العنوان مصر بعد مبارك.. ومحاولة الدفع إلى «إسلام» على الطراز التركي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1948
نشر في الصفحة 42
السبت 16-أبريل-2011
- نجحت الأنظمة الاستبدادية في إقناع الأمريكيين بأنها البديل الوحيد عن الإسلام «الراديكالي» في المنطقة ولم يكن هناك بديل ثالث.. وحتى إن لاح في الأفق كان زعماء هذه الأنظمة يدمرونه.
- محاولة مزاوجة الإسلام بالديمقراطية معركة يحارب الغرب من أجلها بلا هوادة.. بعد أن تبين له أن النصر على الجهاديين أمر بعيد المنال.
- «مصطفى أكيول»: تجربة حزب «العدالة» يمكن أن تتطور إلى ما يسمى بمرحلة «ما بعد الأسلمة».. حيث يقبل الإسلاميون قواعد الديمقراطية العلمانية.
- «إحسان داجي»: تركيا الجديدة نجحت بديمقراطيتها وتعدديتها السياسة واقتصادها المزدهر وفق سياسة السوق الحرة والاقتصاد المفتوح.
- إسلاميو تركيا شاركوا في الحياة السياسية منذ 60 عامًا.. وخرج حزب «العدالة والتنمية» من رحم أحزاب إسلامية.
- تعميق الديمقراطية في تركيا جعلها تنجح في الحفاظ على مصالحها والمصالح الدولية في الوقت ذاته.
- كان «أردوغان» أعلى الأصوات في العالم الإسلامي تأييدًا لثورة مصر.. وأول من دعا إلى حكومة انتقالية وبرلمان جديد.
- حزب «العدالة» يتبنى نظرية اجتماعية وثقافية محافظة لكنه ليبرالي وله برنامج سياسي واقتصادي.. ويعد نموذجًا على الآخرين أن يتأملوه كثيرًا.
بينما كانت الأحداث تتسارع في مصر قبل أيام قليلة من تنحي الرئيس «حسني مبارك» عن الرئاسة اتصل الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» برئيس الوزراء التركي «رجب طيب أردوغان» وناقش معه التطورات التي تجري في مصر، مؤكدًا أهمية دوره كقائد منتخب في المنطقة.. ودارت في «واشنطن» مناقشات متوازية مع هذه الأحداث تدور حول مستقبل مصر بعد «مبارك»؛ حيث كانت الولايات المتحدة لعقود عديدة تدعم النظام المصري الذي كانت تصفه بأنه «استبدادي»؛ لأنها تخشى البديل الذي تصفه بأنه إسلامي «متطرف» أو «راديكالي» أو « لينيني»، كما وصف به بعضهم فكر الشهيد «سيد قطب» Ibon Villebeitia
يقول الأمريكيون: إن «المنطق الذي كان يدفعهم إلى ذلك منطق قاهر؛ إذ كان عليهم إما أن يقبلوا بنظام استبدادي مستقر، أو مواجهة إسلام راديكالي.. لقد نجحت الأنظمة الاستبدادية في إقناع الأمريكيين بأنها البديل الوحيد عن هذا الإسلام في المنطقة، ولم يكن هناك بديل ثالث، وحتى إن لاح في الأفق هذا البديل، كان زعماء هذه الأنظمة يدمرونه».
تابع الأمريكيون أحداث ثورة «شباب ٢٥ يناير» في مصر، وفي أذهانهم سؤال واحد: هل مصر قادرة على توليد «حركة سياسية علمانية ديمقراطية ليبرالية مؤيدة للغرب»؟ وكانت إجابات المتابعين لحركة هذه الثورة الشبابية بـ«نعم»، فهذا ما كانت تبشر به هذه الثورة.. من هنا برزت تركيا على السطح بنموذجها السياسي العلماني الديمقراطي؛ كبديل محتمل لمصر بعد «مبارك».
نموذجان ترکیان:
دار سؤال آخر بين الأمريكيين: هل يمكن أن يسير النظام الجديد في مصر على نفس خطى النموذج التركي؟ ويجيب المتناقشون: هناك في الواقع نموذجان تركيان:
النموذج الأول: يبرز فيه دور الجيش؛ فإذا وقف الجيش إلى جانب «مبارك» فمن غير المحتمل أن نجد تغيرًا سريعًا في مصر، وإن وقف الجيش إلى جانب الثورة فإن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت لدراسة الوضع الذي يكون فيه الجيش هو الفاعل السياسي الأكبر لعقود قادمة في مصر.
