي مولاهم على أبشع ما يكون من قلة الأدب وجفاف ماء الوجه، غير أنهم أمام عظمة عبد الحميد وقوة شخصيته لم يسعهم إلا التظاهر باللباقة والاحتشام.
عارف حكمت، أخذ التحية الرسمية لمولاه بكل أدب واحتراه، عندما تذكر هذا الضابط المسلم، في ساعة من ساعات يقظة الضمير، أنه في حضرة ولي نعمته وأمير المؤمنين.
وأما اليهودي القذر، فقد مد يده بكل صفاقة ووقاحة إلى جلالة السلطان الأعظم وفيها وثيقة الخلع من الولاية الشرعية.
بينما بقي أرستيدي اليوناني ساكنًا في وجوم كأنه ليس من أبناء هذه الدنيا.
وهنا قطع السلطان الوقور حبل الصمت المهيب بلهجة الحاكم الواثق من نفسه موجهًا كلامه إلى الذين وقفوا باهتين بين يديه قائد:
- هل أنتم من الأعيان؟
فأجابوا: نعم..
- ومن عينكم في الأعيان؟
فسكتوا جميعًا ولم يجدوا جوابًا.
هنا التفت السلطان كالجريح من قشاعم النسور، ووجّه كلامه إلى عارف حكمت قائلًا، -- أنت؟.. ألم تترب في هذا القصر يتيمًا -فقد كانت أم عارف المذكور إحدى الخادمات بالقصر السلطاني- ثم أدخلتك المدرسة البحرية العسكرية ثم أرسلتك إلى أوروبا حتى تخرجت برتبة أركان حرب؟
وتابع السلطان كلامه مع عارف بسخرية جديرة بأن تصرع من يتلقاها لو كان عنده مثقال ذرة من كرامة أو حياء.. فمهمتك التي جئت بها لا بأس بها..
ثم التفت جلالته إلى أرستيدي اليوناني النصراني قائلًا:
- من جعلك مستشارًا للمالية سابقًا، ثم وزيرًا للنافعة، ثم عضوًا في الأعيان؟
قال ذلك بلهجة كلها توبيخ وتبكيت، وقال أخيرًا لليهودي مزراحي قراصوه، كلامًا ذكره فيه يوم جاءه من سنوات ست بطلب السماح لليهود باستعمار فلسطين، مقابل ثمن يدفعونه لأمير المؤمنين، وكأن السلطان الجريح، أراد إفهام اليهودي الوقح، بأن هذه الوقفة التاريخية التي تحمل خلع أمير المؤمنين في لحظاتها الحاسمة إنما هي صدى لتلك الوقفة السابقة التي انكفا فيها اليهود على أعقابهم مذموين مدحورين أمام صلابة السلطان المؤمن في الدفاع عن حرم الله وبيته المقدس في فلسطين.
ولكم كانت كلمات السلطان المظلوم قوية وبليغة وهو يتلقى خلع ولايته من إمارة المؤمنين على يد اثنين، أحدهما نصراني يوناني، والآخر يهودي صهيوني، ومعهما ذلك المسلم الذي كان إلى جانبهما كالطرطور كمؤخرة بردعة الحمار.
وكان ختام حديث السلطان، قوله للذين اقتحموا عليه حرمته القدسية، إن مجيئكم لتبليغ سلطان الدولة العثمانية، وخليفة المسلمين قرار الخلع، عمل سيندم عليه من أرسلكم...
ودون أن يمد يده إلى اليهودي، ليأخذ ورقة التبليغ الخطير، التفت إلى ياوره علي جودت الذي ظهر فيما بعد أنه كان ضالعًا مع الاتحاديين في مؤامرتهم وأمره بأن يأخذ الورقة من يد اليهودي وأن يتسلمها منه، ثم يسلمها بعد ذلك لابنته عائشة سلطان- التي كانت آنذاك ما تزال حية وتحتفظ بأوراق عبد الحميد، ولعائشة المذكورة كتاب على جانب عظيم من الأهمية عنوانه- "بابام" أي أبي عبد الحميد.
وأقول إن هذه المحاولة التي قام بها اليهود لدى الباب العالي، في دار السعادة- إسطمبول- لم تكن سرًّا محجوبًا عن المتتبعين للنشاط الصهيوني المسعور، سواء في أوربا أو في آسيا، فلقد أشارت إليها أقلام الكتاب، وبعض الجرائد والمجلات مما كان يصدر في أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن الحالي.
ومن ذلك ما نشرته مجلة -المشرق- إذ قالت هذه المجلة الكاثوليكية الكبرى في صفحتها 1094 من المجلد الثاني الصادر سنة 1899م ما يلي.
