العنوان الدولة الحديثة والموقف من السلطة
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مشاهدات 60
نشر في العدد 1314
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 25-أغسطس-1998
● التجارب الإسلامية أو القومية التي غيرت النظام وأعلنت سياسات مغايرة وجدت نفسها بين براثن الدولة الحديثة والنظام العالمي المسيطر.
في هذا المقال يطرح الأستاذ منير شفيق رؤية في التغير والإصلاح مغايرة لما تطرحه الحركات الإسلامية.. فهو يدعو إلى تشكيل تيارات شعبية لا تضع في برامجها هدف الوصول إلى السلطة أو حتى المشاركة فيها، ولكن تأخذ موقفًا حازمًا في الالتزام بلعب دور القوة الضاغطة في مقاومة ما يمكن اعتباره سياسات أو توجهات خاطئة.. سواء داخل السلطة أو خارجها..
ثمة مجموعة إشكالات تتعلق بالدولة الحديثة التي سادت في أغلب البلدان الإسلامية، ولا سيما العربية منها بعد الحرب العالمية الأولى، وهي ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار من قبل الساعين إلى الإصلاح أو التغيير، سواء أكانوا من القوى الإسلامية، أو القومية، أو الوطنية العلمانية.
أولًا: قامت الدولة الحديثة في ظل السيطرة الاستعمارية المباشرة أو ضمن توجهات بناء الدولة على أسس شبيهة، ولو من ناحية جزئية أو شكلية، بالدولة الغربية المعاصرة، ولهذا يمكن القول إن دولة ما بعد الاستقلال، وإن رفعت علم الاستقلال وطرحت برامج وطنية في عدد من المجالات، كانت استمرارًا للدولة التي بنيت في العهد الاستعماري، لا سيما من جهة مؤسساتها وأجهزتها وقوانينها وأنظمتها وتقاليدها في الإدارة والعمل كما من جهة علاقتها بالمجتمع والناس، وهو ما جعلها في حالة تناقض مع المجتمع، بل في حالة غربة عنه، وكثيرًا ما كانت- موضوعيًّا- في حالة تناقض مع البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تطرحها القيادة السياسية التي تقود هيئاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما بقيت تبعيتها للخارج كامنة فيها من عدة نواح.
ثانيًا: قامت الدولة الحديثة باعتبارها دولة قومية على مستوى بعض البلاد الإسلامية، أو باعتبارها دولة قطرية وطنية على مستوى الدول العربية التي اتسمت بحالة تجزئة، وهذا ما جعل الدول الحديثة تحمل طابعًا أو طبيعة قومية على مستوى بلدان كتركيا وإيران مثلًا، أو طابعًا وطنيًّا قطريًّا ذا طبيعة تجزيئية، أي تتجه نحو تكريس التجزئة وتعميقها كحالة بعض الدول العربية.
إن سمات الدولة الحديثة القومية أو القطرية محكومة، بالضرورة، لا بسبب المنشأ والطبيعة فحسب وإنما أيضًا بسبب الموقع التجزيئي القائم والمكرس والمحمي دوليًّا، بالاتجاه لتكريس المصالح الضيقة التي تنبع من الحالة القومية المذكورة أو الحالة القطرية، وهذا الاتجاه يتكرس بالسعي لمناطق النفوذ الجيويوليتيكي أو بالسعي للإفلات من تلك المناطق ولو بالاستقواء بالقوى الخارجية، ومن ثم تأتي المحصلة حالة من تفجر التناقضات فيما بين الدول المذكورة بل حالة من شل بعضها بعضًا.
ثالثًا: قامت الدولة الحديثة وتقوم في ظل نظام عالمي تتحكم به الدول الكبرى، وهو نظام يتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بكل مجريات الحياة الداخلية في تلك الدولة، فهذا النظام يقوم على تفوق في القوة العسكرية والاقتصادية والمالية والعلمية والتقنية والإعلامية لمصلحة مجموعة من الدول الكبرى، والتي راحت تعمق الهوة بينها وبين أغلب قوى العالم الأخرى، لا سيما الإسلامية والعربية منها، وها نحن أولاء نرى اليوم اتجاه العولمة يستعد لإحكام السيطرة على الدولة الحديثة في البلاد العربية والإسلامية، كما على الدول الأخرى، سيطرة لم يسبق لها مثيل، الأمر الذي يجعل الدولة الحديثة موضع بحثنا غير قادرة على حماية حدودها ولا أسواقها ولا إعلامها أو هويتها المميزة، الأمر الذي سيفاقم من حالة التبعية ومن حالة التجزئة ومن حالة الدولة القامعة الاستبدادية.
رابعًا: بالنسبة إلى الدولة العربية الحديثة بالخصوص، هناك إشكال وجود الدولة العبرية، وهو ما يفرض أن تؤخذ كل التحديات المترتبة عن ذلك في الاعتبار عند تناول أشكال الدولة الحديثة أو إشكالات الإصلاح والتغيير في الدولة الحديثة.