وعند المقارنة بين مصر وتركيا، يتبين أن النموذج التركي لم يفرز جنرالات مثل «فرانکو» و«سالازار»، و«عبد الناصر»، و«مبارك» حيث كان تدخل الجيش في سياسة البلاد محدودًا ولفترة قصيرة، وسرعان ما يعود إلى ثكناته.. وذلك على العكس من الوضع في مصر، الذي أفرز جنرالات عسكريين تقلدوا أمور البلاد منذ انقلاب ۲۳ يوليو ١٩٥٢م حتى الوقت الحاضر.
كان دور الجيش التركي هو حماية الأيديولوجية العلمانية الرسمية التي رسم خطوطها «مصطفى كمال».. ومن هنا يُطرح سؤال آخر: هل يمكن أن يؤدي الجيش المصري بعد ٢٥ يناير نفس دور الجيش التركي في غياب أيديولوجية مشابهة للأيديولوجية الكمالية؟ وما هذه الأيديولوجية الجديدة التي سيتولى الجيش المصري مهمة الدفاع عنها؟
أما النموذج الثاني: فيتعلق بدور ما يسمى بـ «الإسلام السياسي»، ويتقلص دور الجيش في هذا النموذج ويبرز دور الإسلاميين.. ويكون السؤال هنا عند مقارنة النظام التركي بالنظام المصري: ما طبيعة الإسلام السياسي في مصر؟ وهل سيكون هذا الإسلام راديكاليًا أم سيسير على نفس خطى حزب «العدالة والتنمية» التركي؟
وهناك اختلافات بين مصر وتركيا فيما يتعلق بهذا النموذج، فالإسلاميون في تركيا شاركوا في الحياة السياسية منذ أكثر من خمسين عامًا، وخرج حزب «العدالة» من رحم أحزاب إسلامية أخرى كان هو أكثرها اعتدالًا، ودخل هذا الحزب الحياة السياسية وتعلم قواعدها، وكيف نفسه للتعامل مع نظام ديمقراطي علماني.. وهو نظام بدأ أولى خطواته مع بزوغ فجر التظاهرات الشبابية في مصر.
صحيح أن الوضع في مصر لا يسمح الآن بالتكهن بما ستؤول الأمور إليه فيما بعد، لكن الذي لا شك فيه أن الغرب بإمكانه أن يتعايش مع النموذج الثاني إذا سار النظام الجديد في مصر على نفس خطى حزب «العدالة» التركي Omer Taspinar
نموذج بديل:
يقول الدارسون لهذه القضية: إن الأتراك لم يتركوا لحظة أثناء التظاهرات إلا وقدموا أنفسهم للمصريين على أنهم النموذج البديل الجديد لمرحلة ما بعد «مبارك».. فقد طلب رئيس الوزراء التركي «أردوغان» مع البدايات الأولى للتظاهرات في مصر من «مبارك» أن يرحل وألقى بكل ثقله وراء هذا الأمر، وكاد ذلك يتسبب في أزمة دبلوماسية بين البلدين واعتبر المسؤولون المصريون أن هذا الطلب يُعد تدخلًا سافرًا في شؤون مصر.. وكان «أردوغان» يريد توصيل رسالة إلى مصر مفادها: «نحن لدينا نموذج يزاوج الإسلام بالديمقراطية.. إنه الطريق الثالث الذي يتجنب تجاوزات السلطةالعلمانية، وتجاوزات الإسلام المتطرف».
