العنوان أدب (العدد 858)
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988
مشاهدات 58
نشر في العدد 858
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 15-مارس-1988
من وحي المهنة
دخل علي عيادتي
- طويلًا كالرمح - أسود كالليل - وقد شابت سواد رأسه شعرات بيض كأسلاك الفضة.
وقال: "Excuse me". قلت في نفسي لعله أفريقي من غير
العرب... لا بأس... "You are
excused, me".
قال بلغة إنجليزية يحسده عليها الإنجليز: "Dr. Izuki is a Nigerian bones doctor." قلت له: أنيجيري أنت؟ قال: "No... I am Sudanese."
إذا كنت
سودانيًا كما تقول، فلماذا تصر على الكلام الإنجليزي ولا تتكلم لغة العرب؟ لماذا
وأنت بدوي وأنا بدوي مثلك؟ فأنا لا أجيد الإنجليزية بهذه القوة والضراوة لديك.
قال وقد لاحظ
لهجة التهكم في كلامي، محاولًا الثأر للغته الإنجليزية المنمقة: "أنت بدوي من
أين؟" قلت: بدوي من سوريا. ثم أردفت: يا أخي نحن مسلمان.
أنت مريض وأنا
طبيب... ونحن في بلاد عربية... أي تراجع وأي تخلف هذا! أن نتكلم لغة الأوروبيين
ونحن مسلمان عربيان في بلاد عربية... ونحن في أشد الحاجة للإيضاح والتفاهم «كطبيب
ومريض» ... دعها يا رجل... دع لغة حضارة القشور، وتعال إلى لغة الآباء والأجداد
والإسلام والقرآن... والله إن لغتنا لأشرف وأجمل وأقدر على التعبير. وهي فوق هذا
ضرورة - إنها أبرك إنها أعمق وأبقى... تاريخها البعيد غير معروف متى بدأ... إن
رصيدها التاريخ كله... بل هي أقدم من التاريخ.
وهؤلاء لقطاء...
جذورهم قريبة... تاريخهم رقيق... حضارتهم زبد يذهب جفاء... سكان جزر - قراصنة بحار
- سادوا العالم يوم سادوه... قهرًا - وجبرًا - ولصوصية وقرصنة... وعلموا العالم
لغتهم وافتتن الناس بهم وبها وهي لغة القرصنة واللقطاء...
وساعدتهم طفرة
العلم والتكنولوجيا... فأعطيا لغتهم أهمية علمية... فأين حضارة هؤلاء من حضارة
الإسلام... وأين لغتهم من لغته... وأين مركز الإنسان في حضارتهم... أنت قدمت من
عند الدكتور إيزوكي... النيجيري... والذي أتقن لغة الإنجليز كالإنجليز ودرس معهم
وعاش معهم... سله عنهم... سله عن معاملتهم أسود الأفارقة... الناس في نظرهم
لونان... التقسيم الطبقي عندهم يعتمد على اللون... هذه النظرة العنصرية والميزان
السقيم الذي اعتمد على خصيصة في الإنسان خارجة عن مادته... فأنت لم تكن أسود لجرم
اقترفته... لم يكن هو أبيض لجدارة استحقها... وهي نظرة قذرها الإسلام منذ جاء...
وتأفف منها النبي يوم أدب أبا ذر قائلًا: «أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ! عَنْ بِلَالٍ
الْحَبَشِيِّ»... أعيرته بأمه! «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ
امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» (البخاري:30) حتى تمنى أن لم يكن أسلم قبل تلك
العلقة... اسأل الدكتور إيزوكي كم اكتوى بنار هذه الجاهلية عندهم... سله كم وقف
أمام أبواب لأنه أسود... وولجها غيره لأنهم بيض... وقد يكون الأجدر منهم
بالدخول... وكم احتجبت عنه الوظائف لسواد لونه، وقدمت للبيض الأنقياء على طبق من
محاباة وعنصرية.
دع يا أخي لغتهم
فإنها لغة جاهلية. قال: كيف يا ذلك وقد امتهنتها ودرستها في السودان منذ 35 سنة،
وجئت أدرسها في دول الخليج. والحق يقال إنه كان يتقنها. فإذا سمعته وأنت مطرق
الرأس تخاله المستر غلادستون. وحين ترفع رأسك تريد أن تستطلع هذا الإنجليزي القادم
إذا بك كأنك أمام ساكن الأدغال الاستوائية. فقلت: لا مانع أن تعلم لغتهم، كما
كانوا هم يتعلمون لغتنا أيام عز الإسلام ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران:140) حتى يأتي اليوم الذي يتعلمون فيه لغتنا ثانية،
وتعود كما كانت بالأمس لغة العلم الأولى. وقبل أن أودعه... وقد شط بنا قارب الحديث
بعيدًا عن شاطئ الطب والعلاج قلت: علِّم الإنجليزية كما شئت، ولكن حذار أن تعلمها
تعلم المبهور بها والمهزوم أمام أصحابها... علمها لأطفالنا لأن من تعلم لغة قوم
أمن مكرهم وما أشد مكر هؤلاء ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ
مَكْرُهُمْ﴾ (إبراهيم:46).
علمها... وبين
كل جملتين من جملها قل للتلاميذ: إنها لغة القراصنة واللصوص والأوباش، ولكنها
للأسف لغة العلم أيضًا؛ لأننا توقفنا فظهروا وكأنهم متقدمون.
د. حمدي حسن
حصاد القرون
شعر: د. عبد
الرحمن بارود
أيها العاذلون،
لا تعذلوني
إن هذا حصاد كل
القرون
قذفتني الأمواج
في شعب المر جـ
ـان في ليلة
بغير عيون
في حطام من
المجاديف طاف
وقلوع من غارقات
السفين
يا خليلي.. ما
للبحار خليل
إن للبحر نوبة
من جنون
أين مني العرار؟
والقمر الفض
ي بدر... ومئات
الغصون؟
أين مني أسراب
خيل عتاق
سحقت ما أمامها
من حصون؟
أين مني سيف من
الله مسلو
ل.. أداوي به
فؤاد الخؤون؟
أين مني دار من
الأطلسي الـــ
فخم غربًا إلى
تخوم الصين؟
حيث سارت سحابة
قلت سيري
لست إلا فراشة
في يميني
حلقي يا نور بي
صوب أمسي
وعلى باب «أحمد»
أنزليني
أتأمل ذاك
الجمال المصفى
حيث أنفك من
حديدي وطيني
روضة من رياض
جنات عدن
أنا فيها في حضن
أم حنون
انثري «طيبة»
الحبيبة طيبا
وحصاها من لؤلؤ
مكنون
الأعاصير في
سمائي وأرضي
وخلايا دمي
وعظمي الدفين
أين أمسي؟ غال
الغوائل أمسي
وتوارى غدي وراء
الظنون
بعد سجن الحياة
يا بدر غصت
ببدور الدجى
جميع السجون
لي في البحر
مركب لم يغرد بعـ
ـد أعددته لرد
ديوني
جبل من جهنم
يتهادى
كالعذارى هو
الذي يشفيني
هو مني لكم هدية
عيد النــ
حر يا من في
عيدهم نحروني
آه مما جنى عليّ
جدودي!
وجدودي حديثهم
ذو شجون
ضيعوني.. وقبل
خلقي بدهر
زرعوا لي زرعًا
به قتلوني
يا لتاريخ أمتي!
فيه ما يثـ
لج صدري... وفيه ما يكويني
أمة رجلها على
الأرض لكن
يدها في يد
القوي المتين
سطعت في سمائها
القمم البيـ
ضاء والشمس درة
في الجبين
مسختها أيدي
رعاة غلاظ
جردوها من كل
دنيا ودين
وإذا الحزن فاض
متعت عيني
بالأعيب فرقة
للفنون
برعت في الغناء
والرقص والتمـ
ثيل والسحر
والرقى والمجون
فرقة عالمية
سحرتني
كل نجم فيها
«صلاح الدين»
قال فيها
نسَّابة جهني
لا يبارى: أنا
لها فاسألوني
هذه فرقة من
الغجر الرحل
مملوكة لبن
جريون
من ذؤيب بن ثعلب
بن كليب
وجحيش بن صرمة
بن هجين
بكاء المدافع
شعر: فريد
القاعود التميمي
مع انتفاضة
الأهل في الضفة الغربية، مع ثورة الحجارة أرى دعوة صريحة لكل أبناء الأمة تقول...
إلى الجهاد... إلى الجهاد... إلى الجهاد الإسلامي المبارك أيها المسلمون، أما
المدافع الخرساء فهي تبكي ألمًا لما يجري.
بكت المدافع
بعدما حزنت دمًا
صرخت ولكن كان
فوها أبكمًا
قد جردوا أحشاءها
من قوتها
والثغر بات
ملجمًا ومكممًا
صدئت لطول
سكونها مع هجرها
تشكو الذين
يغلقون لها الفما
لو أنها نطقت
لقالت ليتني
حجرًا بأيدي
صبية تحمي الحمى
ولقرعت أصحابها
لتخاذل
إذ يمنعوها أن
تقاوم مجرمًا
وكذلك الصاروخ
يندب حظه
في الأرض أمكث؟
إنني أهوى السما
ليلي تطاول
والرقاد سئمته
حتى نهاري قد
بدا لي مظلمًا
يا ليتني حجرًا
أصير لفتية
يا ليتني حجرًا
تسيل به الدما
حتى الحجارة قد
تعالى شأنها
أضحت سلاحًا
يقتنى كي يرجما
فتحية للصامدين
بأرضنا
من طائرات لا
تلازم لازما
ومن المدافع
كلها أوساطها
وخفيفها وثقيلها
لا سيما
ومن الجيوش تحية
عربية
مع كل رجمة راجم
ذا كلما
ولربما قالوا
أينطق أخرس
فأقول ما نحياه
أنطق أبكما
فاستبشري يا قدس
قد سمع الندا
أرواحنا جعلت
لنصرك سلمًا
إن الشباب على
الجهاد تعاهدوا
لن يسلموا للكفر
يومًا مسلمًا