لو توقفنا عند هذه السمات فقط سنجدها جميعًا ذات طبيعة مادية واقعية تتحكم بالدولة الحديثة ولا يستطيع أن يفلت من تحكمها أي نظام يقوم في تلك الدولة، ومن ثم فإن كل معالجة لمسائل الإصلاح أو التغيير، لا سيما فيما يتعلق بالدولة والنظام والسياسات الكبرى الخارجية والداخلية يجب أن تبدأ من فهم تلك السمات والتعمق في إدراكها وما تعنيه في مجال الممارسة الواقعية، ومن ثم ما يمكن أن يكون متاحًا بالنسبة إلى كل مرحلة وظرف دولة معينة.
هذا المنهج يختلف عن منهج الكثير من الحركات والاتجاهات الفكرية الإسلامية والقومية والوطنية التي ركزت جل جهدها النظري والسياسي على النظام القائم ورموزه وسياساتهم دون أن يفرق بين ما هو نابع من طبيعة السمات آنفة الذكر ومحكومًا بها من جهة، وما يتعلق بالنظام وسياساته من جهة أخرى، لأن أغلب التجارب التي غيرت النظام وأطاحت برموزه وأعلنت سياسات مغايرة ونظامًا مغايرًا وجدت نفسها- موضوعيًّا- عن وعي أو دون وعي- بين براثن الدولة الحديثة بسماتها المتوارثة وبطبيعتها القومية والقطرية، وقد أدركت بالتجربة القاسية ما معنى النظام العالمي الذي يستطيع أن يحاصرها، ويشوه سمعتها، ويحرض عليها، ويتحكم بتجارتها واقتصادها وإمكان تطورها التكنولوجي، بل يتحكم حتى في عملتها وخبزها.. إلخ.
كما وجدت نفسها بين براثن كل السلبيات التي حملتها السمات المذكورة، الأمر الذي جعلها تدرك الهوة العميقة القائمة بين برامجها ومشروعها وحلمها، وبين قيامها فوق الدولة الحديثة بسماتها وطبيعتها المذكورة وما يحوط بها من تناقضات إقليمية ودولية، وما يتحكم بها من نظام عالمي، وإذا أضيف إلى كل ذلك ما يمكن أن يتفجر داخلها من تناقضات وحركات معارضة وحتى انفصالية، وما يمكن أن يتفجر على حدودها من صراعات، وقد تغذت جميعًا من السمات أنفة الذكر، فسوف ندرك تعقد الصورة التي أمامنا، مما يفترض أن تبني البرامج على أسس واقعية تحسب جيدًا الأبعاد الحقيقية لمجموعة تلك الإشكالات، وإلا وجد النظام الجديد نفسه يغرق في القمع والإجراءات البوليسية.
إن من أهم ما يجب أن يدرك هنا على ضوء تلك الإشكالات كما على ضوء تجارب الحالات التي قامت بها أنظمة قومية، أو وطنية استقلالية أو أنظمة إسلامية، أو تجارب الحكومات التي شاركت فيها قوي إسلامية مع قوى قومية أو علمانية وطنية هو ما يلي:
أن الرياح تهب في كل جانب في غير مصلحة الإصلاح والتغيير لا سيما حين يكون الهدف ذا طبيعة تحررية أو استقلالية أو نهضوية أو وحدوية أو إسلامية أو حتى تضامنية على مستوى الدول الإسلامية والعربية، الأمر الذي يجعل محاولات التغيير الأكثر جذرية أو الأكثر جدية في التوجهات الوحدوية والتضامنية والتنموية معرضة لضغوط أشد، ولعزلة أو حصار أقسى، وربما لما هو أكثر من ذلك وصولًا إلى تفجر الصراعات المسلحة الداخلية أو الحدودية أو الخارجية.
تؤكد هذه الصورة تجارب التغيير الإسلامي في إيران، والسودان، ومن قبلهما تجارب قومية عربية أو وطنية مثل تجربة عبد الناصر، والتجربة الجزائرية وصولًا في التاريخ الحديث حتى تجربة محمد علي، كما تؤكدها- وعلى مستوى أقل- تجارب المشاركة في السلطة من قبل قوى إسلامية أو وطنية أو عروبية من مثل تجربة اليمن، وتركيا، وماليزيا، والأردن، وسورية قبل الوحدة مع مصر، كما تجربة الوحدة المصرية- السورية.
بكلمة، إن الدرس الأول الذي يجب استخلاصه هو أن مواجهة الإشكالات الكبرى التي تتحدى الإصلاح والتغيير يتطلب تشكيل أوسع الجبهات الداخلية لكي يكون بالإمكان توزيع ذلك الحمل الثقيل، أما أن يحاول اتجاه أن يحمله وحده ويقصي غيره عن المشاركة ناهيك عن رفض التعددية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وإفساح المجال الواسع للنقد ولحرية الصحافة فذلك يؤدي إلى مفاقمة المشاكل وإلى عزلة النظام وربما إلى ما لا تحمد عقباه، ناهيك عن الابتعاد أكثر فأكثر عن المشروع الأصلي الذي حرك التغيير.