كان «أردوغان» يروج للنموذج التركي وليس النموذج الإيراني، ويحاول توجيه الإسلاميين في مصر إلى السير على خطى الإسلاميين الأتراك الذين استطاعوا كسب ما يسمى بالمسلمين الأتقياء في الوقت الذي حافظوا فيه على الديمقراطية والتعددية السياسية... لكن المشكلة هنا -كما يقول الدارسون- أن النماذج لا يمكن ترحيلها بسرعة من سياق إلى سياق آخر مختلف؛ حيث كان الإسلاميون الأتراك يشاركون في السياسة منذ عام ١٩٥٠م مع نظرائهم العلمانيين في الأحزاب الأخرى، وذلك على خلاف الإسلاميين المصريين الذين تعرضوا للقمع الشديد، وأجبروا على العمل السري بصورة دفعتهم إلى اتخاذ مواقف متطرفة.. ويقول هؤلاء الدارسون أيضًا: إن «على مصر أن تتعلم من النموذج التركي، وتحرك المياه الراكدة في الشرق الأوسط، وتبحث عن قيم مشتركة تلتقي فيها مع الغرب في عصر تسوده الاضطرابات وعدم اليقين» (Dimitar Bechev)
طريق ثالثة:
لم يقتصر الأمر على «أردوغان» في الترويج للنموذج التركي، فالعديد من الأتراك الآخرين كانوا يروجون لـ «أردوغان» ولهذا النموذج... يقول «إحسان» داجي»: إن «تركيا ونموذج حزب العدالة هما الطريق الثالثة للشرق الأوسط، حيث تمثل تركيا الجديدة قصة ناجحة بديمقراطيتها وتعدديتها السياسية، واقتصادها المزدهر الذي يجري وفق سياسة السوق الحرة والاقتصاد المفتوح.. إن حزب العدالة يتبنى نظرية اجتماعية وثقافية محافظة، لكنه ليبرالي وله برنامج سياسي واقتصادي، ويعتبر نموذجًا على الآخرين أن يتأملوا فيه كثيرًا، كان «أردوغان» أعلى الأصوات في العالم الإسلامي تأييدًا للتظاهرات في مصر، وكان أول من دعا إلى حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات وتدعو إلى برلمان جديد.. إن لـ«أردوغان» مكانة خاصة في قلوب العرب ويحظى بثقتهم، وكان يعارض السياسة «الكمالية» العلمانية في بلاده، وكانت له مواقف قوية لصالح الشعبين العراقي والفلسطيني.. لقد أدان بشدة الاعتداءات الصهيونية الوحشية على قطاع غزة، وانسحب من منتدى «دافوس» الاقتصادي حتى اعتبره العرب بطلًا».
ويوضح «داجي» ما هو مطلوب من مصر بالضبط فيقول: إن «التغيير الديمقراطي في مصر سيساهم بلا شك في حل مشكلات المنطقة واستقرارها، ويجب عدم النظر إلى الديمقراطية بتخوف، لأنها السبيل لإنشاء نظام إقليمي مستقر.. إن الحكومة التركية تتوقع من نظام ما بعد «مبارك» أن يعمل على إيجاد توازن إقليمي من شأنه أن يحل المشكلة الفلسطينية، وافتقاد «إسرائيل» للدعم المصري سيجعلها تعيد حساباتها ومواقفها، وكذلك الأمر مع منظمة التحرير.. إن تعميق الديمقراطية في تركيا ساعدها على الحفاظ على مصالحها والمصالح الدولية في نفس الوقت Ihsan Dagi
صناعة الديمقراطية:
أما «مصطفى أكيول»، فقد كان أكثر وضوحًا في تحديد الهدف من الإغراء والإغواء لدفع مصر ما بعد «مبارك» إلى النموذج التركي؛ فيقول: إن «تجربة حزب العدالة في تركيا يمكن أن تتطور إلى مرحلة تُسمى بمرحلة «ما بعد الأسلمة»، حيث يقبل الإسلاميون في هذه المرحلة قواعد الديمقراطية العلمانية واقتصاد السوق، لهذا يجب أن يعطى الإسلاميون الفرصة للمشاركة في السياسة والوصول إلى السلطة، ومواجهة قضايا العالم الحقيقية، وتحديد طريقهم إلى البراجماتية».
ويقول «راؤول بارك» من جريدة «نيويورك تايمز»: «إننا لا نعتقد أن الإسلاميين غير مخلصين في التعامل مع الديمقراطية، ويجب أن نعطيهم الفرصة حتى يصبح المسلمون الأتقياء جزءًا من اللعبة الديمقراطية، وعليهم أن يطوروا أنفسهم بينما هم يلعبون وفق قواعدها» Mustafa Akyol
ولخص «سونر كاجابتاي» هذه العملية برمتها في مصطلح أطلق عليه «فن صناعة الديمقراطية»، وعرفه بأنه «فن إدارة الشؤون الديمقراطية التي يمارس فيها الجيش دور المدافع عن استقرار البلاد خلال الفترة الانتقالية، في الوقت الذي ينحو فيه الإسلاميون نحو الاعتدال بالمشاركة في العملية السياسية في إطار ديمقراطية علمانية تكون على علاقة صداقة مع الولايات المتحدة والغرب».
