; ابن سينا مؤسس الطب النفساني الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان ابن سينا مؤسس الطب النفساني الإسلامي

الكاتب د.عطوف محمود ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980

مشاهدات 78

نشر في العدد 505

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 18-نوفمبر-1980

ليس غريبًا أن يطمس الغربيون «حضارة كاملة» بعلمائها وآثارها من التاريخ الحضاري الحديث، هي حضارتنا المتواضعة، ولكن الغريب أن يسقط معظم علمائنا المعاصرين بنفس الحفرة، فلا نجد في مؤلفاتهم كلمة عن مساهمة علمائنا في إثراء الحضارة والمعرفة الإنسانية، بما قدمه: ابن سينا، والكندي، وابن رشد، وأبو بكر الرازي، والفارابي، والغزالي، وابن باجة، ومئات آخرون ممن تمتلئ المكتبات الأوربية، والروسية، والأمريكية بمخطوطاتهم. 

وها هو «الاتحاد السوفيتي» يقيم لابن سينا مجمعًا علميًا، وتمثالًا تتصدره ميدالية تحمل صورة ابن سينا، قام بتصميمها الفنان السوفيتي «ألكسي بونوف» بمناسبة الذكرى الألفية لهذا العبقري المسلم، وسجل تحتها باللغات الروسية، والعربية، واللاتينية «۹۸۰- ۱۹۸۰». وفي إسبانيا «أندلس الأمس» تقيم الدولة تمثالًا ومركزًا للبحث لابن رشد باعتباره جزءًا من حضارة إسبانيا وتراثها المحلي التاريخي، واليوم لا نجد في برامج التعليم الثانوي والجامعي في «أربعين جامعة عربية» تمتد من الخليج إلى المحيط كلمة واحدة عن تراث علمائنا، وكأنهم غرباء عنا، أو كأن جيلنا الجديد معزول ومفصول عن أصوله وجذور حضارته وتراثه، بحيث لم يعد مرآة لوجهه سوى «حضارة الغرب» بكل ما تحمله إلينا اليوم من سموم فتاكة وتشويه، تغلفه قشرة رقيقة اسمها التقدم العلمي والإنجاز التكنولوجي. 

ابن سينا -كما ذكر العالم «كارادوفو البارون»- كان طبيبًا وجراحًا ونفسانيًا من الطراز الفريد، أجاد لغات عصره كاليونانية، واللاتينية، والعبرية القديمة، والعربية، والفارسية وكان حوله ست مائة طبيب، وقام بتدريب ثلاثة آلآف آخرين. 

ويعتبر ابن سينا أول من اكتشف العامل النفسي في إنتاج المرض العقلي، وبذلك يعتبره المنصفون بأنه المؤسس الأول للطب السيكوسوماتي في بيان علاقة الأمراض الجسمية كاستجابات للاضطرابات النفسية التي يطلق عليها: «الخلل الهيموستازي»؛ أي «البايوكيميائي». وقد بقي كتابه «القانون» -كما ذكر العديد من المؤرخين وعلى رأسهم المؤرخ الطبي الأول- في أوربا وجامعاتها لما يزيد على ست مائة عام، ولقد سبق ابن سينا «شرنجتون وهيب» في توضيح العلاقات بين الخلل الدماغي العصبي والمرض العقلي من جهة، والاضطرابات الفيزيولوجية والنفسية من جانب آخر، وقدم لنا كشفًا كاملًا للعلاقة بين الجهاز العصبي والأمراض النفسية والعقلية.

وفي عصر ابن سينا ٣٨٠ هـ «٩٨٠م- ۱۰۳۷م» انتشرت المصحات العقلية في شتى المناطق، وكان ابن سينا أبرع وأول من طبق العمليات الجراحية لمرضى العقول، وأحرز فيها نجاحًا ملموسًا، وهذا أحدث ما وصل إليه العلاج المعاصر،  كان ابن سينا نفسانيًا تجريبيًا لا يفصل مطلقًا بين أمراض النفس والاضطرابات البيو-فيزلوجية، استخدم التحليل النفسي، وأشار على مرضاه بالزواج لتوجيه طاقات الجنس توجيهًا سديدًا، وسبق بذلك «فرويد» وأصحاب المدرسة التحليلية في علم النفس، واستخدم الجلسات العلاجية بنجاح، تحدث ابن سينا عن دور الوراثة ومؤثراتها، ولكنه لم يهمل تأثير البيئة في عملتي التشخيص المرضي، والعلاج، وعارض فكرة الحجز، والعزل في السجون لأمراض العقول.

وكان المسلمون أول من أقام المصحات للعلاج العقلي والنفسي والجسمي دون عزل بينهما؛ لارتباطها وتلاحمها، فهم يعتقدون أنه لا انفعال مطلقًا بين مؤثرات البيئة ومؤثرات الوراثة؛ لأن التفاعل بينهما قائم ومتواصل، كان ابن سينا أول من فكر بالتعليل الجشتالتي الشمولي لأسباب العلة، وأول من طبق العديد من أساليب العلاج دون التعصب لمنهج واحد، استخدم الأدوية والعقاقير، واستخدم الحمامات والاسترخاء، طبق الجراحة، ونصح بالزواج. 

 نادى بتغيير «بيئة المريض»، وتنظيم غذائه، وفتح بذلك الباب أمام العلاج السلوكي ومفاهيمه، مستخدمًا الثواب والعقاب كدعامتين لإعادة صياغة السلوك الإنساني، وهو محدود بقيود عصره وظروف بيئته.

قام بتصنيف الأمراض بأنواعها ودرجاتها مستفيدًا من منهجية أرسطو والمعرفة الفيزيولوجية عند أبقراط ومن أسلوب جالينوس، وترك ابن سينا لنا مدرسة كاملة في الطب النفسي والعصبي، وتراثًا خالدًا يقوم حاليًا العلماء السوفييت في اكتشاف كنوزه في الوقت الذي تقع على كواهلنا مسؤولية إحياء هذا التراث وبعثه.

ابن رشد المعلم الثاني:

ابن رشد هو قمة ثانية من قمم الفكر الإسلامي والتراث؛ كان عالمًا وطبيبًا، وفيلسوفًا، احتوى كتابه الخالد «الكليات» أعظم نظرياته العلمية والطبية، قام ابن رشد بتصنيف الأمراض، وفرق بين الأمراض العقلية الحادة، والأمراض المزمنة، وقال ابن رشد:

 «إن بؤرة المرض هي الدماغ والبطن»، وبذلك التحام واضح بين الفيزيولوجيا والأمراض العصبية والعقلية، وشدد على الأثر النفسي وعوامل البيئة في تكوين المرض العقلي، ولكن الشك النقدي اللاذع الذي اشتهر به ووضعه سباقًا لمنهج الشك عند «ديكارت» دفعه بحافز المنهج الموضوعي لرفض الدين في تعارضه مع الغزالي؛ معتبرًا العقل هو مصدر الأحكام والتحليل، وقد أثنى المؤرخون والعلماء المعاصرون على مواقفه، أمثال: أرنولد توانبي، وكارليل، واعتبروا ابن رشد واحدًا من عمالقة الفكر الذين وضعوا مساهمات ضخمة للحضارة والنهضة الأوربية الحديثة، وسموه «المعلم الثاني» بعد أرسطو، وقد نشر «ابن رشد» مبادئه السيكوفيزيولوجية في مئات المصحات العقلية، التي انتشرت في إسبانيا آنذاك، وقام بمعالجة المرضى باستخدام وسائل متعددة دون الاكتفاء بأسلوب واحد.

وقد ساقه عقله النقدي لرفض الوراثة كعامل حتمي، واكتفى باعتبارها مؤثرًا، ولكنه ركز على عوامل البيئة في التشخيص والعلاج، ونادى بتغيير سكن المريض وبيئته، وقد استفاد فيما بعد رواد النهضة الأوربية من مؤلفات وأفكار ابن رشد، وعلى الأخص اسكيول، وجال، وإيتارد، وسبرز هايم. 

ومهما يكن من أمر، فما تركه أبو بكر الرازي، والطبيب الكندي «1» ومئات غيرهم- تجعلنا ندرك أن للعرب وللمسلمين دورًا حضاريًا فذًا، لا يجوز بحال من الأحوال إهماله أو التنكر له. (۲ط)

«۱» راجع للطبيب الكندي كتاب الحاوي، وكتاب الطب المنصوري وعشرات غيرهما.

«۲» راجع «تراث الإسلام» د. شاخت وبودورث- سلسلة عالم المعرفة «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، القسم ۱- ۲- 3 أکتوبر ۱۹۷۸، نوفمبر ۱۹۷۸، ديسمبر ۱۹۷۸».

وراجع «القانون، والشفاء، والنجاة، والإشارات، وعشرات المؤلفات الأخرى لابن سينا».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 34

0

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

حول الدين… و… الدولة

نشر في العدد 72

87

الثلاثاء 10-أغسطس-1971

بخاری.. المدينة المنسية