هذا يعني أن خيار المشاركة أو إشراك أوسع القوى التي يمكن التعامل وإياها، وإفساح المجال أمام التعبير عن الرأي والاحتكام لصناديق الاقتراع بالنسبة إلى المعارضة لا سيما تلك التي يمكن أن تنشأ من داخل النظام نفسه هو الخيار الأفضل، لا سيما بالنسبة إلى الحركات الإسلامية حتى لو كان بمقدورها الانفراد بالسلطة، فهذا الخيار أي المشاركة أو العمل من خارج السلطة يجب أن يكون الأفضل سواء أكانت الحركة المعنية قوية أو ضعيفة، وسواء أكانت السلطة بيدها أو كانت بيد قوة أخرى.
أما من جهة أخرى فإن خيار اتباع الخط التضامني فيما بين الدول الإسلامية وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية يشكل بدوره الخيار الأفضل كذلك.
بكلمة، إن تأمل المرء بعمق أكبر من السمات آنفة الذكر حول الدولة الحديثة يفترض أن تحد الاستراتيجية وفقًا لكل حالة وخصوصيتها، لكن من الأساسي في كل الحالات أن تتشكل تيارات شعبية تقف في مقدمتها حركات سياسية واجتماعية وثقافية ونخب من العلماء والمفكرين لا تضع في برامجها هدف الوصول إلى السلطة، أو حتى المشاركة في السلطة، بل تأخذ موقفًا حازمًا في الالتزام بلعب دور القوة الضاغطة في دعم مقاومة ما يمكن اعتباره سياسات أو توجهات خاطئة داخل السلطة أو خارجها، سواء جاءت من قوى حليفة أو صديقة في السلطة أو جاءت من قوى نقيضة أو معادية، فيكون الهدف هو البرنامج والثوابت دون أن يتحول ذلك التيار إلى قوة تنفيذية، وهذا لا يعني الموقف السلبي أو العدمي أو الانعزالي من موضوع السلطة، وإنما يعني الموقف الإيجابي الفعال لكن دون التورط فيها والاضطرار للوقوع بالضرورة في براثن السمات المتحكمة لا محالة في السلطة أي سلطة تحكم الدولة الحديثة آنفة الذكر، والتي تنقل شرورها لا إلى الأفراد فحسب وإنما أيضًا إلى النظام.. أي نظام ضمن المعادلة الراهنة إقليميًّا وعالميًّا وعلى مستوى الدولة الحديثة في العالم الإسلامي.
وبالمناسبة يمكن التأصيل لهذا النهج من خلال متابعة نهج كبار علماء الأمة إزاء المشاركة في السلطة أو إزاء الاستيلاء على السلطة، فالمنهج الذي اتبعه أولئك العلماء منذ مرحلة التابعين ولقرون طويلة ونخص بالذكر هنا على سبيل المثال: الأئمة مالكًا، وأبا حنيفة، وأحمد ابن حنبل، والشافعي، وابن تيمية، وابن الجوزية، والعز بن عبد السلام، إذ شكلوا قوة معنوية وشعبية كبرى ضاغطة على السلطة ومقومة لكل اعوجاج دون أن يشاركوا في السلطة أو يستولوا عليها بالرغم من أنها كانت دولة إسلامية ذات سيادة عالمية أي كانت أرضها أكثر خصوبة، بما لا يقاس إذا قورنت بالدولة الحديثة والظروف الراهنة، من جهة الإصلاح والتغيير وإقامة العدل.
على أن هذا النهج أو ما يمكن أن يتولد عنه تيارات يكتسي أهميته بوجود الحركات الإسلامية أو غيرها التي تحمل هدف إقامة سلطتها أو المشاركة في السلطة، أي لا يشكل بديلًأ وإنما جزءًا مكملًا، أو ضرروة إلى جانب ضرورة غير من التوجهات، كما لا يشكل هذا الخيار إلغاء للخيارات الأخرى وفقًا لكل حالة وخصوصيتها.
لعل لفتح حوار واسع على مستوى كل بلد وعلى مستوى عام حول الدولة الحديثة والضعين الإقليمي والعالمي، كما حول إشكالات المشاركة والتعددية والجبهات المتحدة وحرية الرأي وحرية الصحافة أصبح ضرورة صارخة.
فقد آن الأوان أن ننتهي من التبسيطية في فهم الإشكالات المتعلقة بالنظام والدولة والهوية والاستقلال والوضع الدولي والعلاقة بالشقيق كما العلاقة بالخارج، كما ينبغي لنا أن ننتهي من حصر الإشكال في نطاق الوعي والسياسة والقيم والفرد دون رؤية الطبيعة الواقعية المادية الخارجية والإقليمية والداخلية، للإشكالات التي تواجه الإصلاح والتغيير لا سيما تلك المتعلقة بالدولة الحديثة في البلاد الإسلامية وبعلاقات الدول الإسلامية والعربية ببعضها البعض وبالنظام العالمي ودوره على مستوى كل دولة على المستوى الإقليمي فالمستوى العالمي.
[1] - كاتب ومفكر إسلامي فلسطيني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 2176
91
الأربعاء 01-فبراير-2023