ويشير «كاجابتاي» إلى مسألة مهمة مفادها أن اتجاه الإسلاميين نحو الاعتدال لن يكون بسبب تغييرهم لنظامهم، وإنما سيكون الاعتدال مفروضًا عليهم بسبب التوازنات السياسية التي ستجبرهم على قبول الاعتراف بالديمقراطية الليبرالية Soner Cagaptay
قيم راقية:
لم تكن هذه الأصوات التي أشرنا إليها هي الوحيدة التي تحاول دفع مصر على الاقتداء بالنموذج التركي، بل هناك أصوات أخرى تعالت لحث مصر على الولوج في هذا الطريق.
أكد «فواز جرجس» أستاذ سياسة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بمدرسة الاقتصاد بلندن على ذلك، معتبرًا أن «النموذج التركي هو الوحيد والفعال في الشرق الأوسط، وذلك رغم الاختلافات العميقة بين تركيا وغيرها من أقطار الشرق الأوسط، وأهمها أن تركيا شريكة لحلف «الناتو»، ومرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وذات اتجاه إسلامي معتدل.. في حين أن عرب الشرق الأوسط يفتقدون إلى ثقافة الحرية السياسية المطلوبة، لكن الثورة التي حدثت في مصر كانت بمثابة إعادة بناء للديمقراطية، وإعادة بناء للمؤسسات الفاشلة القائمة فيها».
«فادي حقورة» الأستاذ المشارك في «لندن شاتام هاوس» يؤيد ما قاله «جرجس»، وإن كان يرى أن أمر تحقيق تنمية اقتصادية وسياسية في مصر وتونس بعد التغيير يحتاج إلى عقود، كما يرى أن نجاح حزب «العدالة والتنمية» عام ۲۰۰۲م يعد انتصارًا لجهود الإسلام السياسي المرتكز على ما يصفه بـ«قيم إسلامية راقية تجري في ظل الديمقراطية، وليس تحت ظل الشريعة الإسلامية الصارمة».
شكوك:
ورغم كل هذه الأصوات الداعمة لدفع مصر نحو النموذج التركي، إلا أن هناك شكوكًا تحيط بإمكانية حدوث ذلك.. يقول «لورنزو فيدنو» الخبير في شؤون حركة الإخوان المسلمين في مؤسسة «راند»: «لا شك بأن الخبرة التركية هي أفضل سيناريو للحركة الإسلامية السياسية في مصر، لكنني أستبعد حدوث ذلك؛ لأن حركة الإخوان في مصر لم تعايش هذا التطور الذي حدث للإسلاميين الأتراك، من حرس قديم معاد للديمقراطية إلى حرس آخر داعم لها».
والأهم من ذلك كله، أن هناك شكوكًا أخرى تحيط بمدى استمرار تركيا في طريقها الذي يجمع بين الإسلام والديمقراطية.. يقول «فيليلبيتيا»: إن «تركيا حليف لا يمكن التنبؤ بأفعاله، لقد رسمت لنفسها طريقًا مستقلًا في السنوات الأخيرة، واختلفت مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في بعض قضايا السياسة الخارجية، وأثرت على صداقتها مع «إسرائيل»، وكسبت بها إعجاب شعوب منطقة الشرق الأوسط Villelbeitia.
مزاوجة:
المدافعون عن النموذج التركي يبرزون قضية المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية، ويرون في هذه المزاوجة الصورة البراقة لما يُسمى بـ«الإسلام المعتدل».. لكن الكاتبين اليهوديين «دانييل بايبز» و«عساف روميروسكي» حددا بوضوح ملامح هذا الإسلام المعتدل المطلوب على النحو التالي:
أولًا: رفض الجهاد كوسيلة لفرض الحكم الإسلامي.
ثانيًا: رفض العمليات الاستشهادية.
ثالثًا: رفض أن يكون غير المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية في بلاد الإسلام.
رابعًا: رفض عقاب الزناة بالقتل، ورفض عقاب الفتيات اللواتي وقعن في جريمة زنا بالقتل، أو ما يُسمى بالقتل من أجل الشرف.
خامسًا: رفض توقيع عقوبة القتل على من يسبون الدين، أو من يرتدون عن الإسلام.
سادسًا «وهو الأهم»: أن يتبنى المسلمون نفس نمط الحداثة الذي يعيشه اليهود والنصارى؛ بمعنى أنهم لا يشعرون بالتناقض بين كونهم يحافظون على أداء شعائرهم الدينية، ويعيشون في مجتمع عصري مهمًا اتفقت أو اختلفت حياة هذا المجتمع مع مُسَلَّمات هذا الدين.
