; واحة الإيمان: «حقيقة البؤس: والنعيم» | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان: «حقيقة البؤس: والنعيم»

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1986

مشاهدات 76

نشر في العدد 787

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 14-أكتوبر-1986

روى مسلم في صحيحه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة فيقال له: یا بن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا بن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي بؤس قط. ولا رأيت شدة قط»[1].

أشد الناس بؤسًا

وهنا نجد المؤمن من أهل الدنيا، الذي كان يعيش حياة مليئة بالبؤس من فقر مدقع، وتعذيب وتشريد واضطهاد من قومه لا لذنب سوى قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا لذنب سوى أنه رفض أن يركع ويسجد لغير الله، لا لذنب سوى أنه رفض أن يعطي اسمًا أو صفة أو خاصية لله لغير الله.. هذا الصنف من الناس من أهل الجنة يؤتى به يوم القيامة فيغمس تلك الغمسة في الجنة، ويسأل بعدها في هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟

ورغم تزاحم مناظر البؤس التي عاشها ورآها بشتى أنواعها وأحجامها، وبالرغم من معاناته الطويلة للشدة التي مرت به من المحن والابتلاءات فإنه يقسم بالله في تلك اللحظات وهو الذي ليس من طبعه الكذب عندما كان في الدنيا؛ فهل تراه يكذب في ذلك اليوم الرهيب؟!

إنه ليس الكذب، ولكنه ذلك الشعور الذي تملكه عندما صبغ صبغة في الجنة رأى من خلالها قصور الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ورأى الأنهار تطّرد من تحتها أنهار اللبن والعسل والخمر والماء في منظر لم يعهده في الدنيا، ورأى ترابها من الزعفران، وطينها من المسك، وحصباءها من اللؤلؤ، ورأى حورياتها اللاتي لو نظرت إحداهن من السماء لغطت شعاع الشمس، ورأى قصورًا كالخيام صنعت من لآلئ مجوفة فيها زوجات للمؤمن، ورأى طيورها بألوانها الزاهية، ورأى، ورأى، ورأى... مما جعله ينسى ذلك البؤس الذي رآه في الدنيا فأقسم بالله أنه لم ير بؤسًا قط، ولم يمر به شدة قط

كيف كان يعيش؟

إنه كان يعي حقيقة الدنيا عندما كان فيها، يعلم أنها أرض اختبار ومرور للآخرة فكان يعيش فيها عيش الغرباء امتثالًا لما أمره به الرسول- صلى الله عليه وسلم- عندما كان يقول لابن عمر «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»[2] وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك».[3]

هكذا كان يعيش في إدراك تمام لمعنى الحياة الدنيا، فالغريب يدرك أن الأرض التي نزلها سيغادرها في أي وقت، فلا يتصرف تصرف المقيم، وكذلك عابر السبيل، إنما سمى عابر، لأنه لا يبقى في الموطن الذي يمر عليه، بل يتجاوزه بسرعة إلى حيث موطنه الأصلي، فإذن كان يعيش بهذا الشعور، شعور الرحيل الدائم، والإكثار من التزود بالزاد الذي يعينه على مواصلة الطريق حتى وصوله إلى موطنه الأصلي وهو الجنة، ويزود نفسه بالسلاح لكي يحمي نفسه من قطاع الطريق، وهم المعاصي إذا أرادوا قطع طريقه وسلب ما لديه.

________________

[1]  مسلم ۲۸۰۷ صفات المنافقين.

[2]  الترمذي ٢٣٣٤.

[3]  البخاري - الفتح ٦٤١٦.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1350

149

الثلاثاء 18-مايو-1999

عاقبة سفرك في الدنيا

نشر في العدد 1700

192

السبت 06-مايو-2006

من أعذب الشعر