- لما كان اللورد -غوش- الإسرائيلي سفيرًا بالآستانة، عرض على الحكومة السنية أن يجعل تلك النواحي -جلعاد ومؤاب في عبر الأردن- التي مساحتها ستمائة ألف هكتار، مستعمرة لليهود، تحت نظارة الباب العالي، يسوسونها كما يشاؤون، بشرط أن يدفعوا لمولانا السلطان مبلغًا عظيمًا من الدراهم، لا يقل عن بضعة ملايين من الفرنكات. غير أن الدولة السنية لم تلب دعاء -غوش- وأغنياء اليهود، فذهبت آمالهم أدراج الرياح، وكانت غايتهم أن يمهدوا الطريق لأبناء جلدتهم لإنشاء مملكة مستقلة بالأراضي المقدسة، كما كانت قبل المسيح. انتهى كلام مجله المشرق.
ومما يؤكد الدور الهدام الذي مارسته اليهودية العالمية في تقويض الكيان العثماني من خلال التآمر على السلطان عبد الحميد الثاني، ما جاء في كتاب تركيا الفتاة وثورة 1908- تأليف الدكتور أرنست ا. رامزور، ترجمة صالح أحمد العلي وهو قوله إن حركة تركية الفتاة التي تولدت عنها جمعية الاتحاد والترقي فيما بعد -نبعت في الأصل من المحافل الماسونية في سلانيك بإدارة- الشرق الأعظم - الإيطالي...
إلى أن يقول.. ويؤكد لنا دارس آخر للحالة أنه في حوالي سنة 1900م قرر الشرق الأعظم الفرنسي إزاحة السلطان عبد الحميد وبدأ يجتذب لهذا الغرض حركة تركية الفتاة منذ بداية تكوينها، ثم أن محللًا آخر يلاحظ أنه يمكن القول بكل تأكيد أن الثورة التركية كلها تقريبًا من عمل مؤامرة يهودية ماسونية ص 126 من الكتاب المذكور.
ويظهر أن محاولة -غوش- التي أشارت إليها المشرق- وهي سابقة على محاولة اليهود الثلاثة الذين أشار إليهم الشيخ علي شيخ العرب في حديث معي، يظهر أن هذه المحاولة نبّهت المسلمين ودار الخلافة الإسلامية إلى ما وراءها من الأخطار الجسام، فبادرت، في حينها جرائد الآستانة إلى توجيه أنظار الحكومة والأهالي إلى الاحتراز من تلبية مطالب اليهود وعدم تمكين هؤلاء اللصوص الدوليين، من التسلل إلى فلسطين والقدس الشريف بالذات، فنشرت جريدة المعلومات التي كانت تصدر في الآستانة، ونقلت عنها جريدة ثمرات الفنون التي كان يصدرها ببيروت المرحوم الشيخ عبد القادر القباني -جد الأستاذ نجاتي قباني السفير بوزارة الخارجية اللبنانية اليوم- وذلك في الصفحة 3 من عدد صفر رقم 1234 – 1317هـ وحزيران 1899 ميلادية، ما يلي:
- لليهود ميل شديد تقادم فيهم لمجاورة القدس؛ لأن تلك الأقطار كانت لحدًا لاعتلاء مجدهم في الأزمنة الغابرة. وقد جذبتهم معتقداتهم الدينية إلى لحد مجد أسلافهم فعزم الكثيرون منهم إلى المهاجرة إلى أنحاء القدس، وتوطن فريق منهم في تلك الجهات وصار لهم قسم كبير من الأراضي، وما يزال الكثيرون يرغبون بالهجرة وشراء الأراضي. وهذا مما يضر بصوالح الدولة والأمة معًا؛ إذ تصبح القدس في يوم من الأيام وهي بيد اليهود فقط- لقد أصبحت القدس فعلًا بيد اليهود، فقط بعد حوالي سبعين عامًا مما كتبته الجريدة مع الأسف الشديد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فينشأ من هذا مسائل جمة ولا تخفى أهمية القدس الدينية لأنها ثالث الحرمين الشريفين، وتتابع الجريدة كلامها قائلة:
لقد سمعنا أن الدولة شعرت بالخطر، فأصدرت أمرًا إلى متصرف القدس حظرت فيه بيع الأراضي الأميرية إلى أولئك المهاجرين، كما نصحت الأهالي بأن يحافظوا على أراضيهم ولا يبيعوها لليهود..
فإننا نرجو أن نكون ساعدنا فيما قدمناه من وثائق على توضيح المرحلة التي اضطربت فيها علاقة الأمة العربية بالدولة العثمانية. وسوف نتابع تقديم مثل هذه الوثائق والنصوص التاريخية في حدود ما يساعدنا على خدمة الحقيقة المجردة بروح علمية وموضوعية، لا سيما وأن الآثار التي ترتبت على تلك المرحلة جعلت لسان حال الكثيرين منا قول الشاعر:
رب يوم بكيت منه فلما
صرت في غيره بكيت عليه
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل