العنوان الحضارة الإسلامية.. وصناعة الحياة
الكاتب سعيد عائض مانع
تاريخ النشر السبت 26-أكتوبر-2002
مشاهدات 94
نشر في العدد 1524
نشر في الصفحة 66
السبت 26-أكتوبر-2002
لا يشك عاقل أو منصف في أن الحضارة الغربية بجميع أبعادها الاقتصادية والثقافية وبعض جوانبها الاجتماعية، قد أسهمت في تقدم ورفاهية الإنسان والحياة، وأن لها آثارًا إيجابية، وهذا بلا ريب ما نلمسه يوميًا في أنفسنا ومجتمعاتنا.
لقد استطاعت هذه الحضارة أن تمنح وتعطي الإنسان من القدرات والإمكانات ما لم يكن يحلم به من قبل، وهيأت ويسرت له من الوسائل والتسهيلات ما غير في كثير من جوانب حياة الإنسان، وأضفى عليه مزيدًا من اليسر والرفاهية.
لقد أبدعت هذه الحضارة في استخدام كل ما في الكون لخدمة الإنسان، والأكثر من ذلك أنها تنتقل من مرحلة إلى أخرى، فالتطور والتقدم فيها بشكل مطرد.
لقد وفقت في اكتشاف الذرة والنواة وتطبيقاتهما الكثيرة، وفي استخدام وتطوير الاتصالات والإعلام حتى أصبح هذا الكون شبيه القرية الصغيرة ما يحدث في آخرها يصل إلى أولها في ثوانٍ معدودة.
وفي جانب الطب، ساهمت - بقدراتها وإمكاناتها الهائلة - في اكتشاف الأدوية والعلاج لكثير من الأمراض المستعصية، وأيضًا في تطوير علم الطب والهندسة الوراثية، كل هذه الإنجازات والإبداعات وغيرها كثير ساهمت في بنائه هذه الحضارة بمعطياتها المختلفة.
ولكن.. وللأسف.. إنها حضارة بنت كل ما حول الإنسان، ونسيت بناء الإنسان نفسه، إنها حضارة المادة والمادة فقط، إنها حضارة الوسائل والآلات لا حضارة المبادئ والغايات.
وهذا بالفعل سر ما تعانيه من مصائب وآفات عجزت عن حلها، لقد ولدت وأنتجت هذه الحضارة آثارًا سلبية ذاقت مرارتها البشرية لعقود طويلة، وما زالت تذوق مر ثمراتها، وستذوق المزيد إن استمرت في هيمنتها على الأمم والشعوب، إلا أنها ستكون في المرحلة القادمة بشكل جديد يحمل في طياته الكثير والكثير من القبح والعفن الغربي.
لقد انعكس كثير من جوانب هذه الحضارة على حياة الإنسان، وأصبح يشكل خطرًا وأضرارًا كثيرة، لقد حلت هذه الحضارة كل القيود الأخلاقية، وأصبح كثير من المجتمعات العربية يعيش تحت خط الانحطاط، ويعيش حالات من التفكك الأسري، وارتفعت بشكل مخيف معدلات الانتحار، حتى أنه في دولة مثل هولندا أصبحوا يخصصون أماكن للانتحار لأنه أدى إلى إرباك الحياة العامة! فضلًا عن الأمراض النفسية والقلق والاضطرابات العقلية، والاكتئاب وحياة العزلة والانفراد، بعيدًا عن روح الجماعة والمشاركة، وحالات الخوف - الفوبيا - وانتشار الأمراض الجنسية، وارتفاع نسب الجريمة بأشكال وأنواع بشعة... وغيرها كثير.
بالفعل لقد أصبح من الممكن القول إن هذه الحضارة على شفا جرف هار من الانهيار والتفكك.
إن البشرية اليوم تتطلع إلى نور يبدد الظلمات، إنها بحاجة ماسة إلى حضارة جديدة، حضارة تعيد لها حلاوة الإيمان بالله وبرسالاته، وإلى القيم والمعاني السامية التي من دونها لا فرق بين الإنسان والحيوان، البشرية بحاجة إلى حضارة تحمل نفحات الوحي الإلهي.. حضارة لها فلسفة ورسالة خاصة غير فلسفة الحضارة الغربية ورسالتها.. البشرية في حاجة ملحة إلى حضارة جديدة تعطيها الإيمان ولا تسلبها العقل.. تعطيها الدين ولا تفقدها العلم، تعطيها الروح ولا تحرمها المادة.. تعطيها الآخرة ولا تحرم عليها الدنيا، تعطيها الأخلاق ولا تسلبها الحرية، البشرية بحاجة إلى حضارة ذات دين رباني، ورسالة عالمية خالدة، بحاجة إلى دين يخاطب العقل والمنطق، دين يحمي الإنسانية، دين شامل للحياة، دين قائم على الوسطية.
لا إفراط ولا تفريط.. دين يحترم الشعوب، والأمم، دين كامل لا يحتاج إلى فرضيات أو نظريات، ولا إلى زيادة أو نقص أو تعديل، إن البشرية والعالم اليوم بحاجة إلى حضارة تحمل الميزان الدقيق للواجبات والحقوق، حضارة تحرص على بناء القوة والعدل «قوة الحق»، حضارة تنطلق من مبدأ المساواة والعمل بغض النظر عن الجنس والعرق.
وليست هذه الحضارة إلا حضارة الإسلام العظيم، حضارة المواكبة للحضارات الأخرى، حضارة التعايش مع الآخر والاستفادة منه، حضارة الأمن والسلام والتسامح، حضارة التوازن والتكامل.
الإسلام هو البديل بل هو الحل، والإسلام يملك من مقومات البقاء ما يكفي لأن يقود حضارة المستقبل وصناعة الحياة والتقدم بها إلى الأفضل والأحسن، فهو دين الله الخالد.
ولكن يفترض بنا أن ننقل رسالة الحضارة الإسلامية كاملة إلى كل شعوب الأرض وأممها بكل الوسائل الممكنة، وأن نستفيد من الحضارات الأخرى، ونعمل على تغيير الواقع وتطوير ذاتنا ومحيطنا وكل مجتمعاتنا، ونجعل من ذلك نقطة الانطلاق نحو مستقبل أفضل لوطنا وأمتنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد آية 11).