والذي لا شك فيه أن محاولة مزاوجة الإسلام بالديمقراطية هي معركة يحارب الغرب من أجلها بلا هوادة، بعد أن تبين له أن النصر على الجهاديين أمر بعيد المنال.
حرب خاسرة:
يقول الكاتب الأمريكي «دافيد سيلبورني» في مقالة له بعنوان «الحرب الخاسرة مع الإسلام»: إن «الإسلام ليس دين سلام، وليس دين اختطاف وليس دينًا أفسدته القلة من أبنائه.. إنه على خلاف ذلك كله: دين فيه صلابة أخلاقية، وحماسة وغيرة بدأت تدب في أوصاله، وأخلاقيات جهادية، حتى إن الكثير من المسلمين في الشتات يرفضون أن يشاركوا غير المسلمين قيمهم على اختلاف أنواعهم، وقرآنهم يؤيدهم في ذلك.. الإسلام ليس مجرد دين بالمعنى التقليدي للدين، إنه إلى جانب ذلك حركة سياسية وأخلاقية، ويرى معتنقوه أنه دين يملك حلًا لكل مشكلات البشرية، وأن على البشر جميعًا الخضوع لحكمه.. إن القيم الغربية؛ مثل حرية السوق وحرية الاختيار وحرية المنافسة أو الحرية الفردية ذاتها، لا تتسق مع الإسلام وشريعته.. وإن عقيدة بهذه الصورة تجعل مشروع ترسيخ الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية لصالح الغرب أمرًا مضحكًا، ومنافيًا للعقل، ولا يقبله الإسلام».
هذا هو رأي «سيلبورني»، أما الإسلاميون فيقولون: إن «عقيدة الإسلام وحدها والمنهج المنبثق منها هي أساس المجتمع المسلم، وهذا مبدأ لا يسمح الإسلاميون فيه بالتميع والأرجحة، فعقيدتهم هذه لا تقبل لها شريكًا ولا يسمحون لهذه العقيدة أن تختلط بغيرها من المعتقدات والتصورات البشرية.. فالإسلام عندهم إسلام فحسب، وهم يؤمنون بأنه ليست هناك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار منها، أو يخلط واحدًا منها بالآخر، ليس هناك حل وسط، ولا منهج بين بين، ولا خطة نصفها من هنا ونصفها الآخر من هناك، إنما هناك حق وباطل، هدى وضلال، إسلام أو جاهلية، طريق الله أو غواية الشيطان.. ليس هناك إلا منهج واحد هو الحق، وهو المنهج الذي شرعه الله، وما عداه فهو للشيطان ومن الشيطان، فلا يمكن التعايش بين منهجين للحياة، أحدهما من صنع الله والآخر من صنع البشر، بينهما اختلاف جذري عميق بعيد المدى شامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والخلق والسلوك والتنظيم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإنساني.. فكل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بد أن تكون مختلفة مع الأخرى متصادمة معها، فشرائع الأرض وقوانينها ومناهجها تصدر من بشر قاصر، محدود العمر محدود الرؤية، متقلب الهوى، لا يستقر على حال، ولا يكاد يتفق اثنان فيه على رأي أو رؤية أو إدراك. ذلك لأن الحق واحد لا يتعدد، فالله قد حصر الأمر في اثنين لا ثالث لهما: الحق والهوى، طريق الله وطريق الشيطان، وعلى الإنسان إما: أن يستمع إلى وعد الله، أو أن يستمع إلى وعد الشيطان، ومن لا يسير في طريق الله ويسمع وعده، فهو سائر في طريق الشيطان، ومتبع لوعده، ويقول تعالى في ذلك: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (القصص: 50) وهدى الله هو القرآن».
هناك فرق -بلا شك- بين إسلام يسمونه بـ«المعتدل» يرضى عنه الغرب محوره ديمقراطيته الليبرالية، ويكتفى فيه بالشعائر التعبدية والأخلاق الفاضلة.. وإسلام «حقيقي» محوره كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأساسه شريعة الله عز وجل وسنامه الجهاد في سبيل الله.. فأي الطريقين تختاره مصر بعد «مبارك»؟ هذا أمر لم يتضح بعد!
د. أحمد إبراهيم خضر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل